Showing posts with label personality. Show all posts
Showing posts with label personality. Show all posts

Monday, November 28, 2016

أبوعمر في الجو .. وطائراته على الأرض



 

في إطار احتفاء القرية الإلكترونية - أبوظبي- باليوم الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، نهدي قراء الصفحة الكرام، بهذه المناسبة الميمونة، مقالة «أبوعمر في الجو .. وطائراته على الأرض»، من كتاب «غفوة عند الذئاب» للكاتب والمفكر الإماراتي #محمد_عبيد_غباش ، وذلك ضمن مشروعنا المتجدد #مائة_موقع_في_الإمارات
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
"أبو عمر في الجو.. وطائراته على الأرض"
قضينا ليلة جميلة وسط الجبال. عندما حاولنا العودة في اليوم الثاني اكتشفنا أن سيارتنا القديمة ذات الدفع الرباعي لا تعمل. استنجدنا بصديقنا "أبو عمر" الخبير في ميكانيكا السيارات. وصل إلينا بسرعة الجن كما لو كان مقيماً في الجوار. رفض أن يجرّ السيارة قائلاً إنه سيحاول إصلاحها أولاً. بعد دقيقتين أطلق ضحكة تردّد صداها في الجبال حولنا. اكتشف "أبو عمر" أن العيب لم يكن في السيارة بل فينا نحن الذين لم نكتشف خلو المحرك من الزيت. فتش "أبو عمر" سيارته وسيارتنا، ولما لم يجد زيت محركات بحث في أطعمة الرحلة وأغراض الطبخ، فوجد الحل في زيت الذرة. لم يخطر ببالي في تلك اللحظة أن "أبو عمر" الذي أنقذنا للتوّ، كان يحضّر مشروعاً خطراً وسط تلك الجبال، أو بشكل أدق فوقها.
بعد شهر دعاني "أبو عمر" للقائه في المطار القديم. باعتزاز أشار إلى طائرة صغيرة مستعملة اشتراها قبل مدة. اقترح أن نطير إلى مدينة رأس الخيمة لتناول الشاي ثم العودة. كانت التجربة مثيرة، إذ طرنا على ارتفاع منخفض ورأينا السيارات تحتنا بوضوح. وبعد وقت قصير هبطنا بسلام على مدرج مطار رأس الخيمة.
ما إن لامست أقدامنا الأرض حتى لاحظنا بقربنا طائرة أخرى، وقد ترجل منها 4 رجال أجانب بوجوه محمرّة وكأنهم قد خرجوا من حمام ساونا. أخبرونا أن طائرتهم كادت تسقط بهم بسبب عاصفة عنيفة ضربت الساحل الشرقي، حيث كانوا يطيرون.

بعد تناول الشاي في مقهى المطار ركبنا الطائرة مجدّداً. لاحظت أننا تحوّلنا عن طريق العودة لـ"دُبي" واتجهنا ناحية الجبال شرقاً. ذكّرته بتحذير الأجانب لكنه قال:
-الإنجليز يبالغون في الأخطار. اعتمد عليَّ! الأمور طيبة.
لم أشك بنيَّات على الرغم من أنني كنت أتذكّر أن رجال خفر السواحل عثروا عليه ذات مرة في زورق صيد دون وقود، وفي مرة أخرى كاد يقع بيد الإيرانيين لدخوله المياه الإقليمية من دون إذن. بدأت المشكلة بصوت يشبه الانفجار، ثم ارتجاجات في الطائرة، عندما التفتُّ ناحية "أبو عمر"
أدركت على الفور أننا في ورطة. وعلى رغم الهواء البارد أخذ العرق يتصبب منه، وارتسم الذهول فوق وجهه. حاولت الكلام معه لكنه كان في ملكوت آخر.
يا للهول!
أمست طائرتنا في فم العاصفة. في لحظة كنا نهوي سريعاً نحو قمم الجبال. وفي لحظة أخرى نصعد عالياً فوق السحاب. ولبعض الوقت انقلبت الطائرة على ظهرها فإذا بالجبال فوقنا والسماء تحتنا. في تلك الدقائق شعرت بقرب نهايتنا. تملَّكني الرعب حتى راودتني فكرة إلقاء نفسي من الطائرة لأموت سريعاً. وحالما تركنا الجبال وراءنا وصرنا نطير فوق البحر سألته إن كان ممكناً أن أرمي بنفسي في الماء. استيقظ الطيار المستغرق في ذهوله ليقول: ستموت من الصدمة.
أخيراً أحكم السيطرة على آلته وناورها عائداً إلى اليابسة، وتذكّر مدرج مطار قديماً مهجوراً كانت القوات البريطانية تستخدمه أيام الاستعمار. ما إن حطت الطائرة حتى سارعت بالخروج منها. كان لمس اليابسة تحت قدمي هو أجمل شعور مرّ عليَّ طوال عمري. حمداً لله أن لطف بنا وأعادنا لأمّنا الطيبة. هذه الأرض الحنون بأبنائها بعد أن رأيت ما يمكن للسماء أن تفعله بنا ونحن دون ريش ولا أجنحة. اجتاحني طوفان من الغضب، فوددت لو كان عندي بنزين لأشعل النار في كتلة الخردة القديمة هذه.. تمالكت أعصابي، وأدركت أن اللوم لا يقع على الطائرة ولا على الطيَّار. اللوم يقع عليَّ وحدي لأنني وضعت نفسي على ارتفاع خمسة آلاف قدم في الهواء تحت رحمة شخص متهوّر. بادرني بابتسامة كبيرة:
-هل كنت تحلم بهذه المغامرة وأنت ذاهب لشرب الشاي في رأس الخيمة؟
انهلت عليه باللوم فابتسم معتذراً وقال:
-أحياناً الفضول يدفع إلى المخاطر.
-لكنهم حذَّرونا من العاصفة.
-لا تغضب يا أخي! الحمد لله انتهت الأمور على خير.
كانت فكرة العودة بالطائرة مستحيلة. لذا بدأ "أبو عمر" يمارس لعبة نفسية إزاء قراري العود بسيارة تاكسي. أخذ يتصل بمراكز الأرصاد يسأل عن وضع العاصفة الجوية، ولما سمع أن العاصفة قد هدأت أخذ يؤكد أن الظروف مواتية للطيران. ركبت الطائرة مجدّدًا كالمنوّم مغناطيسيا. لطف الله بنا فعلاً وطرنا في سماء صافية. بالكاد أتذكر رحلة العودة بالطائرة وبالسيارة من المطار إلى بيتي. حلم مبعثر كالزجاج المحطم.
ما حدث تالياً كان هو الأغرب. فالصدمة استمرت معي لبعض الوقت. إضراب عن الطعام أنقص وزني بشكل كبير. وخوف من النظر من نوافذ المباني.
وماذا عن رفيق الرحلة؟ سعيت جاهداً ألا ألتقيه، وألا أرد على مكالماته الهاتفية. بل كنت أتجنّب المرور على الشوارع بين بيته وعيادته حتى لا أصادفه. أردت نسيان التجربة لكنها أبت أن تفارق تفكيري، لأنني، ولعامين تاليين لم أستطع ركوب طائرة. إضراب عن السفر.
لم يعتبر صاحبي من التجربة، بل تمادى في المخاطرة. أقنع مجموعة من معارفه بشراء 4 طائرات ركاب قديمة أسس بها شركة طيران لنقل الركاب والبضائع بين دبي ومناطق تتجنبها الشركات الأخرى بسبب الحروب كالعراق والصومال. لسوء حظ "أبو عمر" وشركائه، وبعد 6 أشهر من العمل، صدر قرار دولي يمنع طائراته الأربع من السفر، ولذلك بقيت واقفة في مطار العاصمة الأردنية لعدة سنوات على أمل أن يتم الترخيص لها لمعاودة العمل.
مع ذلك يفاجئني "أبو عمر" أنه، ورغم كل شيء، كمثل كل عاشق، ليس نادماً على شيء. لو يعود الزمن للوراء فلن يغيّر من سلوكه المخاطر ذرة واحدة. وماذا عن الطائرات الجاثمة على الأرض؟ ماذا عن الدّيون؟ يتقبّل "أبو عمر" المشكلات كقدر، ولا يتوقف لحظة عن لوم الهيئات المختصة التي تبالغ في إجراءات السلامة. لسان حال "أبو عمر": أولسنا نخاطر منذ اللحظة التي نترك فيها بيوتنا في الصباح؟ أليس هناك خطر في الطرقات؟ أو ليس هناك خطر المرض على الأرض من الهواء الحامل للفيروسات؟ فما المشكلة إذن في بعض المخاطرة في أقاصي السماء؟

Friday, September 23, 2016

إخلاص للشاعر الروماني


ندعوكم للاستمتاع بقصيدة «إخلاص» للشاعر الروماني القديم «أوفيد»، ولد في سلمونا (في إيطاليا الآن) عام 43 قبل الميلاد، والقصيدة من #ترجمة الشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي ، نرجو أن تحوز إعجابكم.
«إخلاص» لـ «أوفيد»*
أنا لا أسأل الإخلاص من امرأة حسناء
حسبي من الحقيقة اتقاء الألم
أنا لا أُلزمك التحّلي بالعفاف
بل أناشدك التكتم بالأمر
إنّ إدّعاء إمرأة الطهر لهو الطهر نفسه
يا للجنون
أن تعترف نهاراً بآثامك ليلا
وأنْ تُدلي علناً
بما إقترفت سراً
المُومس التي توشك أن تضاجع
رجلاً من قارعة الطريق
تحكم رتق الباب
فهل ينبغي لمثلك الجهر بمعصيته
لتقيمي على نفسك الدليل
الزمي الحكمة
وتعلمي محاكاة الفتاة العفيفة
ودعيني أصدّق أنك خيّرة
ولو لم تكوني كذلك
دعي الطيش للفراش
نحّي هناك الفستان جانبا
ولِيَلُفّ الفخذُ الفخذَ
لتهب الشفة القرمزيّة قبلها
وليعبّد الهوى ألف طريق للرغبة
لتنهمر الكلماتُ الآسرةُ والآهات
إلى أنْ تسري في السرير رعشةَ لعوب
اخْدَعِيني
واخدعي جميعَ مَنْ حولك
دَعيني في جَهل مِن أمري
أمضي في الحياة كالساذج السعيد
ما جدوى علمي برسائلك ذاهبة وآتية
ما جدوى مشاهدة أثريكما في السرير
أو فوضى الشَعْرِ وتلك فوضى لا يطيقها النوم
بل ما جدوى تلمّس الكدمات في جيدك
وإذا دفعتك الخيلاء
بالفجور على مرأى مني ومسمع
فارحميني وارحمي سُمعتك
أجنّ وأموت عندما تَجْهرِين بِالخَطِيئة
أنضح عرقاً من الرأس إلى القدم
حِينَها أُحبك وأقلاك
وبِلا جدوى
أتمنى زوالي وزوالك
أمَا وقَدْ جَنَحْتِ للكِتمان
فلنْ أتحرّى ولنْ أراقب
سأسدي الشكر للمكر والخديعة
وحتّى لو وقعتِ على الحقيقة
ورأيت فعلكَ الفاحشة بِأُمِ عَيْنِي
ستُنْكِر العين ما رأتْ عيانا
ستنالين نصراً سهلاً
من امرئ ينشدُ الخسارة
ولكن تذّكري شيئاً واحداً فقط
قولي لمْ أفعل
ولأنك ستحرزين قصب النّصر بجملةٍ قصيرةٍ كهذه
أحرزيه على عَاتق القاضي
إنْ لمْ تكن القضيّة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*#أوفيد هو: «ببليوس أوفيديوس ناسو»، "Publius Ovidius Naso" ، شاعر روماني كان مشهوراً في عهده، وكانت له شعبية كبيرة، وقد كان الإمبراطور أوغسطس يقدم له الاحترام البالغ، إلى أن أبعد من روما القديمة بسبب ظروف مجهولة في عام 8 ميلادية. ومن أشهر أعماله "التحولات" و"أموريس". من كلماته «الحب ضَربٌ من الحرب»، «لا يمتزج الكرامة والحب جيدا، ولا يستمران سويا إلا لفترة قصيرة».
Mohammed Alsowaidi
 

Saturday, September 17, 2016

اختطاف «بولجاري»



نَعِمْتُ بصحبة صاحبي في نزهةٍ رائعةٍ نهار يوم 28 فبراير، واخترقنا مُتنزه «كاتشيني» الذي بَلّلتْهُ أمطار شباط، نحن في (سعد بلع)، وتحديداً دخلنا ما يعرف بأيام (العجوز) التي ذكرها «المسعودي» وسرد أسماءها يوماً يوماً.
ولمّا بلغنا سوق (واقف) فلورنسا رأينا البضائع المتباينة التي عرضها ضروب مختلفة من الجنسيّات، الكثير من الأفارقة هولاء الذين كتب لهم النجاة في عبور البحار هرباً من جحيم أوطانهم، أردد كلمّا رأيت جموعهم قول أبي الطيّب:
تجمّع فيه كلَّ لِسنٍ وأمّةٍ ** فما تُفهِمُ الحدّاثَ إلاّ التراجمُ
قال صاحبي -بعد أن قضم قطعة حلاوة من الفول السوداني- وتسمّى كروكانتي (بالإيطاليّة): قرأت عن شائعةٍ متداولةٍ عن «بولجاري» تاجر المجوهرات الشهير في كتاب (لماذا يحبّ الإيطاليّون الحديث عن الطعام) لـ «إيلينا كوستوكوفتش» أنّه لمّا اخُتُطِف كان معصوب العينين فلم ير مختطفيه ولا المكان البعيد الذي حُمل إليه، ولمّا أُطلق بعد دفع الفدية عاد إلى منزله آمناً، وأخبر الشرطة عن شكل ونكهة الخبز الذي أكله عند الخاطفين وكذلك طعم الصلصة فقبض عليهم نتيجة ذلك، وأضاف: «كلّ قرية في إيطاليا لها وصفتها».
 

Sunday, August 21, 2016

«البعد الرابع» أحمد زويل

 


يسرنا أن نفتتح غرفة العالم المصري #أحمد_زويل ضمن مشروعنا #المتحف_العلمي، والذي يقوم على رعايته واختيار مادته المفكر والشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي
والتطبيق موجود على iTunes
http://science.electronicvillage.org

Monday, August 15, 2016

قطعة سكر في فنجان «مهاجراني»





قطعة سكر في فنجان «مهاجراني»



في الساعة السادسة مساءً، إستقبلتُ «عطاء الله مهاجراني» الذي بدا مُتهللَ الوجه، وبصحةٍ جيدة، فرحبتُ به، وسألته: ما الذي تعكف عليه الآن؟
فقال: فرغتُ من تفسير «سورة يوسف» وأعمل الآن على «سورة الكهف»، ثم أخرج كتاباً من حقيبته الجلدية -التي تنم هيئتها عن أستاذ مشغول بالدرس والمحاضرة، أو عن طالب العلم الذي يكمن عميقاً في هذا الرجل-، كان كتاباً من قرابة 700 صفحة لـ «أوُرهانْ باموك»، الروائي التركي، الحائز على نوبل بعنوان (غرابة في عقلي)، والتي يستعير عنوانها من بيت في قصيدة الشاعر الإنكليزي «ويليام ووردزوورث» يقول فيه «كان ثمة غرابة في عقلي، وشعور لا يعود إلى ذلك الزمان، ولا إلى ذلك المكان»، وفيها يرصد «باموك» حبه لمدينته، برغم تناقضاتها وانقلاباتها المتعددة على ذاكرتها من خلال بائع اللبن والأرز والبوظة المتجول، وخصوصاً في الشوارع الخلفية حيث يكمن تاريخ مختلف، وآمال، وأحلام مختلفة، وتشتمل الرواية على شبكة واسعة من الحبْكات، والشخصيات، التي تتقاطع في متن النص الروائي.
وقال لي: «أرجو أن تغفر لي بعض التظليلات والخطوط التي رافقت قراءتي للكتاب، فلقد عكفت عليه ثلاثة أسابيع دون أن يصرفني عنه شيء»..، وأثنى عليه كثيراً.
فقلت في نفسي: إنّ تظليلات «عطاء الله» وخطوطه ليست سوى غنيمة مضاعفة، فالهديّة أولاً كتاب لــ «أروهان باموك»، الذي لم يسبق لي أن أطلعت عليه من قبل، وثانيا هو منمنم بروح عطا الله متمثلة في تلك السطور التى ظللها بنفسه.
قدمنا له الشاي الإيراني الذي أعده جلال (الطاهي الإيراني)، فإستساغه عطاء الله وتناول منه عدة أقداح، ثم قال وهو يذيب قطعة سكر في شايه: «هناك مشهد في فيلم (أحمر) للمخرج "كريستوف كيسلوفسكي"، وتظهر فيه الممثلة "جولييت بينوش" وهي تذيب قطعة سكر في قهوتها. ثم قال إن المخرج قام بتصوير تلك اللقطة لعدة أيام بالرغم من أنها لا تستغرق سوى ثوان معدودات لا تزيد على الخمس.
فتذاكرنا الشاي تحت جسر «زينرود» في مدينة أصفهان، وقلت له: كذلك الشاي في صحراء الجزائر يتبعون فيه نظام الثلاث كؤوس ويكون مرّا قليلاً وهو ما يميز طعم الشاي الإيراني والجزائري.
ثم تطرقنا الى الحديث عن تجربة (الشاي) فى مدينتي بشار وبسكرة.
فيما بعد، ذهبت أنا الدؤوب على تقصي المعرفة أبحث عن لقطة قطعة السكّر حتى وجدتها في فيلم ( أزرق )، وهو الجزء الأول من ثلاثية Three Colors Trilogy، وأنتج في عام 1993 ، وأنتج بعده ضمن ذات الثلاثية فيلم أبيض وختمها بفيلم أحمر، وقرر كيسلوفسكي الاعتزال بعد فيلمه الأخير، وشعر بالرضا أن يترك فنه من أجل القراءة والتدخين. حسب تعبيره.
وتوفي بعد ذلك بسنتين، ولم يكن قد تجاوز السادسة والخمسين من عمره.
أما اللقطة فكانت تصور فينوش مع حبيبها الذي يعرض عليها العودة وكانت في حالة صدود عنه بعد أن دعته بنفسها إلى إعادة الصلة به بعد وفاة زوجها وابنها في حادث سير، إلا أنها لم تعد تجد في نفسها القدرة على الصمود أكثر.
وعندما رمت قطعة السكر في القهوة أراد المخرج الذي إختبر عددا لا يحصى من قطع السكر مكعباً يذوب بسرعة لا تزيد على أربع أو خمس ثوان.
فالمشهد بالنسبة له لم يكن يحتمل أن يزيد على ذلك، وعند تجريبه لأنواع من السكر وجد أن هناك سكراً يتشرب القهوة في ثمانية ثوان وقد تبلغ 11 ثانية.
فمكث أياماً في التجريب حتى عثر على قطعة تتشرب القهوة في خمس ثوان. عندها فقط صور المشهد.
كان هذا المخرج الفذّ يريد أن يشتمل المشهد على لحظة توحد مع قطعة السكر، فبينوش لم تكن تريد من العالم أكثر من هذه القطعة، وكان في الخلف ينبعث لحن مذوّب كالسكّر لم يكن بوسعنا أن نتبينه، فحملها اللحن الى رجل يقتعد جانبا من الطريق، فسألته "بينوش" وقد إستعذبها اللحن: لمن تعود هذه الموسيقى؟ فقال هذه ألحان أنجزتها من وحي الخاطر، وهنا أراد المخرخ القول أنّ الأشياء التي يشترك فيها الناس كافّة كتذويب قطعة السكّر أو الإنجذاب للحن شجّي لدليل على وحدة البشر في السلوك والمآرب، ما أروع «عطاء الله مهاجراني»، لقد منحني فرصة أخرى لمشاهدة هذا الفيلم بوعي جديد.
‫#‏محمد_أحمد_السويدي‬
‫#‏مهاجراني‬
 

Thursday, August 11, 2016

السلامُ عليكَ ياصاحب القبر




سألت الصديق «سيف بن حمر عين» ونحن في مجلس الوالد عن صديقه «خالد المري» الذى لا يكاد يفارقه.
فقال وعلائم الأسى تلوح على مُحيّاه: إنّ صديقي لم يأت الليلة.. ثم أضاف: وأنا لا أخرج إلا بصاحب، فلم أَعْتَد على الخروج وحيداً.
فقلت له: رحم الله جدتي (أٌم أحمد) فلقد كانت تُردّد على مسامعي قولها: ثلاثة أمور لا تفرط فيها: أنْ لا تكون وحدك وإتخذ صديقاً لأنك لا تعرف متى ستحتاج إليه، ثم ألا تعيب أحداً لأن العيب على الباب، ولا تستمع لنميمة لأنك متى إستمعت إليها سيتغير قلبك على النّام والمنموم عليه.
ثم حدثني قائلاً: إن عمتك «عوشة»* سيدة الشعراء أطال الله في عمرها، ففي آل السويدي للشعر صولة وجولة، ولقد قبضتْ على طرفَيْ مضمار الشعر بيديها. وأردف أنه كان ملازماَ للشاعر/ راشد الخضر وهو من السودان** أيضاً.
ثم أنشدني قصيدة قالها الخضر في مدح «جمال عبدالناصر» وكانت بالعربية الفصحى، وللخضر في ديوانه مجموعة نصوص كتبها باللغة الفصحى.
فقلت: رحمَ الله راشد؛ فلقد كان شعره شبيهاً بسبائك الذهب، وهو شاعرٌ ابن شاعر فأبوه «سالم بن جبران السويدي» كان شاعراً مجيداً أيضاً، ولقد توفي وعمر راشد لا يتجاوز الثامنة.
ثم أنشدته قصيدته التي قال فيها:
أنوح كني في بحـر نـوح ** وأنت بسفينة نوح ناجـي
انا بسماء وما وانت بسيوح ** شتان مستانس وشاجـي
ظبي ربى في عالي سطـوح ** وأرمانيه تحـت المراجـي
ما ريت مثله في البشر روح ** ومثلي هواوي وهو بلاجـي
معناك في القاموس مشروح ** بسلوب سرج في سراجـي.
فإستحسن الأبيات، ثم قرأت له شيئاً من شعر «سعيد بن عتيق الهاملي»، الذي يشترك مع راشد الخضر في أن كليهما ماتا ولم يتزوجا قطّ -رحمهما الله-:
واللي توده باطني أو ظاهر تسمح ولو هو من جداك ايعيل
واتغفر زلاته ولا تطريها ويكون له طرف العيون كليل
وهديه فن ما يقوله غيرنا وأهله غدو في ذا الزمان جليل
تيفان بن ظاهر أو عصر ماضي عيب على بيت يقال هزيل
ونحنا ترى أمثالنا لمثالهم ومسايل تتبع مغاني سيل
ولا يندخل نفسي على صندوقها لو هي على لفظ اليواب دليل
ثم تداخلت أراضي الكلام فصارت تعبر بعضها بعضاً حتى بلغنا «ابن ظاهر الماجدي» فسألني عن زمنه ومتى عاش، فقلت له: لقد عاش قبل قرابة ثلاثمائة سنة.
فقال: إنّ لي منزل في (الخران)*** يحاذي قبره.
فقلت: لقد أقام في الخران أخريات حياته وأوصى أن يدفن فيها بعد أن إختار البقعة التي تضم رفاته بنفسه، وكان إختياره بعد تجريب تربة مناطق عدة حتى إستقر على الخران ودفن فيها..
وهذا شبيه بحكاية بناء مارستان (مستشفى) بغداد عندما وضع الطبيب «الرازي» قطعاً من اللحم في أماكن متفرقة من بغداد وبني المستشفى على المنطقة التي مكث اللحم فيها دون أن يتعفن مدة أطول.
ثم أخبرته أنني زرت قبر «بن ظاهر» في الخران وكتبت فيه مقالاً نُشِر قبل سنوات وعنونته: السلام عليك يا صاحب القبر.
‫#‏محمدأحمد_السويدي‬
‫#‏العمة_عوشة‬
‫#‏راشد_الخضر‬
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* العمة عوشة هي : الشاعرة الإماراتية الشهيرة «عوشة بنت خليفة بن أحمد بن خليفة بن خميس بن يعروف السويدي»- (1920-) من رواد الشعر النبطي الإماراتي.
** السودان: اسم قبيلة، وواحدهم سويدي، وهي قبيلة عربية قضاعية من قبائل حلف بني ياس و هم أول من أسس مدينة البدع (الدوحة حالياً) وينتشر أفراد القبيلة في الإمارات العربية المتحدة و قطر و البحرين و السعودية و الكويت و عمان.
*** الخراّن: منطقة الخران احدى أقدم مناطق راس الخيمة- الإمارات
 

Friday, August 5, 2016

الخَرِيطة التي عَكّرتْ صَفو تُركِيا


الخَرِيطة التي عَكّرتْ صَفو تُركِيا
«الخَرِيطة التي عَكّرتْ صَفو تُركِيا»
ندعوكم للتعرف على خريطة النظام الدولي القديم – الجديد، ووثيقة للقوانين السياسية التي حكمت المنطقة الممتدة بين بيروت وبرلين، بدءاً بالمشرق العربي الممزق، ومروراً بتركيا القلقة والبلقان المتفجر، ووصولاً إلى الدولة الألمانية العظمى. قبل نصف قرن، والتعرف على ذلك المرجع القَيِّم للتفكير السياسي الذي طبع ما يُسمى "الرعيل العربي الأول"... من رحلة "بَيروتْ – بِرلينْ – بَيروتْ" لــ "كَامل مُرُّوَه" وهي جزء من مشروعنا ‫#‏أدب_الرحلة‬
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
23 حزيران/ يونيو 1941م
« في السياسة الخارجية التركية مبدأ ثابت لم يتبدل منذ قرون، ولا يزال حتى اليوم ركنها الأساسي.
هذا المبدأ يَعتبرُ المطامع الروسية في المضايق الخطر الأكبر على ‫#‏تركيا‬. لذلك حيث تكون ‫#‏روسيا‬، تكون تركيا في المعسكر الآخر.
وفي اليوم التالي لإعلان الحرب، أي في يوم 23 حزيران/ يونيو 1941م، استدعى وزير الخارجية التركية السيد "سراج أوغلو" الصحافيين الأجانب ليتلو عليهم تصريحاً عن موقف بلاده.
وقد ذهبت معهم إلى ذلك الاجتماع بدافع الفضول، فإذا بالوزير يحدثنا عن الحرب والمتحاربين بلهجة جديدة، دَلَّت على أنَّ السياسة الخارجية التركية لبست في أقل من أربع وعشرين ساعة حُلَّة جديدة تناسب المقام.
ولكي يفهم القارئ نوع هذه الحُلَّة، يجب عليّ أن أعود به قليلاً –على ضوء ما سمعته في ‫#‏أنقرة‬– إلى الأشهر القليلة التي سبقت إعلان الحرب. ففي ذلك الحين كانت تركيا تتبع سياسة الحياد التام تجاه الجميع.
وأرادت حكومة أنقرة الوصول إلى اتفاق حاسم مع السوفييت، فأوفدت "سراج أوغلو" إلى موسكو ليصارحهم بحقيقة الأمر، فلم يُحْظَ الوزير بنتيجة، وعاد إلى #أنقرة صفر اليدين.
وكانت #روسيا حتى ذلك الحين معزولة عن السياسة الأوروبية بسبب اتفاقية ‫#‏ميونيخ‬، فلم ير الأتراك ثمة مبرراً للانضمام إلى الجهة الإنكليزية –الفرنسية، أو إلى الجبهة المحورية؛ ما دام الروس بعيدين عن الجبهتين.
ولما راح الحلفاء يخطبون وُدَّ ‫#‏موسكو‬ في صيف 1939م، اضطربت تركيا وأخذت تميل نحو ألمانيا.
ولكن ما كاد الألمان يعقدون الميثاق المعلوم مع روسيا في 22 آب/ أغسطس 1939م وتقع الحرب على إثره ثم تهاجم روسيا فنلندا وتكاد تشتبك مع الحلفاء، حتى بادر الأتراك إلى عقد ميثاق التحالف مع إنكلترا وفرنسا، إذ استقرَّت عندهم القناعة أن روسيا انضمت إلى الجبهة المحورية وأن الحلفاء أصبحوا خصومها.
وفجأة دار الفلك دورته واشتبكت ألمانيا بالحرب مع روسيا، وأصبحت روسيا حليفة إنكلترا، فوجدت تركيا نفسها بين عشية وضحاها حليفة الروس من حيث لا تدري ولا تريد.
وفي ذلك اليوم، 22 حزيران/ يونيو 1941م فَكَّر الأتراك طويلاً في حاضرهم ومستقبلهم، فانتهوا إلى ‫#‏النتائج‬ التالية:
أولاً: لن تقلع روسيا عن المطالبة بالمضايق، فلا سبيل إذن لتبديل مبادئ السياسة التركية التقليدية تجاهها.
ثانياً: قد تنتهي هذه الحرب بفوز الحلفاء على ألمانيا. وعندئذ تستطيع تركيا الاعتماد على إنكلترا لحماية نفسها من التوسع الروسي. وفي التحالف القائم مع بريطانيا ما يضمن ذلك.
ثالثاً: قد تنتهي الحرب بهزيمة الحلفاء وحلول ألمانيا محل روسيا في الشرق، ولكن ليس بين تركيا وألمانيا من العقود ما يطمئن تركيا على مصيرها إذا تَحَقَّق ذلك.
إذن، ينبغي إكمال هذه الحلقة الناقصة بعقد اتفاق مع الألمان، شبيه بذلك الذي عقدوه مع الإنكليز. هذا ما قررته حكومة أنقرة في نفس اليوم الذي بدأت فيه الحرب الروسية –الألمانية، وهذا ما حققته بعد شهرين، عندما عقدت ميثاق عدم الاعتداء مع البارون فون بابن، فضمنت لنفسها العون من الإنكليز والألمان ضد الروس، في مختلف الاحتمالات والحالات.
*ويتساءل الكثيرون: وكيف استطاعت تركيا أن تبقى على الحياد حتى نهاية الحرب؟
يعود الفضل في ذلك إلى رغبة الإنكليز والألمان أنفسهم. فقد اتفقت مصلحة الطرفين المتحاربين على بقاء تركيا على الحياد، إذ أن زجها في الحرب يومئذ مع هذا الطرف أو ذاك كان يفتح أبواب تركيا أمام الروس ليدخلوها كحليفة للإنكليز أو كعدوة للألمان.
وقد فضل الإنكليز والألمان معاً بقاء تركيا على الحياد على دخول الروس إليها، وكانت النتيجة أن بقيت تركيا بمعزل عن الحرب، ولم تعلن الحرب على ألمانيا إلا بعد أن أصبح الروس –وليس الألمان– على الحدود البلغارية في أوائل السنة 1945م.
مَرَّ الأسبوع الأول من الحرب الألمانية –الروسية دون أن يزعج أحد الطرفين الأتراك، فاطمأن بالهم موقتاً، وجلسوا يرقبون النتيجة.
ولم يعكر صفر هذا الأسبوع سوى خريطة نشرتها مجلة تركية طالبت فيها بتجميع الأراضي التركمانية التي يحتلها الروس، من القوقاس حتى بخارى وطشقند لإنشاء دولة طورانية بزعامة تركيا. فاحتج الروس عليها، ولا يزالون إلى يومنا يسجلون على الأتراك ذلك الطلب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

*من العجيب أن صحيفة "الحياة" في نوفمبر 1989م كانت أنهت لتوها إعادة نشر «رحلة "بيروت – برلين – بيروت" لكامل مروة»، ولكن من كان يدري يومذاك أن الذكرى ستتحول إلى ثورة، فينهار جدار برلين، وتعود ألمانيا واحدة، وتعود معها أوروبا إلى النظام السياسي –الجغرافي الذي كان يسودها في السابق.
*ومن المفارقات أن ننشر على صفحتنا هنا (قبل 72 ساعة من أحداث تركيا الأخيرة) نصاً من رحلة كامل مروة بتاريخ 12 يوليو الجاري، يتحدث عن الزلزال السياسي الذي حل بتركيا ودور روسيا وفرنسا وتأثير ذلك على المنطقة. يمكنكم استدراكه عبر الرابط التالي:
 

Saturday, July 23, 2016

أدب الرحلة



ندعوكم للتعرف على رحلة «عين وجناح» الحائزة على جائزة ابن بطّوطة في الرحلات المعاصرة لـ «محمد الحارثي»، المشاهد التي سيخوضُ غمارها قارئ هذه الرحلة ما هي إلاّ مُحصِّلة لتجربةٍ ومغامرةِ حياةٍ أعطاها، كما أعطته، أفضل ما لديها في عَقده الثلاثين، يسُوح في الأرض الشاسعة أحجاراً ومُحيطات.. مأخوذاً، في الغالب، برنين النقيضين: الذهب..والرَّماد.. نعيد نشر اجزاء منها ضمن مشروعنا #أدب_الرحلة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«عزيزي اللص، لا يوجد جهاز تسجيل في هذه السيارة»

في "لندن" لم يترك الطاقم الأرضي لشركة طيران الـ "يو.تي.إيه" سؤالاً على الأرض دون أن يقذفوه بوجهي قبل صعودي السماء باتجاه "نيويورك".

كنتُ في رحلة بدأت من مسقط، عبر لندن، باتجاه الجزر العذراء التي قضيت وقتا طويلاً في البحث عنها على الخريطة، ولم أفلح في العثور عليها إلا بعد استعانتي بخريطة مكبرة للعالم. وهي رحلة كان هدفها الأساس الانضمام إلى دورة صيفية محورها تاريخ وتطور الحياة البحرية في جامعة الجُزر العذراء.

استقبلني في مطار« J.F.K » بعد سبع ساعات من الطيران صديقٌ قضيت صحبته أول ليلتين لي في نيويورك (قريباً من جامعة كولومبيا في مانهاتن، وتحديداً مقابل النافذة التي عاش خلفها، وحيداً ذات زمان، الشاعر «فِدريكو لوركا»).

سمعت الكثير عن نيويورك، عن صخبها وجنونها، متاحفها وجرائمها، سودها وبيضها.. وما تبارت الأفلام السينمائية في تسريبه إلينا أسطورةً وواقعاً يتبادلان مواقعهما بخفة مدهشة لا تحدث إلا في نيويورك.

لكنني لم أتوقع أن يكون صفير سيارات الإسعاف والشرطة بذلك القدر من الإزعاج وعدم التوقف خمس دقائق على الأقل آناء الليل وأطراف النهار، وبذلك اللا اكتراث من النيويوركيين.
كانت تلك "البئر الأولى" التي سقطتْ في غَيَابتها أذناي وعيناي.

ولأن صديقي يعرف أقصر الطرق إلى البئر العاشرة لأية مدينة فقد اصطحبني بمجرد أن وضعت حقيبتي في منزله إلى "حان الكاتدرائية" حيث كانت المفاجأة الثانية ساجدةً في انتظاري: الأباريق الكبيرة التي تُقدم فيها الصفراء. وهو أمر أضحكني أول الأمر، لكن ضحكتي تلاشت في طريق عودتنا عندما تبارى بائعو الكوكايين في ترغيبنا لشراء غرام من الذهب الأبيض، غير هيّابين من سيارات البوليس وصفيرها، وتلاشت أكثر أمام باب البناية التي نقطن عندما لاحظت سيارة "أوستين" إنكليزية قديمة معلق بداخلها ورقة تحجب مقود القيادة (لكنها لا تحجب عيني لوركا) الذي ردد معي، كما لو كان يقرأ قصيدة، ما كان مكتوباً على تلك الورقة: "عزيزي اللص، لا يوجد جهاز تسجيل في هذه السيارة"!

أفقنا من النوم متأخرين .. وشربنا القهوة في "الفورتي سيكند ستريت" الذي يعد من أكثر شوارع نيويورك حيويّة وحياة بصخب مقاهيه وحاناته ودور العرض السينمائية والمسرحية فضلاً عن تمركز أرقى محلات الأزياء والعطور على جانبيه، بعدها انتعلنا المترو النيويوركي القبيح (ولا مقارنة، هنا، بأبهة محطات مترو موسكو) إلى حيّ البرونكس الذي يتكدس فيه المهاجرون من أصقاع الأرض: أفارقة، هنود، عرب، صينيون، لاتينو-أميركيون...

كنا نتلذذ بالسير في ذلك الكرنفال العجيب من الأجناس (ثقافات، سحن، وروائح بضائع من مومبي ودمشق وكاراكاس وكنشاسا) عندما لفتت انتباهي لافتةٌ لافتة: "مطعم اليمن السعيد" الذي وجدتني أجرُّ صديقي إليه لتناول الغداء، مأخوذاً برائحة العصيد اليمني الشهير.
لم يكن الغداء اليمني الذي تشهيت عصيداً يمنياً تقليدياً، وإنما ندوة دسمة في العروبة وأشباهها تدور رحاها بين الطاولتين المجاورتين لنا، اضطررنا باستمتاع لا يُنكر إلى متابعتها والإنصات لحفيف سهامها التي يتقاذفها مهاجرون يمنيون ومصريون فحواها: تلك المغامرة التي لا جدوى منها سوى "إراقة دماء أبناء مصر الأحرار عشان شوية قبايل بيتناحروا في اليمن"، وعن حق العروبة الذي دافع عنه عبد الناصر "بشجاعة رجل صنعاني لا يخشى في الحق لومة لائم".

ظل النقاش البائس يتناوب بين #السادات و#عبد الناصر والملك #فيصل والإمام والنكسة، إلى أن استل الصنعاني ذؤاباته إلى ساحة أخرى، مؤكدا لمحاوره المصري أن عالِم الجيولوجيا #فاروق_الباز هو من حدد موقع الوادي الذي هبطت فيه مركبة "أبولو-11" عام 1969 على سطح القمر، وأن ذلك ما كان ليتم لولا عبد الناصر، مغيظا بمعلوماته الدقيقة عن عصر الفضاء مُباريه، مستمتعاً وهو يرتشف الشاي بِدويّ الحَجَر العلميّ الذي ألقاه في وجه خصمه.

لكن المبارزة، في آخر الأمر، لم تكن متكافئة لسبب بسيط هو تلك الروح التهكمية العالية لدى المصري الذي ألمح إلى فاروق الباز نفسه، قائلا:
«آه، آه.. لو كان عَندُكُو واحد زيُّهْ فـ صَنعا كنتو حَتِقلبوا المريخ قعْدِة قات!».
 

Sunday, July 17, 2016

الخَرِيطة التي عَكّرتْ صَفو تُركِيا




«الخَرِيطة التي عَكّرتْ صَفو تُركِيا»
ندعوكم للتعرف على خريطة النظام الدولي القديم – الجديد، ووثيقة للقوانين السياسية التي حكمت المنطقة الممتدة بين بيروت وبرلين، بدءاً بالمشرق العربي الممزق، ومروراً بتركيا القلقة والبلقان المتفجر، ووصولاً إلى الدولة الألمانية العظمى. قبل نصف قرن، والتعرف على ذلك المرجع القَيِّم للتفكير السياسي الذي طبع ما يُسمى "الرعيل العربي الأول"... من رحلة "بَيروتْ – بِرلينْ – بَيروتْ" لــ "كَامل مُرُّوَه" وهي جزء من مشروعنا ‫#‏أدب_الرحلة‬

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

23 حزيران/ يونيو 1941م
« في السياسة الخارجية التركية مبدأ ثابت لم يتبدل منذ قرون، ولا يزال حتى اليوم ركنها الأساسي.
هذا المبدأ يَعتبرُ المطامع الروسية في المضايق الخطر الأكبر على ‫#‏تركيا‬. لذلك حيث تكون ‫#‏روسيا‬، تكون تركيا في المعسكر الآخر.
وفي اليوم التالي لإعلان الحرب، أي في يوم 23 حزيران/ يونيو 1941م، استدعى وزير الخارجية التركية السيد "سراج أوغلو" الصحافيين الأجانب ليتلو عليهم تصريحاً عن موقف بلاده.
وقد ذهبت معهم إلى ذلك الاجتماع بدافع الفضول، فإذا بالوزير يحدثنا عن الحرب والمتحاربين بلهجة جديدة، دَلَّت على أنَّ السياسة الخارجية التركية لبست في أقل من أربع وعشرين ساعة حُلَّة جديدة تناسب المقام.
ولكي يفهم القارئ نوع هذه الحُلَّة، يجب عليّ أن أعود به قليلاً –على ضوء ما سمعته في ‫#‏أنقرة‬– إلى الأشهر القليلة التي سبقت إعلان الحرب. ففي ذلك الحين كانت تركيا تتبع سياسة الحياد التام تجاه الجميع.
وأرادت حكومة أنقرة الوصول إلى اتفاق حاسم مع السوفييت، فأوفدت "سراج أوغلو" إلى موسكو ليصارحهم بحقيقة الأمر، فلم يُحْظَ الوزير بنتيجة، وعاد إلى #أنقرة صفر اليدين.
وكانت #روسيا حتى ذلك الحين معزولة عن السياسة الأوروبية بسبب اتفاقية ‫#‏ميونيخ‬، فلم ير الأتراك ثمة مبرراً للانضمام إلى الجهة الإنكليزية –الفرنسية، أو إلى الجبهة المحورية؛ ما دام الروس بعيدين عن الجبهتين.
ولما راح الحلفاء يخطبون وُدَّ ‫#‏موسكو‬ في صيف 1939م، اضطربت تركيا وأخذت تميل نحو ألمانيا.
ولكن ما كاد الألمان يعقدون الميثاق المعلوم مع روسيا في 22 آب/ أغسطس 1939م وتقع الحرب على إثره ثم تهاجم روسيا فنلندا وتكاد تشتبك مع الحلفاء، حتى بادر الأتراك إلى عقد ميثاق التحالف مع إنكلترا وفرنسا، إذ استقرَّت عندهم القناعة أن روسيا انضمت إلى الجبهة المحورية وأن الحلفاء أصبحوا خصومها.
وفجأة دار الفلك دورته واشتبكت ألمانيا بالحرب مع روسيا، وأصبحت روسيا حليفة إنكلترا، فوجدت تركيا نفسها بين عشية وضحاها حليفة الروس من حيث لا تدري ولا تريد.
وفي ذلك اليوم، 22 حزيران/ يونيو 1941م فَكَّر الأتراك طويلاً في حاضرهم ومستقبلهم، فانتهوا إلى ‫#‏النتائج‬ التالية:
أولاً: لن تقلع روسيا عن المطالبة بالمضايق، فلا سبيل إذن لتبديل مبادئ السياسة التركية التقليدية تجاهها.
ثانياً: قد تنتهي هذه الحرب بفوز الحلفاء على ألمانيا. وعندئذ تستطيع تركيا الاعتماد على إنكلترا لحماية نفسها من التوسع الروسي. وفي التحالف القائم مع بريطانيا ما يضمن ذلك.
ثالثاً: قد تنتهي الحرب بهزيمة الحلفاء وحلول ألمانيا محل روسيا في الشرق، ولكن ليس بين تركيا وألمانيا من العقود ما يطمئن تركيا على مصيرها إذا تَحَقَّق ذلك.
إذن، ينبغي إكمال هذه الحلقة الناقصة بعقد اتفاق مع الألمان، شبيه بذلك الذي عقدوه مع الإنكليز. هذا ما قررته حكومة أنقرة في نفس اليوم الذي بدأت فيه الحرب الروسية –الألمانية، وهذا ما حققته بعد شهرين، عندما عقدت ميثاق عدم الاعتداء مع البارون فون بابن، فضمنت لنفسها العون من الإنكليز والألمان ضد الروس، في مختلف الاحتمالات والحالات.
*ويتساءل الكثيرون: وكيف استطاعت تركيا أن تبقى على الحياد حتى نهاية الحرب؟
يعود الفضل في ذلك إلى رغبة الإنكليز والألمان أنفسهم. فقد اتفقت مصلحة الطرفين المتحاربين على بقاء تركيا على الحياد، إذ أن زجها في الحرب يومئذ مع هذا الطرف أو ذاك كان يفتح أبواب تركيا أمام الروس ليدخلوها كحليفة للإنكليز أو كعدوة للألمان.
وقد فضل الإنكليز والألمان معاً بقاء تركيا على الحياد على دخول الروس إليها، وكانت النتيجة أن بقيت تركيا بمعزل عن الحرب، ولم تعلن الحرب على ألمانيا إلا بعد أن أصبح الروس –وليس الألمان– على الحدود البلغارية في أوائل السنة 1945م.
مَرَّ الأسبوع الأول من الحرب الألمانية –الروسية دون أن يزعج أحد الطرفين الأتراك، فاطمأن بالهم موقتاً، وجلسوا يرقبون النتيجة.
ولم يعكر صفر هذا الأسبوع سوى خريطة نشرتها مجلة تركية طالبت فيها بتجميع الأراضي التركمانية التي يحتلها الروس، من القوقاس حتى بخارى وطشقند لإنشاء دولة طورانية بزعامة تركيا. فاحتج الروس عليها، ولا يزالون إلى يومنا يسجلون على الأتراك ذلك الطلب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*من العجيب أن صحيفة "الحياة" في نوفمبر 1989م كانت أنهت لتوها إعادة نشر «رحلة "بيروت – برلين – بيروت" لكامل مروة»، ولكن من كان يدري يومذاك أن الذكرى ستتحول إلى ثورة، فينهار جدار برلين، وتعود ألمانيا واحدة، وتعود معها أوروبا إلى النظام السياسي –الجغرافي الذي كان يسودها في السابق.
*ومن المفارقات أن ننشر على صفحتنا هنا (قبل 72 ساعة من أحداث تركيا الأخيرة) نصاً من رحلة كامل مروة بتاريخ 12 يوليو الجاري، يتحدث عن الزلزال السياسي الذي حل بتركيا ودور روسيا وفرنسا وتأثير ذلك على المنطقة. يمكنكم استدراكه عبر الرابط التالي:
https://www.facebook.com/mohammed.suwaidi.poet/posts/702090453293732:0
 

Thursday, July 14, 2016

الأخ خميس بن بطي الرميثي



أمس نهاراً، كُنتُ بصحبة الوالد -حفظه الله-، في خيمةٍ نُصبت لتكون مجلساً له ولخاصته ومن يقصده.
كان الأخ خميس بن بطي الرميثي متّخذاً مجلسه عن يمين الوالد عندما هوى غصن ثقيل من شجرة المانجا القريبة.
...
فقلت مخاطبا الوالد: رحم الله أبا الطيب، ففي ذات يوم حلبيّ بعيد نُصبت فيه خيمة لسيف الدولة، فهوت حين هبّت ريح عاتية على حين غرّة، فأرجف القوم وتطيّروا مما حدث..
ولكن رجلا خبر البادية ومفرداتها ظاهرها وباطنها كأبي الطيب، أدرك بحدسه أن هذا الأمر مرتهن بطبيعة البيئة ، فكان ذلك سببا في إنشاد قصيدته التي مطلعها:
أَيَقدَحُ في الخَيمَةِ العُذَّلُ وَتَشمَلُ مَن دَهرَها يَشمَلُ
ومنها البيت الذي يفيض مهابة:
فلا تنكرن لها صرعة فمن فرح النفس ما يقتل
فإذا سقط غصن أو هبّت ريح بغتة، فلا يعدو الأمر أن يكون محاولة للغصن والريح أن يختبرا حياتيهما في حضور رجلين مهيبين (أحمد وأحمد) تشاركا الإسم ذاته.
 

Wednesday, July 6, 2016

حين أكلنا الطعم

 

(مشاهدات من رحلة كامل مروة في أوربا وألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية).
11 شباط/ فبراير 1942م
قبل الظهر وصلت السيارة فصعدنا إليها قاصدين إلى أول قرية بلغارية: سفيلنغراد، حيث نركب القطار إلى صوفيا.
وما كدنا نبتعد بضع مئات من الأمتار عن خط الحدود حتى لاحظنا أن الطبيعة قد تَبَدَّلت، إذ انتهت تلك الحقول الجدباء الممتدة من استنبول حتى قابوقولي وانبسطت أمامنا سهول عامرة بالأشجار والمزارع، تشهد بحيوية الفلاح البلغاري وعزمه. وبالرغم من أن الثلوج كانت تغطي كل شيء ...تقريباً فقد كان الزرع الباكر يلوح من خلالها، فيذكرني مشهده وتنظيمه بسهول البقاع عندنا في لبنان.
ولم تلبث السيارة حتى بلغت سفيلنغراد وهي قرية صغيرة شبيهة بقرى الجبل اللبناني ووقفت بنا أمام المحطة. وترجلنا منها ورحنا نسلم جوازاتنا للشرطة. وكان أول ما لفت نظري جندي طويل القامة، معتمر بتلك الخوذة الفولاذية العريضة التي أصبحت رمزاً للجبروت والتحدي. إنه أول جندي ألماني تقع عيني عليه في حياتي.
رحت أتأمل بهذا الجندي، وأدرس على محياه ومظهره صفات هذا العالم الجديد الذي يسوقنا القدر إليه. ولكن لم أجد فيها ما يجعلني أُبَدِّل رأيي في أنَّ الإنسانية واحدة.
وانتهت عملية الجوازات في المخفر البلغاري بسرعة. ولما طلبت جوازي قيل لي:
- يجب أن يمر على المكتب الألماني على الـ"غستابو".
- الـ"غستابو" هنا؟ أين هو هذا الـ"غستاب" الرهيب الذي ترتجف القلوب هلعاً لذكره، والذي تبوأ في سطور الصحف مركزاً دائماً يتنافس منه أحرف الجر والعطف؟
وكان يخيل لي حتى ذلك الحين أن كلمة "غستابو" كلمة خفية، لا يستخدمها إلا خصومه للتعبير عنه، ولكنني لم ألبث حتى عرفت أن الكلمة شائعة، وأنها تجمع المقاطع الأولى من الكلمات التالية: "غيهايم شتات بوليستاي"، أي بوليس الدولة السري.
وأرشدني أحدهم إلى مكتب الـ"غستابو" فرأيت رجلاً بالملابس المدنية، مُكِبَّاً على الجوازات يفحصها، وليس في حركاته أو سكناته ما يميزه عن غيره من البشر. ومع ذلك فهذا هو الـ"غستابو".
- ولكن "غستابو" الجوازات شيء و"غستابو" معسكرات الاعتقال شيء آخر.
ولم تلبث الحوادث أن علمتني فيما بعد هذا الدرس على حسابي الخاص، وعرفت بعد مدة أن ذلك الفتى البلغاري الذي تحدثت إليه في محطة سفيلنغراد، كان هو أيضاً صورة من صور الـ"غستابو".
وطال بنا انتظار الجوازات، فسألت أحدهم عن سبب التأخير، فأجاب:
- الألمان يخابرون برلين بالتلفون في أمركم.
- في أمرنا نحن العرب؟
- نعم، فهم يبلغون برلين عادة أسماء الوافدين الأجانب، وينتظرون جوابها.
- وماذا يكون الجواب عادة؟
- إما القبول أو الرفض أو الاعتقال.
- ولِمَ يعتقلون الناس ما داموا قد أعطوهم الـ"فيزا"؟
- نحن الآن في حالة حرب، وكثيراً ما تكون الـ"فيزا" الممنوحة للوافد الطُعْم الذي يحمله إلى الشبكة.
وكان الشيخ حسن أبو السعود إلى جانبي، فترجمت له أقوال الرجل، فضحك وقال:
- لا تزعج نفسك بالتفكير. لقد أكلنا الطعم… وبقي علينا أن نعرف ما يكون من أمرنا في الصنارة.
  
http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_article_indetail.php?articleid=133


Thursday, June 23, 2016

غَزَالتان مِنْ أًرض المَاوري


 
كانوا في «بريستول« عندما شاهدوا إعلاناً عن تذاكر ذهاب وإيابٍ إلى «نيوزيلاندا»، وكنت مع والدي نتعقّب أزهار التولب في «الريجنت» وقد أينعت، وأصبحت قادرة على أن تكون سببا في حروب «تولب» من نوع آخر.
حدّثني والدي بأنّ السفر كان فرصة لإدراك المعمور من الأرض بحسب إصطلاح الجغرافيين القدامى.
نيوزلندا .. يا له من سفرٍ بدأت فكرته بإعلان قيمته 150 جنيهاً، فقال والدي لرفيقيه: إذا كان الأمر كذلك فأنا من يدعوكم إلى أرض «الماوري».
ذهب الجمع السعيد إلى وكالات السفر، ولكنها كانت محجوزة لنحو شهرٍ كامل، ثم اهتدوا إلى فتاة لطيفة في «البان أميركان»، وسألوها أن تجد لهم مكاناً في الطائرة.. فقالت: هناك طائرة واحدة ستحملكم إلى «لوس انجلوس»، ومن هناك ستجدون دون عناء طائرة تقلّكم إلى «نيوزيلاندا».
وفي اليوم التالي، كانوا على متن الطائرة يكابدون عناء السفر في الدرجة الثالثة، إحدى عشرة ساعة إلى «لوس أنجلوس»، وعندما بلغوها أخيراً هبطوا من الطائرة سُكارَى وماهم بِسُكارىَ.
كان أمامهم شرطيّ قدماه ثابتتان في الأرض ورأسه في السماء، يُجيل نظراته في الجمع الغفير الذي اصطفّ أمامه، وقد ضاقت بهم الصالة، ومن دون الجميع أشار إلى والدي وسأله أن يفرغ ما بحقائبه من أجل التفتيش!.
قال والدي للشرطي: هل لي بكلمة قبل أن تبدأ التفتيش؟
فقال الشرطي: بكل تأكيد يا سيدي..
فقال والدي - وقد شعر أن للعمالقة قلوباً طيبةً أحيانا- : أنا رجلٌ ديبلوماسي، وأعملُ وزيراً لخارجية دولة الإمارات، وهذه الأوراق تثبت ذلك...
فاعتذر العملاق، وتابع والدي طريقه.
ومن «لوس أنجلوس» ذهبوا إلى «هاييتي»، ومنها - بعد خمس ساعات- حطّوا الرحال في أرض الماوري.
كان الإرهاق قد بلغ منهم مبلغاً عظيماً، وكانت الفتاتان بانتظارهم في المطار؛ وقادتا الجميع إلى الفندق، وهناك قال والدي: دعوني وشأني في غرفتي، ولا يوقظني أحد حتى الغد، ثم هجرهم هجراً جميلاً، وذهب ليعقد حلفاً مع «مورفيوس« ملك الأحلام يوماً كاملاً.
في اليوم التالي، قادتهما الفتاتان إلى منزلهما العائلي في أرياف «تتناسل» بلا توقّف، وهناك شاهد الوالد مزرعة يملكها والدي إحداهن، وفيها قرابة الأربعة آلاف رأس غنم، عدا أعداد كبيرة من البقر ترعى في أرض العائلة، وكانت «نيوزلندا« تمنح من يقصدها لغرض الإقامة والعمل أرضاً وماشية.
أراد الوالد أن يطيب له المقام في «نيوزيلندا» بالتعرّف إليها عن قرب، وهو أمر تتطلبه طبيعة عمله فضلاً عن شخصيته التي تنحو إلى الإحاطة بالاشياء ومعرفة دقائقها.
وهكذا، ذهب إلى عاصمة نيوزيلندا وثاني أكبر مدنها (ولينغتون) والتي تقع في جنوب الجزيرة الشمالية، أو (أرض الغيمة البيضاء الطويلة) بحسب تسمية السكان المحليين من «الماوري».
كما لم يفوّت الفرصة على نفسه بزيارة السخّانات الدافئة، «ذا جيسر» بحرارتها البالغة 64 درجة مئوية، ويعود السبب في ارتفاع حرارة القشرة الأرضية في هذه المنطقة إلى (هشاشتها) مما يجعل الدخان يتكاثف على هيئة حزمة بيضاء كبيرة.
ومن «نيوزيلندا» غادر الوالد إلى استراليا، ولقد شعر بفتنتها التي لم تتمكن أيام السفر المعدودة من جعله يقاوم الرغبة في زيارتها مرة أخرى، وهذا ما حدث بالفعل حيث زارها في العام التالي أي في (1973).
وفيها قصد التكوين الصخري الذي يُطلق عليه (أولورو) أي الحصاة الكبيرة بلغة سكانها الأصليين، ويقع وسط استراليا، وهي بقايا صخرية عزلتها تآكلات الجبال، فشكّلت وحدة متماسكة من الأحجار الرملية المعروفة باسم (آركوس)، ويصل ارتفاعها إلى 335 متراً، فيما يبلغ محيطها 8 كيلو مترات.
ولقد حدّثني والدي عما شهده بنفسه من فروقات ظاهرة بين الأبورجينال (سكان استراليا) والماوري، فلقد فاجأه أن يجد «الأبورجينال» في حال مزرية، وليس لهم من الحقوق إلا ما يكفل القدرة على بقائهم في جماعات قليلة ومنفردة لا تملك لنفسها النفع ولا دفع الضرر.
وهو الأمر الذي لم يجده في «نيوزيلاند»، حيث كان الماوري يذوبون في الوافديين الجدد ويصبحون من بعضهم، بينما كان الأبورجينال يذوبون من القارة الشاسعة وليس فيها.

Friday, June 10, 2016

محمد علي، ورنينُ الطفولة



قلت للوالد ونحن نقطع جنائن "الريجنت" في نزهتنا اليومية: متى رأيت الملاكم ‫#‏محمد_علي_كلاي‬ لأول مرة؟.
قال: حدث ذلك في عام 1966م في القاهرة في العام الذي تخرجت فيه،
في ذلك اليوم -قال الوالد- قصدت قاعة الفطور في فندق "هيلتون القاهرة"، فرأيت رجلاً وحيداً يتناول الفطور على طاولته.
وكان ذلك الرجل محمد علي.
وكان ذلك شبيهًا بالناقوس الذي واصل رنينه في طفولتي
فما زلت أتذكر ونحن في الطابور الصباحي في مدرسة محمد بن القاسم، وكان ذلك في يوم 8 مارس من عام 1971م، عندما نزل علينا خبر هزيمة محمد علي (الملاكم المسلم) نزول الصاعقة، بالرغم من أننا لم نكن شاهدنا مباريات له من قبل، ولكن طالما سمعنا عن ذلك الملاكم الذي اعتنق الإسلام، وصار يذود عنه بقبضاته في الجهة الأخرى من الأرض.
ولا أستبعد أن المصلين انتظموا في المساجد وسووا صفوفهم للدعاء له ليفوز على "فريزر"، الذي أصبح في فترة لاحقة من أعز أصدقاء محمد علي.
ولمّا دعي إلى زيارة أبو ظبي، ووصلها في عام 1972م - وأتذكر أننا قابلناه-، وكان يتوعد كلما حانت فرصة بالانتقام من "فريزر".
ومن يومها، لم تفتني أياً من مبارياته، ومكثتُ أتابع مباريات الأوزان الثقيلة حتى آخر أيام دراستي في الولايات المتحدة، ومن ثم اعتزلت هذا العالم بعد اعتزال تلك الكوكبة اللامعة من الملاكمين.
كان رجلاً إشكالياً وعميقاً ، فهو في لحظة ما، عندما كان التمييز قائماً كانت الملاكمة بحسب توصيفه: مشاهدة الرجل الأبيض لإثنين من السود يبرحان بعضهما البعض بالضرب.
في تلك البرهة، لم تكن الملاكمة تمثّل أكثر من هذا الأمر، وكان توصيفه خطاباً عميقاً يستبطن واقع التمييز ويحاول كشفه بهذه الطريقة التي مازلنا نستعيدها منذ عقود.
كما أنه حدس أن الملاكمة التي شرع بها أول الأمر في طفولته ليتمكن من الدفاع عن نفسه واستعادة دراجته التي سرقها صبي صغير، منحته تلك القوة ليرفض السفر آلاف الأميال إلى فيتنام ليقاتل أناسا لا يعرفهم ولم يطلق عليه أحد منهم لقب الزنجي، وكان رفضه الذهاب عن مبدأ، ولقد أثبتت النتائج اللاحقة التي حفرت عميقا في وجدان الشعب الأمريكي ومؤسسته العسكرية أن محمد علي كان على حق،
فلقد أدركت أمريكا ورطتها ولم تنج من تبعاتها حتى الآن.
لقد كان بطلاً في الحياة، وفي الحلبة، وبطلاً في الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية ومناهضاً كبيراً للحروب. وهو الأمر الذي دعاه إلى تغيير اسمه إلى "كاسيوس إكس" انحيازا إلى صديقه "مالكوم إكس" الذي دعا إلى ضرورة توفّر الأمريكان من أصل أفريقي على حقوقهم المدنية.
وعندما أعلن إسلامه غيّر أسمه إلى محمد علي، ودعا الجميع إلى نسيان اسم كاسيوس لأنه تذكير بالعبودية.
كان بطلاً فعلياً، ومن غير المنصف إطلاقاً أن نعتبره ملاكماً فحسب، كما ذكر صديقه وغريمه فورمان، وأردف: إنه أفضل الناس في عصره.
لقد استفادت الملاكمة كرياضة للفن النبيل من مواهب محمد علي وسرعته ورقصه ولكمته التي كانت قوتها تقدّر بألف باوند، لكن الجميع وخصوصاً أبناء جلدته استفادوا من إنسانيته بصورة أكبر وأكثر تأثيراً بكثير.
ربطت محمد علي بدولة ‫#‏الإمارات‬ العربية المتحدة وقادتها، علاقة وطيدة منذ أن دخلها أول مرة، ولقد تردد عليها مراتٍ عدة منذ بداية السبعينات في الفترة التي كان يتهيأ فيها لاستعادة لقبه الذي كان قد خسره قبل مدة وجيزة من ذلك التاريخ أمام "فريزر"، وكان المغفور له الشيخ ‫#‏زايد‬ بن سلطان آل نهيان قد كرم محمد علي لدى زيارته الدولة، وتواترت زياراته منذ ذلك الحين، فزار أبو ظبي مرة أخرى في ديسمبر 1982م، وكان المرة الأخيرة في يناير 1987م، حيث أجرى عدداً من المباريات الاستعراضية في ‫#‏أبوظبي‬ و ‫#‏دبي‬.
وترك هذا التكريم عظيم الأثر لدى محمد علي، الذي عبر عن ذلك خلال ندوة في أميركا، قال فيها إن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله عامله كأخ، وإن شعب الإمارات تعامل معه كشقيق لهم، من غير اعتبار للون أو الأشياء الأخرى التي يعاني منها في بلاده أميركا.
قبل أيام جمعني حديث مع شقيقي الأخ / ناصر، واستعاد زيارة محمد علي إلى أبو ظبي، وكان قد مر قرابة العام على طابورنا المدرسي الحزين، فقد خلالها "فريزر" بطولة العالم أمام عاصفة جديدة اسمها (فورمان)، ولم يكن فورمان هذا يمنح منافسيه نعمة الوصول إلى الجولة الرابعة إلا بعد أن يكونوا فريسة سائغة أمام قبضته الجبارة.
أخبرني الأخ /ناصر أنّ صورة في صباه يبحث عنها تجمعه بمحمد علي وهما يتبادلان اللكمات في الوجه.
وبعد قرابة عقدين من الزمن التقاه ثانية في "طوكيو" وكان ذلك في عام 1992م، فلقد قابله متعهد مباريات محمد علي (دون كنج) ودعاه إلى زيارة محمد علي في جناحه في الطابق العلوي.
وأردف الأخ / ناصر أنّ زوجة محمد علي هي من فتحت الباب ودعته إلى الدخول، وكان الجناح متوسط المساحة، ثم خرج محمد علي بخطى متباطئة واستقبله بحرارة، وعرّفه بنفسه، وبذكرى تلك القبضات المتبادلة عندما كان لا يزال يتوعد "فريزر" بأيام لا تبقي ولا تذر.
ثم دعاه إلى زيارة مركزه الخيري في "لوس أنجلوس"، والتقط معه الصور التي انتشرت في الأيام السابقة بعيد وفاته على مواقع التواصل الاجتماعي.
في الأيام الماضية وأنا استعيد لحظات محمد علي بدءاً من طابور الصباح مروراً بمعركة الأدغال ونزال القرن وطرائفه التي يرسلها بعمق ودراية، حتى إصابته بمرض الرعاش، ولقد رأيت صورة له وهو في أيامه الأخيره، وكم هالني أن أجد الهرم
وقد تمشّى في جسده الذي كان مفتولا وقويا، وبحسب محمد علي ذاته (طويلاً ووسيماً وشاعراً).
جسد الرجل الذي لم يكن هناك على كوكبنا من يستطيع مواجهته، وهو ليس في سنّ متقدّم، إنها سنّ مبكرة بالنسبة لرجل كان يعد مثالا للكمال البشري، ثم قلت في نفسي ياله من كمال دفن علامات هرمه وأمراضه في كتاب مخبوء عميقاً في جسده.
هذا هو الخلل الذي ورثه وحمله في شيفرته الجينية، وهو الذي يحدّد ما إذا كان بوسع المرء أن يبلغ هذا السنّ وهو معافى، أو يبلغه وقد تداعى جسده.
إنه كتاب هائل لم يكن بوسع محمد علي أن ينبش في صفحاته ليدرك علله ويتمكن من تجنبها، فالثلاثين مليون صفحة التي يشتمل عليها الكتاب الجيني أضمرت لمحمد علي مفاجأة غير متوقعة وجعلته يترجّل في مثل هذه السنّ، ولكنّ حسبه أن عاد من الأدغال ظافراً.
  http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_article_indetail.php?articleid=122

Sunday, June 5, 2016

الشيخ / حمدان بن زايد الأول -رحمه الله- (حكم 1912-1922م)

 
كان يوماً مشهوداً، ذلك الذي ألقى فيه شاعر عمان الكبير (ابن شيخان) السالمي قصيدته النونية في مدح الشيخ / حمدان بن زايد الأول -رحمه الله- (حكم 1912-1922م).
فلقد كان الشيخ حمدان يهش للمديح، ويبشّ في وجه المادح، وما أن صار معلوما وقت انعقاد المجلس حتى أمر الشيخ بنفيرٍ ظبيانيّ، فحضرت جموع غفيرة ران عليهم صمتٌ عمّقته سلطة اللغة الفصحى لأنها تدفعهم إلى النصّ القرآني دفعا.
إنها قصيدة بلا عصا، وفيها الكثير من الغواني والولدان والحور ونساء بيضاوات ينعشن جسد الميت الفاني. هكذا استهلّ السالمي قصيدته:
حبّ الغواني عن الغلمان أغناني وذكرهن جميع الناس أنساني
من كلّ فاترة الألحاظ فاتنة حوراء أحسن من حور وولدان
بيضاء برّاقة اللبّات طيّبة الأنفاس تنعش جسم الميّت الفاني
إلى أن بلغ الأبيات التي امتدح بها الشيخ / حمدان قائلا:
فيا أبا راشد خذها محبّرة غرّاء خصّتك بالباقي عن الفاني
فابسط إليها يد الإقبال وابغ لها وجه القبول واسدل ثوب غفران
وعش ودم في مقام العزّ مغتنما حرز الكمال بتمكين وإمكان
بعد قرابة المئة عام على تلك القصيدة، أفكر بما شهده جدّي /خليفة -رحمه الله- ( كانت أخته شمسة بنت أحمد زوجة حمدان)، وكان فتى يتفرّس في الوجوه المتفكّرة، وتلك التي تستعيد بعض الأبيات، ووجه الشيخ حمدان الذي بسط إليها يد الإقبال والقبول.
ولمّا انتقد آل مبارك أصدقاء الشيخ حمدان ذكر الولدان، دبّج بن شيخان قصيدة ثانيّة على وجه السرعة قال فيها:
بجانب السفح أوطار وأوطان
سقي لياليها الغراء هتان
ولا تزال يد الأنواء ناسجه
عليه اثواب حسن وهي ألوان
اكرم بسكانها الأحباب من عرب
وبالمنازل لاقوت ولا بان
سكانها قيل ارواح لهن كما
إنّ المنازل للسكان أبدان
لله من زمن قضي مسافته
صب وأحبابه بالسفح جيران
إذ نحن طوع الهوي والوصل يجمعنا
وللشباب غضارات وأفنان
ترى أين كان سعيد بن عتيج في ذلك اليوم، يقينا أنّ الوالد خليفة رحمه الله كان هناك، لأنه لم يكن يفارق زوج اخته شمسه ابدا، قال لي رحمه الله أذكر أنني رأيت ابن عتيج رحمه الله كان ملوّحا كالرمح، ابن عتيج الذي اختص الشيخ حمدان بن زايد بقصيدة أعظم من قصيدة ابن شيخان، ليس هذا رأيي فحسب ولكنه رأي الشيخ عبد الرحمن المبارك، قال لي ذات يوم بعيد، وكنّا في مجلس الوالد في البطين: حسب ابن عتيج هذه القصيدة، فهو لو لم يقل غيرها لكفاه.
يا الله يا عالم سراير خاطري اتعصم نفسي عن دروب الميل
في 1919 توفي ابن عتيج وهو لم يتجاوز الأربعين، ولم يتزوّج بعد،
كانت وفاته شبيهة بحياته، فلقد راعه أن يقلْن عنه الياسيات شيئا سيلاحقه أبد الدهر، فلم يكن يبحث عمّا يقيه رصاص غارة بعض القبايل على بيوتات من المناصير الذين حلّ ضيفاً عليهم.
كانوا يقولون له: اتّقا يالشاعر (أي اتقي الرصاص بما يحجبه عنك)
وكان ردّه عليهم وهو لا يزال يواصل الرمي: منقود، شو بيقولن عني الياسيات؟.
وفي حقيقة الأمر أراد ابن عتيج ياسيّةً منهن بعينها، ملكت قلبه، ولقد كانت فجيعته في أنها متزوجة من رجل آخر.
كان بوسع الناس في تلك الأيام أن يزور بعضهم بعضا، وكان بمقدوره أن يدخل على ياسيّته كلما أراد ذلك، إلى أن نمى إلى زوجها أن ابن عتيج عاشقا لها فنهاها عن استقباله، وأغلقت الباب دونه، وكان ذلك أوّل موت يختبره ابن عتيج في حياته، ولكنه جنس من الموت لم يترك الرجل حتى يوم مقتله الذي جاء برصاصة من المغيرين في صدره.
من يوم غلّق بابه يا ريلي ما وطت
بدفن حبّه شبابه وآغزّر له تحت
لو هو ما ينسخى به قم يا الحسود اشمت
لقد ترك الشاعر المنادي منذ مئة عام يرفع صوته دون أن يجد من يقصد السفن
أشعر في تلك اللحظة وكأن كل شيء سال من صدر بن عتيج، ولكن الياسية التي أغلقت بابها دونه كانت أوسع من جرحه فمكثت في صدره. او كأنه تمثّل قول ابي الطيّب:
مثّلت عينك في حشاي جراحة فتشابهت كلتاهما نجلاء
حدّثني الوالد ورفع روايته إلى صديقه محمد بن بليد رحمه الله، وكان صديقا لابن عتيج لا يفارقه، أنّ ابن عتيج قصّ عليه حلما قبيل مقتله، قال انّه رأى في منامه في اليوم الذي توفّي فيه أن رصاصة اخترقت صدره، وأراد أن يتبيّن إن كان سينجو منها، فوضع يده على أنفه وصار يحاول أن يأخذ شهيقا ويطلقه ليعرف إن كان الهواء سيمكث محبوسا في رئته أم لا.
فاستيقظ من نومه وهو يردّد: اللهم احمي الربع
فلقد حدس أن هناك احتمال أن يصاب أحدهم بمكروه
ولقد فجعه هذا الأمر، ولكن الإصابة جاءت به
وكأنه شعر أن الحياة لم يعد فيها ما يستحق أن يعيش من أجله منذ أن غلّقت ياسيّته الأبواب دونه.
تذكرت جدّتي امّ احمد رحمها الله، كنت اذا هاتفتها ترد العمّة اليازية أحيانا، مرحبّة بالهاتف العزيز، وعندما اطلب السلام على ام احمد، تهتف العمّة منادية ام احمد: يا يعقوب، يوسف على التيلفون، وكنت اذا جئتها زائرا أبادرها بابيات ابن عتيج في قصيدة حمدان لأعتذر عن تقصيري وغيابي الطويل:
واللي تحبه باطنيّ وظاهر تسمح ولو هو من جداك يعيل
وتغفر زلاّته ولا تطريها ويكون له طرف العيون كليل
وكانت رحمها الله تستعيدني الأبيات مرارا والفرح يغمر المكان.
  http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_article_indetail.php?articleid=119

Monday, May 30, 2016

لم تكن تحتاج أكثر من إتصال !

 
ها أنا في مقهى "الريجنت" قرب حديقة الورود، حيث كنت أرمق الشاعر (نزار قبّاني) يقضي بعض وقته بها قبل أن يتوفاه الله، في مقهى تلفه أشجار البلوط بجذور سيقانها الفيليّة.. إنّها المقهى التي يفضّلها نزار قبّاني عندما يريد أن يصغي إلى صمته..
فتذكرت ذاك اللقاء الذي جمعه بـ (الوالد) عندما حلّ الشاعر ضيفاً على المجمع الثقافي في أبوظبي، وقف (نزار) مادّا يده بالأحضان عندما دخل عليه الوالد وهو يقول: اشتقت إليك، فعلمني أن لا أشتاق، علّمني كيف أقص جذور هواك من الأعماق.
وكان الوالد يجيبه وهو يتقدم نحوه:ما زلت أحرث كالحصان على السرير الواسع، حتى يلتقيا فيتعانقان.
.
ولطالما سرد (نزار) حكاية الزيارة التي قام بها الوالد إلى مقرّ الشاعر في فندق "الإنتركونتيننتال" في أبوظبي، عندما كان مدعواً لفعاليات الموسم الثقافي في وزارة الخارجيّة في السبعينات، وعندما لم يجده، ترك الوالد رسالة دعاه فيها إلى زيارته في مقر عمله بوزارة الخارجية.
وفي صباح اليوم التالي، زار (نزار) الوالد في مكتبه، وقال له: لماذا تجشّمت عناء المجيء، لم تكن تحتاج إلى أكثر من اتصال وسآتيك بنفسي..
فقال الوالد: يانزار، بالرغم من أنك رجل عملت في المجال الدبلوماسي هل بوسعك أن تخبرني شيئاً عن وزير الداخلية في عهد "اليزابيث" الأولى أو وزير خارجيتها؟ فتفكر نزار قليلا وقال: لا، لا يمكنني ذلك.
فقال له والدي ولكنك تعرف شاعرها "شكسبير"،أليس كذلك؟
فاجاب بنعم..
هكذا هو الأمر يا نزار، فما يبقى يؤسسه "المبدعون"، لأن عملهم تدوين لسيرة الروح والعقل، أما "الساسة" فزبد يذهب في الأرض.
وبعد سنوات على موقف والدي.. اتصل بي (نزار) وهو يشكو إليّ حظره دخول دولة الإمارات، وسألني أن أعرف السبب وأتدخّل لإبطاله، فذهبت من فوري إلى أخي الشيخ/ حمدان بن زايد، وكان وزير الخارجية في ذلك الحين، وسردت عليه موقف الشاعر، وما كان من أمره مع أوّل وزير للخارجيّة والدي أحمد خليفة السويدي.
فقال الشيخ حمدان: لا علم لي بالأمر، وسأعمل شخصياً على الإتصال به وإعادة الأمور إلى نصابها. وبالفعل اتصل الشيخ حمدان مشكوراً بـ "نزار قباني"، ودعاه إلى القدوم، ورحّب به باسم دولة الإمارات، وباسمه شخصياً ... وها أنا ذا في مقهى "الريجنت" قرب حديقة الورود، أرمق مواضع ذكريات نزار، ذلك الشاعر الذي استعصى على المنع أو النسيان.
  http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_articles.php

Saturday, May 28, 2016

من مَكتبتنا الخاصّة


من مَكتبتنا الخاصّة : تسجيلٌ نادر سنة 1980م، لــ نزار قباني، وأمسية في مديح أبوظبي..





من مَكتبتنا الخاصّة : تسجيلٌ نادر سنة 1980م، لــ نزار قباني، وأمسية في مديح أبوظبي..

Wednesday, May 18, 2016

السيد ولـيم والمُعَلّـقَـةُ الذهبيــة





 
 
 
 
السيد "ولـيم" والمُعَلّـقَـةُ الذهبيــة
عندما عملتُ في المجمع قبل سنواتٍ خَلت، توصّلت بكتاب (المعلّقة الرابعة) لـ "لبيد بن أبي ربيعة"
وكان الكتاب (مدوّنة بصرية) تعقّبت ( لبيد) في أمكنته، وتحولاته، التي جاءت بها قصيدته.
سألت عن مؤلف الكتاب، فعلمتُ أنّه متحدّر من عائلة أنجبت رئيساً للولايات المتحدة.
ولأن مثل هذه الكتب توحي وكأن مؤلفيها عاشوا في زمن سابق، فسألت إن كان لا يزال على قيد الحياة؟ فقالوا:بلى.
فسألت عن إمكانية دعوته: فأخبرني بعضهم أن مواقف الرجل تغيّرت، وأصبح صهيونياً، ولم يعد عروبياً كما عهدوه أول الأمر.
فتركت الأمر- على مضضٍ- ولم أعد إليه في تلك الآونة.
وبعد أربع سنوات، هاتفني الصديق المرحوم (عبد الملك الحمر)، وكان يعمل – آنذاك- في المصرف المركزي، وبدا عليه وكأنه في ورطة؛ فقد كان يومه مزدحماً، ولديه رجل ربما ضاقت به السبل - ويخشى أن يضيق به هو أيضاً- يُدعى "وليم بولك".
أدركت على الفور أنه كان يعني "بولك" صاحب كتاب ( لُـبيد) ذاته.
فالرجل كان يبدو بحاجة إلى من يصغي إليه، ولقد شعر في نفسه أنه يحمل زاده معه ليستعين به على وحشة الطريق، فلقد بلغ من العمر ما يجعله ينبذ التريّث، ويمنح تصوّراً لمن يلتقيه وكأنه على عجلة من أمره.
حدّثني عبد الملك عن نيّة "وليم" في العمل على مشروع سيتناول فيه (امرئ القيس) على شاكلة ما فعله مع (لـبيد)، ولقد أعياه العثور على من يتبنّاه، فأمرؤ القيس -لا ريب- أنّه أكثر توسّعاً في شعره وأمكنته، فهو قطع شبه الجزيرة من الجنوب حيث منزله الأول في كندة، مروراً بشمالها حيث التقى (السموأل بن عادياء) في تيماء، وصولاً إلى أنقرة كما تشير إلى ذلك مجموعة من الروايات.
و- شخصيّاً- أرى أن ما تداولته المصادر أو ما ورد على ألسنة الرواة عن أمرئ القيس، هو في الأصل مجموعة واسعة من الحكايات والملاحم الشعبية، التي أصبحت في فترة التدوين تستجيب لمراكز ثقل وقوة القبائل أثناء حروب الفتح وانتشارها في جغرافيات جديدة، وظهور النزعة القبيلة بعد فترة الخلافة الراشدة، وكان من الضروري أن تعمل القبائل على سرد الماضي وبيان مآثرها وقوتها فيه وكيفية انعكاس ذلك على حاضرها، من خلال استثماره في الوضع الجديد كأمراء على الأمصار أو قادة على الجند. لأنني أثق أنّ امريء القيس لم يذهب إلى أنقرة ليستنجد بملك الروم ولم تنته حياته غريباً على جبل يُقال له عسيب، وحتى الحكاية التي ربطته بالسموأل أجد أنها على غير ماورد في الروايات، فإذا كان أمرئ القيس بلغ تيماء والتقى بالسموأل حقا، فأجد أن السموأل استأثر بدروع أمرئ القيس لنفسه ولم يسع إلى التخلي عنها رغبة في الاستحواذ عليها، لأن الروايات لم تشر إلى ما بعد مقتل ابنه، ولا نعرف من مصيره شيئاً، وكأن الرواية كانت مقطوعة عن سياقات كثيرة لتمنح دليلا في اتجاه آخر حول وفاء الرجل، وأجد أن هذا الأمر كان جزءاً من صراع النفوذ والقوة والتأثير بعد سقوط دولة بني أميّة، والعمل على تقاسم تركاتهم في دولة بني العباس التي اتسع نفوذها وتضخّمت مؤسساتها.
عندما رأيت أن عبد الملك -رحمه الله-، كان يسعى إلى تعريفي بالسيد "بولك" ليتخفف من مشقة الاستماع إليه، فقلت له: أرسله لي.
كان صوت عبد الملك يصلني عبر الهاتف وكأنه يستنجد.
ما أن التقيت بالسيد "وليم" وشرعت بالحديث معه، حتى أدركت معاناة عبد الملك.
ولكنني فوجئت بأن الرجل لم يرتدّ عن مواقفه، بل العكس، أصبح أكثر التزاماً بها، ولكنه وهو في مثل هذه السنّ، كان قد حدّد أولوياته، ويبدو - من خلال وجهة نظره- أن لا شيء يجب أن يسبق القيام بمشروع (المدونة البصرية) التي سيتناول فيها امرؤ القيس.
ثم قال لي أن مشروعه يحتاج إلى ميزانية تتحرّك بين مليون ونصف، إلى مليوني دولار.
فشعرت بمرارة لعدم استطاعة المجمع توفير مبلغ كبير كهذا - في تلك الأيام-، حيث كانت الميزانية السنوية بالكاد تلبّي الفعاليات المقررة سلفا.
ففكرت بمن في وسعه أن يتبنّى أفكار السيد "وليم" ويكون قادراً على تمويل أحلامه.
وبعد يوم جميل تخللته الحكايات على تنوّعها غادر السيد "وليم" إلى باريس حيث يقضي فيها سنوات تقاعده.
لم أنقطع عن التواصل معه طيلة سنوات، و- في الوقت ذاته- لم أكفّ عن التفكير بضرورة إنجاز عمل مشترك يتناول أول (ملك ضلّيل) وصلنا شعره وسيرته.
وفي أواخر عام 2000، ولم تكن الفكرة قد برحت ذهني بعد، قرّرت أن أتبنّى المشروع شخصيّاً، خصوصاً وأن الإتفاق كان على ظهور الكتاب بذات جودة كتاب (لـبيد)، ولقد شعرت بمزيج من الغبطة والفخر وأنا أهاتفه، وكنت حينها في لندن.
وقلت له يا سيد "بولك" أريد أن أزفّ إليك خبر توفير المبلغ الذي سيمكّنك من إنجاز مشروع امرئ القيس
فجاءني صوته ضعيفا وهو يقول: آه يا محمّد، عليك أن تتقبّل اعتذاري عن القيام بهذه المهمّة..
فالرجل الذي عرفته قبل عقد من السنين أصبح هرماً، ولم يعد بوسعه أن يفعل شيئا أكثر من أن يتمنى أن تسنح الفرصة لأحد الشباب ليكمل ما بدأته.
وكانت تلك المكالمة نهاية حلم المعلّقة الذهبية وملكها الضلّيل.
‫#‏وليم_بولك‬
‪#‎William_R_Polk‬
‫#‏امرؤ_القيس‬
‫#‏محمد_أحمد_السويدي‬
*في الصورة السيد/وليم بولك ضيف شرف مجلس معالي /محمد أحمد السويدي أمس
 

Sunday, May 8, 2016

هندرسون .. ذكرى الأيام الأولى



قرأت على الوالد ونحن نسير في جنائن "الريجنت" في أوّل أيّام الزبرة رسالة السيد "دي. اف. هولي" موظف دار الإعتماد في دبي بتاريخ 10 مايو 1959، وهي تنصّ على أنّ زيارة الشيخ/ راشد بن سعيد آل مكتوم، المرتقبة إلى لندن ستكون من 8 إلى 21 يونيو هذا العام وأنّ محل إقامته سيكون فندق "السافوي"، وسوف يصل المملكة المتحدة عن طريق أمستردام، وهو ينوي أن يصطحب معه ولدين من أبنائه هما (مكتوم) و(حمدان)، إضافة إلى عيسى القرق الموظف في البنك البريطاني -إذا سمح له البنك-، ومهدي التاجر العامل في الجمارك -إذا أمكن إعفاؤه من مهامّه الجمركيّة-، - وهو أمر صعب قليلاً-. وأضاف "هولي" أنّه فيما أراد الشيخ أن يمدّد الإقامة أكثر، فعليه أنّ يتحمّل النفقات، وأشار إلى أنّ شركتي "جراي ما كينزي" و"هالكرو" عرضتا استضافة الشيخ وفريقه، وأنّ الشيخ أبدى ولعه برؤية العروض العسكريّة.
قال "إدوارد هندرسون" - الذي عمل معي في المجمّع الثقافي- في كتابه ذكريات عن الأيّام الأولى في دولة الإمارات وسلطنة عمان:
كان الشيخ راشد ذا شخصية آسرة، بأنفه الشامخ وعينيه اليقظتين ولطفه الهادئ، ووقاره البعيد عن التكبر، وكان يرتدي دائماً (غترة) قطنية بيضاء، وعقالاً يثبتها في مكانها، ودشداشة طويلة تعلوها عباءة (بشت) سوداء تزينها من الأمام حافتان رفيعتان مذهبتان، ونعلاً من صنع دبي .
ولم يكن الديوان يخلو من بعض أفراد الرعية وهم في ثياب مماثلة، وكان بعضهم تجاراً وبعضهم من الحاشية، وغيرهم من الزوار، وآخرون من موظفي القصر.
وكان حضور الشيخ يفرض عليهم الأحترام والهدوء. لكن الأمر لم يكن يخلو من حركات رزينة. أما أذا تحدثوا فيما بينهم، فإنهم كانوا يفعلون ذلك بصوت منخفض . لأن احترام الشيخ لم يكن يعني توقف الأشغال، بل استمرارها، وهو ماكان الشيخ يريده. بل أنه كان يساعد بحماس أياً من رعاياه على تحسين مستوى دخله.
في تلك الأيام كان العديد من رعاياه قد أصبحوا أثرياء، لكن لم يكن لديهم أموال سائلة، لأن أموالهم كانت دوماً قيد الأستثمار.
ولم تكن مقابلة الشيخ تحتاج إلى أكثر من الذهاب إلى مركز الجمارك صباحاً، وصعود الدرج الحاد الضيق، وغير المنتظم، الذي ينتهي في أعلاه بشرفة مستوية عريضة مكشوفة، تطل على الخور. وإلى جانب الشرفة، كانت هناك غرفة مزدحمة، مفروشة بالسجاد والأرائك فقط ، عارية الجدران، ذات نوافذ خشبية كبيرة، مفتوحة المصراعين ... كان هذا مجلس الشيخ راشد -الصباحي-، حيث يجلس أربعون أو خمسون شخصاً على السجاد كتفاً إلى كتف، متكئين على الوسائد المستندة إلى الجدران، ناظرين عبر الباب أو النوافذ إلى الخور .
كان ينبعث من المجلس دائماً صوت حديث متواصل، ولم يكن يقطعه حتى قيام الشيخ لاستقبالك، وعندها، كان الشيخ بقامته الطويلة، المنحنية قليلاً يتقدم نحوك بيد ممدودة وابتسامة حارة، فيصحبك - إذا اراد الحديث معك على انفراد - إلى غرفة أصغر حجماً، تطل على الخور، ويقتصر أثاثها على سجادة فارسية حمراء وبعض الوسائد .
بعد فترة على معرفتي بالشيخ راشد، وصل الهاتف إلى دبي . وبعدها كان المرء يرى أنه من اللياقة إبلاغ الشيخ مسبقاً بزيارته. وكان الأمر ببساطة يعني أن تأخذ من أحد أتباعه رقم الهاتف الذي يكون بجانبه في تلك اللحظة. وكان يرد بنفسه على الهاتف، قائلاً أهلاً..أهلاً يسرني استقبالك.
لكننا في تلك الأيام الأولى، لم نكن قد حظينا بعد بالهاتف . ولذا كان على المرء أن يقوم بالزيارة بدون سابق انذار. وما أن نجلس في الغرفة الصغيرة، حتى نبدأ الحديث، ونحن نشرب القهوة بالفناجين الصغيرة متفرجين على منظر الخور البهيج أمامنا، والماء يتراقص بلونيه الأزرق والفضي حول الزوارق الصغيرة المتحركة في كل الأتجاهات.
بطبيعة الحال، كان لابد من البدء بالأسئلة التمهيدية: كيف صحتك؟ وكيف صحة الأهل في البلاد؟ وكم دامت رحلتك؟ إذا كنت قد وصلت جواً، وعساك استمتعت بالرحلة؟ كانت هذه الأسئلة توجه بلطف واهتمام واضحين . لكنه كان من الواضح أيضاً أن هذه الأسئلة التمهيدية – التي كانت تستغرق تلك الأيام في أجزاء أخرى من الخليج نصف ساعة، أو الجزء الأكبر من الزيارة – لم تكن إلا نوعاً من الواجب، وأن الأثنين يريدان انجازه بأسرع ما يمكن.
فقد كان الشيخ راشد واحداً من أولئك القادة الرواد في ترسيخ النموذج السائد الآن للاجتماعات العملية القصيرة التي أصبحت تميز الخليج اليوم.
بعد قليل من الزمن، ينطلق صوت الشيخ منادياً -قهوة- . لكن هذا لايعني أنه يتوقع منك الأنصراف، كما هو الحال أحياناً مع ضيوف آخرين.
تأتي الفناجين الصغيرة لنتجرّعها بسرعة، ولتملأ مرة ثانية بسرعة أيضاً . ثم يسأل الشيخ سؤالاً وجيزاً ، قد لا يكتمل أحياناً، وقد يكون محيّراً أحياناً أخرى، حول الموضوع الذي تنوي بحثه، والذي كنت تفترض أنّه لايعلم شيئاً عنه ، وهو افتراض ربما يثبت عدم صحته.
فاذا فرغت من الحديث حول القضية التي جئت من أجلها، أعطاك الشيخ رأيه مغلفاً ببعض الغموض، وبالمرح أحياناً، وبطريقة تريك مدى إطلاعه على الأمور. وربما لايترك رأيه مجالاً لمزيد من الحديث حول الموضوع.
وغالباً مايتم تبادل الآراء حول الأحداث الراهنة، وعندها يدلي الشيخ بسيل من التعليقات، تتميز أحياناً بدقة بالغة، وبتفسيرات ممتعة، عمّا كان البعض يعني حقيقة عندما قال مانسب إليه .
وقد لايكون من السهل متابعة كل ذلك لأن الشيخ كان يتحدث بعجلة لكثرة المواضيع المثيرة التي تنتظر رأيه.
وفي أحدى المرات، وبينما كنت اراقب تعابير وجهة ، ومياه الخور المتراقصة وراءه خيّل إلى أن الامر يشبه الحديث إلى لوحة تعبيرية، فحديثه المندفع كسلسلة من اللمسات البارعة، التي تبدو كما لو كانت غير مترابطة، يعطيك في النهاية صورة متلألئة وكاملة. إلا أنه، وعلى الرغم من تلهفه للانتقال إلى الموضوع التالي، كان يعيد بسرور جملة ما ، مستخدماً كلمات مختلفة، إذا ما اعترفت بأنك لم تفهمه.
وعندما نظرت ذات مرة إلى الشيخ نظرة استفسار بعد أن طرح عليّ سؤالاً سريعاً ، فإن ساقي القهوة الذي كان لحظتها يناولني فنجاني، قال بالعربية مفسّرا بحدّة : حسناً ، هل تستطيع القدوم إلى العشاء هذا المساء؟. ولذا فإنه من المفيد جداً أن يبقي المرء متيقظاً أثناء حديثه مع الشيخ راشد .
كان كثيرون يدخلون المجلس للحظات، فيهمسون شيئاً في أذن الشيخ ، ثم يتلقون ما كان يبدو لي غالباً تعليمات لم أكن أفهمها. فبالنسبة لي، وباستثناء تلك الدعوة الغامضة للعشاء، أعتقد أنّ الشيخ راشد لم يقل لي شيئاً لم أفهمه. إلا أنّني نادراً ماتمكنت من متابعة الحديث المتبادل بين الشيخ وحاشيته. ولم يكن ذلك نتيجة أن جزءا من السؤال كان همساً، بل بسبب اللغة المليئة بالتلميحات وبالأشارات التي لاتعني شيئاً للزائر، والتي كان يستخدمها للتفاهم المتبادل مع أتباعه.
كان رجال الحاشية يجيئون ويذهبون. وكان العمل التجاري، الذي أصبحت قيمته فيما بعد بمئات ملايين الجنيهات، يولد بهزّة رأس أو بغمزة فالإشارات والألغاز اللفظية التي تستخدم في قاعات المزادات، تبدو متواضعة وبطيئة مقارنة بطريقة تصريف الأمور المالية والرسمية في بلاط الشيخ راشد. ولذا كان العاجزون عن متابعتها يسقطون، لأنّ البقاء هنا كان للأسرع والأذكى والأوسع خيالاً.
لقد شاهدت الشيخ راشد خلال اجتماعات مغلقة مع بعض رعاياه بشأن مواضيع تهمه ويراها ضرورية. فأخذ أحد الموجودين، وكان معروفاً بفهمه البطئ، يتحدث بلهجة رنانة.. وبعد أربع دقائق رفع الشيخ راشد عينيه إلى السماء، كما لوكان يبحث عن النجدة. كانت عيناه لحظتها تلمعان، وكان السأم يرتسم على ملامحه، ثم ما لبث أن مسح وجهة بيديه وكأنه يقول - أعاننا الله -.
لكنه لم يكن أبداً يخرج عن صمته، حتى يقول الجميع كل مالديهم، وعندها كان يبدو عليه الارتياح الشديد، ثم يتحدث بإيجاز وبصورة مباشرة، مختتماً الموضوع. أمّا اذا شعر بأن المناسبة مزعجة، فإنه كان يوعز لأحد الحاضرين بأنّ ينوب عنه في الحديث. وكان كلامه الختامي من النوع القاطع، وبعدها كان يخرج مسرعاً من الغرفة، قبل أن يدرك أحد ماحدث. فهذا عمل وهكذا كان يجري تصريف الأعمال في دبي.
 

عشاء السيدة روزي



تلقّى (الوالد) قبل أيّام دعوة على العشاء من قبل السيدة "روزي" التي
تسكن في منطقة "ساكس"، ودقّت الدعوة ناقوساً من الذكرى يعود لحكاية جرت قبل قرابة عقود أربعة، فلقد سبق لها دعوة الوالد في مناسبة صار يُردّدها كلما وجد سبيلاً إلى ذلك، كان ذلك في السبعينات من القرن الماضي.
فلقد سألت السيد "روزي" الوالد عمّن سيأتي معه على دعوة العشاء، فنظر حوله ولم يجد سوى صديقه عبد الرحيم المحمود، فقال لها أنا وعبد الرحيم
فرحّبت بمجيئهما المرتقب.
وفي اليوم المحدّد للدعوة، اتصل الوالد بها وأخبرها عن شخص ثالث ألمّ بهم دون سابق إنذار سيشاركهما الحضور.
فارتبكت السيدة روزي وتلعثمت ولم تجد ما تقوله.
وعندما وصل الوالد ورفاقه إلى منزل "روزي"
وزوجها وجدهما في غاية الإرباك والتوتّر.
فسألهما عن سبب ذلك، فقالت بسرعة وكأنها أعدّت للجواب طيلة اليوم: إنّه بسبب ضيفك الثالث الذي لم تخبرنا عن مجيئه إلا بعد أن أنهينا تحضيراتنا، فلقد أعددنا عشاء لخمسة أشخاص واشتريت خمسة قطع من شرائح اللحم، فمن سيكون مستعدا للتخلي عن شريحة لحمه من أجل ضيفك؟.
كان الوالد يردّد الحكاية دائما للدلالة على طريقة الإنكليز في مواجهة حالات طارئة كهذه لم يجعلوها في عداد حساباتهم الصارمة.
وفي هذه المرة وقبل حلول يوم الدعوة سألت السيدة روزي الوالد: كم عدد الضيوف الذين ستحضرهم معك؟.
فقال الوالد وهو يضحك ويستعيد حكاية أصبح الآن عمرها أربعين سنة: خمسة أشخاص.
ثم استدرك وقال وهو لا يزال يضحك: وهذا عدد نهائي يا سيدة روزي.
وعندما وصل الوالد وجدها أعدّت مائدة عامرة تفيض على طاقة اثني عشر شخصاً، فقال لها بعد أن فرغوا من تناول وجبة الطعام: لما كلّ هذا الإسراف يا "روزي"؟
فقالت على الفور: لقد تعلمنا منكم أيها البدو.