Sunday, March 24, 2019

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - تأليف: تشارلز نيكول ترجمة: أميمة حسن قاسم





 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل

تأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
(جميع الحقوق محفوظة)
عن كتاب ليوناردو دا فنشي
" ألمعي ومتبصّر،  ...، إنه كتاب حكيم ومؤثر"  ديفيد جيليرتر. صحيفة نيويورك تايمز
" بسرعة. وضع شفرة دافنشي، والتقط هذا الكنز من المواد  حول حكيم عصر النهضة. سوف تشعر بأنك أشد ذكاء في الصباح..ينقل نيكول تشارلز بجلالٍ صورة غنية في تفاصيلها وقطعة حميمة من الحكي" ليزا جينيفر سيلزمان، مدونة هوستن. 
"والأسلوب الذي ينقذ به الدليل المجزأ بذكاء وحصافة هو جزء من إغواء الإثارة  في سرد تشارلز نيكول للسيرة، وما بين السطور..هذه السيرة المصممة بجمال يخلب الألباب لهي أدب في أكثر صوره وضوحاً وأسهلها تناولاً. " جاسبر رييز صحيفة الديلي تيليغراف
صورة ليوناردوهذه ليست جزءاً صغيراً من إنجازات تشارلز نيكول، وعلى الرغم من عبقريته، فهو إنسان على نحو مقنع وشامل، محبوب وقدوة في شخصه" أيدان دون، التايمز الإيرلندي

"يشكّل نيكول صورة يانعة للفنان.. كتاب لا غنى عنه لأي طالب علم أو دارس لشخصية ليوناردو" جريدة الفن اللندنية
" كاتبه بوضوح شخص مبهور بليوناردو وبإيطاليا التي عاش فيها ذات مرة، هذا الكتاب يأخذنا إلى عقل رجل لم يتوقف مطلقاً ليتساءل عن السبب" مجلة الأكاديمية الملكية




حول الكاتب 
أمضى تشارلز نيكول سنوات عديدة في دراسة مخطوطات ودفاتر ملاحظات ليوناردو، وذلك لرسم صورة شخصية لهذا الفنان. إنّه كاتب تسعة أسفار في التأريخ، والسيرة الذاتية والرحلات، بما في ذلك اغتيال كريستوفر مارلو (الفائز بجائزة جيمس تايت السوداء للسيرة الذاتية، وجائزة داغر الذهبية للأعمال الواقعية من جمعية كتاب الأدب البوليسي ). وشخص آخر: آرثر ريمبو في أفريقيا (الفائز بجائزة هاوثورندن)، وقصر الفاكهة، والمخلوق الذي في الخارطة. لقد قام بعرض حلقتين تسجيليتين للتلفزيون البريطاني، كما ألقى محاضراته في بريطانيا، وإيطاليا، والولايات المتحدة. ويعيش في إيطاليا مع زوجته وأبنائه. 
-----  
إهداء إلى كيت الإنجليزية
----  
كيف يمكنك أن تصف هذا القلب بكلمات 
دون أن تملأ كتاباً بكامله؟
ملاحظة كتبها ليوناردو دافنشي بجانب رسم تشريحي للقلب، مرجع
------ 

الفهرس
عن الكتاب
حول المؤلف
حول الكتاب
إهداء
ملاحظة المؤلف
المقدمة: الحساء يبرد
الجزء الأول: الطفولة
الميلاد
آل دافنشي
كاترينا
أولى ذكرياتي
في المعصرة
التحدث مع الحيوانات
عذراء الثلوج
التعليم

الجزء الثاني : التلمذة
  المدينة
رجال عصر النهضة
ورشة أندريه
تعلّم الصنعة
الاحتفالات
على المنارة
أولى اللوحات
التنين
جينيفرا
قضية سالتاريللي
"أصحاب  في بشتويا"
الجزء الثالث: الاستقلال 1477-1482
مرسم ليوناردو
لوحة الرجل المشنوق
زورواسترو
التقني
"الزجالون"
الموسيقيّ
القديس إرميا والأسد
حدائق آل ميديتشي
التبجيل
الرحيل
الجزء الرابع:آفاق جديدة 1482-1490
ميلانو
مغتربون وفنانون
سيدة الصخور
سبل النجاة
المدونات الأول
حكايات طويلة، وأحجيات صغيرة
المشروعات المعمارية
عشيقة آل مور
المرسم الميلانيّ
التشريح
في المحكمة القديمة
الجزء الخامس: في المحكمة 1490-1499
الأعمال المسرحية
"في الظل والضوء"
الجنيّ الصغير
صيد الدببة
صبّ الحصان
"جاءت كاترينا"
أصداء الحرب
تنفيذ لوحة العشاء الأخير
الأكاديمية
حديقة ليوناردو
" بع ما لا يمكنك حمله"
الجزء السادس: على الطريق 1500-1506
مانتوفا والبندقية
العودة إلى فلورنسا
الماركيزة اللحوح
بورجيا
خريف في إيمولا
رسالة إلى السلطان
تحويل مجرى النهر
السيدة ليزا
جدارية الانغياري (1)
مايكل آنجلو
رحلة ورحيل
جدارية الانغياري(2)
روح الطائر
الجزء السابع: العودة إلى ميلانو 1506-1513
الحاكم
"طاب يومك، أيها المعلم فرانسسكو..."
الإخوة يختصمون
أعمال التشريح
العودة إلى المرسم
العالم وأمواهه
أعياد ميلانو
من كريمونا
"المدارس الطبية"
في قصر ميلزي
بورتريه للفنان في عمر الستين
الجزء الثامن: الأعوام الأخيرة 1513-1519
صوب الجنوب
في البلفيدير
المعمدان وباخوس
الطوفان
المرض،  الخداع، المرايا
آخر الرحلات إلى فلورنسا
المعلم لينارد
الكاردينال ينادي
مطاردة الليل
البحر الكبير
اللوحات والرسومات
حواشي المؤلف
الحواشي


ملاحظة المؤلف

ملاحظة حول العملات والقياسات. سوف يلتبس على القاريء فهم عملات عصر النهضة المذكورة هنا. إذ تنقسم الليرة الملكية إلى 20 سولدي والذي يكافيء بدوره 12 ديناري (مثل النقود البريطانية القديمة قبل النظام العشري)، كانت معياراً للعملات، ولكن العملات الإقليمية الإيطالية كانت تُسكُّ في جميع أجزاء إيطاليا: الفلورين، الدوكات، سكودي، جيولي، ...إلخ. وخلال معظم الفترة الزمنية التي تغطيها هذه الدراسة كانت قيمة الفلورين الفلورنسي والدوكات الفينيسي تعادل حوالي4 ليرات. وهذه هي العملات الثلاث الرئيسية التي استخدمت من قبل ليوناردو دا فينشي.
ولتقديم شرح أوسع حول القيمة النقدية في أواخر القرن الخامس عشر في ميلانو؛ كانت الليرة تكفي لشراء مؤونة شهرٍ من الخبز لأسرة من أربعة أفراد، أو 12 رطلاً من اللحم، أو 20 قنينة من النبيذ الريفي أو رطلين ونصف من الشمع، أو ربما ما يربو على الرطل من السكر الذي كان من السلع الكمالية. في العقد الأخير من القرن الخامس عشر اشترى ليوناردو كتاباً في الرياضيات من 600 صفحة من الورق مقابل ست ليرات. وعباءة فضية بزخرفة مخملية خضراء مقابل 15 ليرة. كان الحصان الأصيل يكلف 40 دوكات أو 160 ليرة. وفي فلورنسا يتقاضى عامل البناء 2 من عملة الفلورين في الشهر، والموظف المدني من الرتب العليا في مجلس السيادة كان يتقاضى 11 فلوريناً في الشهر. قد كلفت قصور آل ميديتشي وسفورزا العظيمة حوالي 30.000 فلوريناً لبنائها. وفي عائدات الضرائب أعلن كوزيمو دي ميديتشي عن أصول تربو على 100.000 فلورين، وللمرء أن يتصور أنّ هذا كان تقليلاً من حجم الأصول الفعلي.
قياس الطول الذي كان يستخدمه ليوناردو بشكل متكرر هو [Braccio]. وتعني الكلمة "الذراع" وبالتالي فهو يكافيء مقياس Ell الإنجليزي القديم( لم يعد مستخدماً كمقياس ولكنه ما يزال مسموعا "المرفق Ell-bow" أي حيث ينثني ذراعك). وبحسب أحد التفاسير، كان الذراع الفلورنسي يعادل 55.1 سنتمتراً (21.6 بوصة)، والميلانيّ 59.4 سنتمتراً أي (23.4 بوصات)، ولكنه وصل في بعض الحسابات التي اشتملت عليها مفكرات ليوناردو إلى 60.1 سنتمترا أي (24.1 بوصة) للذراع. ولقد قرّبت هذه القياسات جميعاً للوصول إلى معدل تحويل خلصت فيه إلى أنّ الذراع يساوي 2 قدم. وفي مقاييس المسافة استخدم ليوناردو الميل (miglia) عن كل ألف خطوة (pace/passi).
البوشل أو satio كان قياساً لحجم الجثث، ولكنه هنا جاء لقياس مساحة الأرض. وبوشل الأرض هو قطعة تنتج بوشلًا واحدًا من الشعير في العام. وبالاحتكام إلى اتفاقيات الإجارة في تلك الفترة (كانت قيمة الأيجار تدفع من الإنتاج)، حيث يحتسب هذا المقدار بحوالي نصف فدان.
لقد قمت بجميع الترجمات عن الإيطالية بشكل عام بنفسي، لكنني بالطبع اطلعت على ترجمات جان بول ريختر، وإدوارد ماكيردي، وأيه. بي. مكمان، ومارتن كيمب، ومارجريت ووكر، وكارلو بيدريتي. وظلت أجزاء كبيرة من نصوص ليوناردو بدون ترجمة إنجليزية. وقد كانت ترجمة جورج بول لحيوات فازاري ذات فائدة عظيمة بيد أنني اختلفت معها في قليل من أوجه التفسير.
وكنت أميل أن أقدم تعبير ليوناردو كما كتبه تماماً، وذلك في الاقتباسات القصيرة التي أوردتها بالإيطالية، والتي بدت كما لو أنّها جزء من صداه. ولقد قمت بإجراء بعض التعديلات المتعارف عليها لتسهيل القراءة: i  بدلاً عن حرف ال j المائل، وتمديد المسافات الضيقة، وفصل المدغمات، ...إلخ. بيد أنّ تهجئته اتسمت في بعض الأحيان بإبهام تفقد معه معناها عند اقتباسها باختصار.
والاقتباسات من الشعر الإيطالي في تلك الفترة وردت بالتهجئة الأصلية. وفي حالات أخرى كنت أضفي بعض الحداثة.
قمت أيضاً بتحديث صيغة التأريخ. فالتقويم الفلورنسي يحتسب من 25 مارس(عيد البشارة، أو يوم السيدة)، عليه فإنّ مناسبة ما مؤرخة في 1 فبراير 1480 في الوثائق الفلورنسية تكون قد حدثت بعد شهرين بالفعل من حدث مؤرخ في 1 ديسمبر 1480، هنا سوف يحتسب التأريخ بطريقة عصرية على أنّه 1 فبراير عام 1481.
وقد تلقيت مساعدة جليلة في إجراء الأبحاث الخاصة بهذا الكتاب من طاقم المكتبة الليوناردية في فينشي، والمعهد البريطاني، وسجلات الدولة في فلورنسا، والمكتبة الحكومية في لوكا، والمكتبة البريطانية والمكتبة الملكية في ويندسور، وبشكل لا يقل عنها مكتبة لندن. وشكري أيضاً لانطونيو ناتالي، الفيو ديل سيرا، جياني ماسواكي، الموقرّة جين روبرتس، لورو مارتينز، غوردون ويذيريل، كريستي براون، بيرني ساهلينز، وليز دونلي.
وإنّني لممتن للسيدة درو هاينز على توفيرها زمالة الكاتب في هاوثورندن كاستل، وإلى فريق العمل هناك، وزملائي الحاصلين على الزمالة، الذين سمعوا أولى هذه الصفحات المكتوبة حديثاً. وأدين لدايفيد غودوين على سفر تكوين هذا الكتاب، وخروجه إلى النور بفضل المراجع ستيوارت بروفيت، ومحررة الصور سيسيليا مكاي، ومحرر النصوص بوب ديفنبورت، وأيضاً ليز فرند-سميث، وريتشارد دوغويد. وعرفاني إلى من لا يسعني المجال لذكرهم هنا إلا أنني أوجه إليهم شكري جميعاً- أهل كومبايتيس الذين رحبوا بنا، وإلى أطفالي، الذين شاركوني هذه المغامرة الإيطالية بكل شجاعة، ولسالي التي جعلت كل هذا ممكناً.
تشارلز نيكول
كورتي بريجانتي
أغسطس 2004

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - المقدمة: الحساء يبرد




 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل

المقدمة: الحساء يبرد

ثمة صفحة من ملاحظات ليوناردو دافنشي الهندسية في المكتبة البريطانية قسم المخطوطات، وهي واحدة من آخر القطع التي خطها بقلمه. وربما يعود تأريخها إلى سنة 1518 أي قبل سنة من وفاته. الورقة رمادية داكنة اللون، ولكن ما زال الحبر واضحاً عليها. وتحتوي بعض المخططات، وبجانبها نصٌ مخطوطٌ بعناية على نسقه المعتاد في الكتابة من اليمين إلى اليسار على الطريقة المرآتية. وما لم يصدف أنك أحد المعجبين بهندسة عصر النهضة فلن تجدها واحدة من أكثر مخطوطات ليوناردو إثارة للاهتمام، بيد أنّها ستلفت انتباهك من جديد: بها بعض الالتواء في آخرها. وتقاطع النص قبل ربع الورقة الأخير عبارة "إلى آخره".  ويبدو السطر الأخير كجزء من النظرية- فخط اليد اهتز بالكاد- ولكن ما تقوله فعلا هو "perche la 'minesstra si fredda. لقد توقف عن الكتابة " لأنَّ الحساء بدأ يبرد" 

هنالك قطع أخرى صغيرة من التفاصيل المنزلية في مخطوطات ليوناردو، ولكن كانت هذه أحبُّها إلى قلبي. وليس ما تتضمنه من أنَّ ليوناردو كان قد أكل حساءً فاتراً في يومٍ ما من عام 1518 هو ما يضفي عليها بالكاد أهميةً ما، كونها قطعة من السيرة الشخصية. وما يبدو أنّه السبب في أكتسابها صفة خاصة هو الفجائية، والعفوية التي اتسمت بها. وقد اقتحمت هذه اللحظة الإنسانية البسيطة اليومية التجريد البحت لدراساته الهندسية. فيرى المرء رجلاً عجوزاً جالساً على طاولة، يكتب بكل تركيز. وفي غرفة أخرى طبقاً من الحساء، يتصاعد منه البخار بكثافة. ربما هو حساء خضار، لأنّ ليوناردو كان نباتياً في المرحلة الأخيرة من حياته. وربما طبخته خادمته، ماثيورين، والتي سيورثّها في القريب العاجل " معطفاً من القماش الأسود مبطناً بالفرو" عرفاناً منه "بخدمتها الممتازة".  

 هل هي من ينادي على ليوناردو دا فنشي أنَّ حساءه سيبرد؟ إنه يستمر في الكتابة للحظات أخرى- ما يكفي من الوقت لكتابة عبارة " perche la 'minesstra si fredda " – ثم يضع قلمه جانباً. 

ثمة –أيضاً- إشارة إلى التشاؤم. وإلى حدٍ ما أستطيع الجزم بذلك، فإنّه لم يعد أبداً إلى هذه الملاحظات، وعليه فإنَّ هذه المقاطعة الصغيرة تبدو إرهاصاً بقرب مقاطعة أخرى أكثر حسماً. وربما ندعو هذه الصفحة التي لا تكاد تتميز عن غيرها من الصفحات: " آخر نظريات ليوناردو"- بيد أنّها مشروع آخر لم يكتمل. فالعمل التساؤلي والمعرفي العظيم الذي كرّس له حياته ينتهي بإلقاء هذه الطرفة، هذا العبارة ذات السطر الواحد والتي تتحدث عن أهمية وقت العشاء.  

وبالنسبة لكاتب السير، تمثل هذه اللمحات لما وراء المشاهد تحفيزاً كبيراً.

كان ليوناردو رجلاً استثنائياً، ولكن تقاطعت حياته بشكل دائم مع العادي، وربما يتمكن كاتب السير بمساعدة نقاط التقاطع تلك من التواصل معه وهو المبعوث من العالم العادي. 

فعليه أن يستوعب كل تلك الأنواع من التعقيدات والأسس واللوحات العالمية المشهورة، وكل تلك الأشياء التي تجعل ليوناردو هو ليوناردو بكل فرادته، ولكن هاهو - على الأقل للحظةٍ ما- شخص لا يختلف عن أيٍّ منا. 

 ومحاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات، "الرجل الكوني" الذي تم تقديمنا من خلاله في الغالب الأعمّ. إنّهما شخص واحد، وذاته، بالطبع، أما قصة حياته فهي مجرد طريقة أخرى للاقتراب من عظمته الهائلة، والفائقة الغموض كفنان، وعالم، وفيلسوف. بيد أنّني أعتقد بأهمية الابتعاد عن الفكرة القدسية للعبقري العالمي. ولقد شجعتني على ذلك بضعة كلمات لليوناردو نفسه. ففي واحدة من نبوءاته  التي يكتبها– والتي هي في الأساس ألغاز في صيغة نبوءات: " ستظهر شخصيات عملاقة في شكلٍ إنساني، ولكن كلما اقتربت منها ستتضاءل قاماتها العملاقة" .  حل اللغز هو " الظل الذي يلقي به شخص في الليل باستخدام مصباح". ولكني أود الاعتقاد بأنَّ الإجابة قد تكون أيضاً هي ليوناردو دافنشي، والذي أشق العتمة مقترباً منه، متوتراً على أمل أنَّ قامته العملاقة سوف ستتضاءل لتتناسب والأبعاد البشرية. 

سيكون إنشاء كتابٍ عن ليوناردو بدون استخدام كلمة "عبقري" مرة واحدة على الأقل؛ شيئاً جديراً بالاحتفاء بالكاتب الفرنسي جورجز بيريك، والذي تمكن من تأليف كتاب دون استخدام الحرف (e).  إنني لم أستبعدها بالكامل- فهي قد تكون ترجمة مفيدة للكلمة الإيطالية Ingegno، والتي استخدمت في عصر النهضة وفي أغلب الأحيان بمعنى يفوق  محض الموهبة  "الذكاء"- ولكنها كلمة قد يسهل الإفراط في استخدامها إلى درجة كبيرة، وربما وقفت حائلاً بيننا وإنسانية من ننعتهم بها. فهي لا تخلو من مبالغة في إظهار الإنجازات كالإعاجيب أو المعجزات، وهو أمر ليس بالمرفوض جملة في حقهم، ولكنه في الغالب غير ذي جدوى. ما فعله ليوناردو كان عجائبياً حقاً، ولكن المرء يريد أن يسأل عن الكيفية والسبب وراء قيام ليوناردو بتلك الأمور، دون طرح  فكرة "الإلهام" كإجابة نصف روحية وضبابية بعض الشيء. وقد أحبّ معجبو شكسبير الادعاء بأنّه لم يترك "بقعة حبر" واحدة في أي سطر، وهو الشيء الذي عارضه بن جونسون بشدة، " لأنه ربما ترك آلاف البقع" - وقد كان- بعبارة أخرى- شاعراً رائعاً ولكن ليس معصوماً؛ وتكمن عبقريته في مدى تمكنه من التغلب على عدم معصوميته. وأضاف جونسون، " أنا لا أحيي ذكراه، على هذا الجانب الوثني"، وهو الموقع الأفضل لكاتب السيّر للتمترس فيه.  وبالطبع كان ليوناردو عبقرياً، ولكن المفردة تميل إلى الوثنية، وهي مرتبطة على نحو ما بالفكرة الشائعة للعبقري: "رجل عصر النهضة". أنا لست الشخص الذي يجادل بأنَّ النهضة " لم تحدث أبداً": إنها مفردة تقديمية مفيدة لوصف التغيرات الثقافية التي حدثت في أوربا أثناء القرنين الرابع عشر والخامس عشر (أو بالإيطالية ال Quattrocento، والـ Cinqueccento). ولكن- مجدداً- هنالك عبارات مبتذلة يجب مراعاتها. فنحن نعتقد أنَّ عصر النهضة هو زمن التفاؤل الفكري العظيم: " فجر جديد" للعقل، زلزلة للخرافات، واتساع الآفاق ،  وبالنظر إلى الأمر من وجهة نظر أفضلية القرن التاسع عشر المنصرم، والذي عندما بدأت هذه الدراسة الأكثر تفوقاً هذه تأخذ شكلاً محدداً، كان هو كل هذه الأمور. ولكن كيف كان يبدو أثناء فترة حدوثها؟ كانت كل القناعات القديمة تنهار؛ إنّه وقت التحول السريع، للنزاع السياسي المادي، والازدهار والكساد الاقتصادي، وللتقارير الأجنبية من أركان العالم غير المعروفة حتى الآن. تجربة عصر النهضة- والتي لم تعرف بعد بتلك الكلمة، ولا تعتبر بعد "ميلاداً جديداً"- ربما من شأنها الإعاقة والتأخير بقدر مافيها من تفاؤل. والحماسة الواضحة لتلك الفترة محفوفة بالخطر. فقد تمت إعادة كتابة كل كتب القواعد. وإن كان كل شيء ممكناً، فلا شيء مؤكد: ويكتنف الأمر هنا نوعاً من الدوار الفلسفي.

ولم يكن ذلك الحس البطولي الطموح لرجل عصر النهضة  مزيفاً - في الحقيقة  إنَّ العنوان الفرعي لكتابي لهو احتفاء بالمدى الشاهق الذي وصل إليه فكر ليوناردو في سموه، وتلك الرحلات البعيدة للعقل التي مكنته من النظر إلى البعيد جداً وكثيراً، وهي التي أربطها أنا –نفسياً و مجازياً- بهوس عمره بالترحالٍ.  

ولكن حلم الطيران لا يكون بمنأى عن الخوف من السقوط، وحتى نفهم رجل عصر النهضة على نحو أفضل؛ لا بد من النظر إليه كشخص يتعامل مع الشكوك والأسئلة، دون استثناء الشك في النفس ومساءلتها. العبقري الكوني ورجل عصر النهضة مثل تلك الظلال "العملاقة" في لغز ليوناردو. إنها ليست وهماً خالصاً لكنها نتيجة لوجهة نظر معينة، وكلما اقتربت أكثر، تتضح رؤية الرجل الذي ألقى بهذه الظلال. 
ولتتبع قصة حياة ليوناردو يتحتم علينا الرجوع إلى المصادر الأكثر قرباً منه: المصادر الأولية- المعاصرة وقرب المعاصرة. والعنصر الرئيسي بين هذه العناصر جميعها هو مخطوطاته، وفي الحقيقة، أصبح هذا الكتاب جزءاً من دراسة ليوناردو الكاتب- وهو موضوع مهملٌ بدرجة مثيرة للفضول، باعتبار الحجم الهائل لما انتجه. أما بالنسبة للبعض الذي يتطلب قدراً أكبر من الفهم، لا يقصد بصفة "كاتب" المعنى الحرفي للكلمة. فهنالك ما يزيد على 7000 مخطوطة بيد ليوناردو والتي ما تزال موجودة، وآلاف غيرها ربما كانت موجودة على الأرجح، ولكنها الآن مفقودة. وهذا النوع الأخير قد يظهر بعضه يوماً ما- فقد تم اكتشاف مفكرتين كاملتين عن طريق المصادفة في مدريد عام 1967، وقد كان من المثير- ولكنه ليس من المؤكد- رؤية الأطروحات حول الضوء والظلّ، أو ما يعرف بالكتاب (و) أو Libro W  .  

ويتوفر المخطوط في ثلاث صيغ: مجموعات مجلدة، جمعت بعد وفاة ليوناردو، ودفاتر ملاحظات، والتي تحتفظ بحالتها الأصلية بشكل أكثر أو أقل منذ أن كانت بحوزته، وأوراق منفردة. وتعد مخطوطة أتلانتكس أكثر هذه المجموعات العظيمة المتنوعة شهرة، الموجودة بمكتبة امبروزيانا في ميلانو. وهي في حالتها الأصلية، وقد جمعها النحّات وعاشق الكتب بومبيو ليوني في أواخر القرن السادس عشر. بدت مخطوطة اتلانتكس مثل كتابٍ كبيرٍ مغلفٍ بالجلد يبلغ طوله حوالي قدمين. كما أنه يحتوي على 401 ملفاً. بعضها ليس سوى أوراق كاملة لمخطوطة ليوناردو، ولكن معظمها عبارة عن تنسيقٍ لقطع أصغر حجماً، قد تصل إلى أربعة أو خمسة عناصر في الورقة الواحدة، وفي بعض الأحيان تكون مثبتة بالصمغ على الورق، وفي بعض الأحيان ترص على النوافذ حتى تتسنى رؤية جانبي الورقة كليهما. لم يكن اسم الورقة يمت بأية صلة إلى المحيط الأطلنطي، ولكنّه يعود على الأرجح إلى حجمها الكبير- إنها في" حجم الأطلس". وقد اجترح بالداساري اولتروتشي، خبير المكتبات بامبروزيانا هذا الاسم، وهو من اضطلع بمهمة تصنيفها عام 1780 تحت عنوان ' codice in forma atlantica'. 

وفي الستينيات تم تفكيك وإعادة ترتيب هذه المجموعة الرائعة من الملصقات فأصبحت محتوياتها الآن اكثر ترتيباً وتناسقاً. 
بخلاف هذه المخطوطة يوجد كشكولان كبيران آخران وكلاهما في إنجلترا. أحدهما يضم مجموعة من الرسومات والمخطوطات وهو محفوظ في المكتبة الملكية في قلعة ويندسر. وهو الآخر من إرث بومبيو ليوني؛ وفي الحقيقة قام ليوني بقص بعض من الأجزاء الصغيرة في ويندسر، من أوراق كبير لتصبح الآن ضمن مخطوطة اتلانتكس. والتي اشتراها في وقت ما هاوي جمع التحف الشره تشارلز الأول، بيد أنّه لا يتوفر دليل على وجودها. وقد ظهرت في قصر كينغستون في منتصف القرن التاسع عشر: ووفقاً لقصة معاصرة: "لقد أودعت هذه التحفة صندوقاً كبيراً وحصيناً" أثناء الحرب المدنية، وظلت هناك " نسياً منسياً ودون حراسة لمائة وعشرون عاماً حتى اكتشفها لحسن الحظ السيد دالتون في قعر الصندوق ذاته في بداية الحكم الحالي لجلالته [جورج الثالث].  وضمن هذه المجموعة الرائعة من الرسومات والمخطوطات نجد ملفاً من الرسومات التشريحية المشهورة. وقد كانت المجموعة الكبيرة الأخرى هي مخطوطة أرونديل في المكتبة البريطانية، سلسلة من 283 وثيقة مكتوبة على مدى يقارب الأربعين عاماً، وهي تتضمن صفحة الملاحظات الهندسية المبتورة التي تمت مناقشتها أعلاه. اسم المخطوطة يعود إلى إيرل ارونديل الذي اشتراها في اسبانيا في ثلاثينيات القرن السابع عشر. وربما يجدر إضافة نوع آخر من الكشاكيل  لهذه المجموعات من مخطوطات ليوناردو الأصلية- المخطوطة المدنية في الفاتيكان- وهي تفسير لكتابات ليوناردو حول موضوع التلوين، جمعها سكرتيره والقائم على تنفيذ وصيته فعلياً فرانسسكو ميلزي. وقد نشرت نسخة مختصرة منها في باريس في عام 1651؛ وعرفت هذه الصيغة المختصرة بصورة عامة باسم (Trattato della pittura) أي أطروحة في التلوين. ويدرج ميلزي في نهاية المخطوطة المدنية ثمانية عشر كراسة-بين صغيرة وكبيرة- لليوناردو باعتبارها موادَ مرجعية: عشرُ منها مفقودة الآن. وثمّة كنز صغير آخر من أعمال ليوناردو المتسربة هو مخطوطة الهيوجين، وهي الآن في نيويورك، وتضم نسخاً من دراسات ليوناردو المفقودة للجسم الإنساني. 

والمجموعات كثيرة، ولكن روح ليوناردو لحاضرة بين ثنايا كراساته. وتقدر الناجية منها بحوالي خمسِ وعشرين كراسة منفردة – تعتمد الدقة في حساب هذا الرقم على طريقة حسابها، فقد جمعت بعض الكتيبات الصغيرة في مجلدات مركبة: على سبيل المثال مخطوطات فورستر الثلاثة (متحف فكتوريا وألبرت بلندن) خمستها مجلدٌ واحد. ويحظى معهد فرنسا بباريس بأكبر عدد منها؛ ولقد وصلت إلى فرنسا جملةٌ في تسعينيات القرن الثامن عشر. وقد صودرت غنيمة نابليون من مكتبة امبروزيانا. ومكتبات أخرى في ميلانو، وتورينو، ولندن، ومدريد وسياتل. وفقدت بعض الصفحات من هنا وهناك- كما اختلس الكونت غوغليمو ليبري والمشهور عنه خفة اليد- عدداً منها في منتصف القرن التاسع عشر- ولكن هذه الكراسات ظلت في جوهرها كما تركها ليوناردو. وما زال البعض محتفظاً بتغليفه الأصلي: وقد كان فناننا يفضل نوعاً من الأغلفة التي تحيط بالكتاب أو الأغلفة الجلدية المثبتة بمسامير خشبية تمر عبر أنشوطة (يشبه إلى حد غريب في تصميمه معطف الدوفيل). 

وتتفاوت الكرّاسات في حجمها من الحجم الثماني القياسي، الذي يشبه كثيراً ما يسمى بكراسات التمرين، وحتى كراسات الجيب التي لا يزيد حجمها عن علبة أوراق اللعب (الكوتشينة). والأخيرة، التي أطلق عليها فراسسكو ميلزي اسم ليبردجيني، تم استخدامها ككراسات للملاحظات والرسم معاً، ويظهر على بعضها علامات تشير إلى أنَها كانت ترافق ليوناردو في رحلاته. وقد ورد بحسب شهادة عيان في ميلانو "كتاب صغير كان يعلقه دائماً على منطقته".  وقد كان لديه واحد مثل هذا عن تشينا في 1502 وقام بوضع تعليقات سريعة على الرسومات، " هذه هي طريقة نقل الأعناب في تشينا."  . وقد تراه هنالك في الشارع مثل مراسلٍ صحافيٍّ مُنكبٍّ على التدوين في دفتر ملاحظاته. فهو يقول: على الرسام أن يكون دائماً على استعداد لوضع التخطيط الأولي لرسوماته (الاسكتش)" بقدر ما تسمح ظروفه": 

--------------------------------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقلتأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
(جميع الحقوق محفوظة)


ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - راقب الناس بانتباه





ليوناردو دافنشي: رحلات العقل

راقب الناس بانتباه في الشارع وفي الميدان، وفي الحقل. دوّن ملاحظاتك بإشارة موجزة إلى الأشكال، مثلاً ارمز إلى الرأس بالحرف اللاتيني O))، وللذراع بخط مستقيم أو مائل، وكذلك افعل بالنسبة للرجلين والجسم. وعندما تعود إلى المنزل اعمل على هذه الملاحظات إلى أن تحولها لرسم مكتمل.  

في بعض الأحيان يتطلب التدوين مُكْنَة الشعر المكثفة:
Onde del mare di Piombino
Tutta d'acqua sciumosa
Dell' acqua che risalta del sito
Dove chadano li gran pesi perchussori della acque
[أمواج البحر على بيومبينو،
 والماء زبدٌ
- كلُّ- الماء الذي يهدر 
من حيث تسقط كل أثقال
 المياه الشديدة الصادمة.] 
أو هذا التعليق الذي يشبه الهايكو ولكنه يكاد يكون مطموساً 
La luna densa
  Ogni densa e grave
Come sta la lu
Na
[القمر كثيف، وأي شيء كثيف ثقيل: فما طبيعة القمر؟] 

وتحتوي بعض الكراسات على بعض نوع أو آخر من الأطروحات ، أو على الأقل جمعٌ متأنٍّ للمعلومات حول موضوعٍ معين- مخطوطة باريس الجزء الثالث حول الضوء والظل، ومخطوطة ليشيستر حول الجيوفيزياء، ومخطوطة تورينو الصغرى حول رحلات الطيور الجوية،...، الخ. ولكن حتى هذه المخطوطات تحتوي على الكثير من المواد خارج الموضوع. والسمة الرئيسية لمخطوطات ليوناردو هي تعدديتها، وكثرة أنواعها: والاهتمامات المتباينة والمتدافعة في شيء من الاكتظاظ في الغالب الأعمّ. 
يستعصى في بعض الأحيان تأريخ الصفحات صعبةً؛ بسبب عادة ليوناردو الذهنية الدائمة، التحليق في دائرة مثل طائر جارح حول اهتماماته العديدة، يكرُّ راجعاً على بعض الأفكار والملاحظات ليعدّلها مرة أخرى بعد سنوات. إنّه على وعي بهذه الصعوبة، ويعتذر للقاريء النظري المستقبلي" لك العتبى، أيها القاريء، فنسبة لتعدد المواضيع، وعجز الذاكرة عن الإحاطة بها"، ويقول بعض المواضع: " لن أكتب هذا فقد فعلت من قبل.""  
والمخطوطات عبارة عن خارطة ذهنية لعقل ليوناردو. فهي تشتمل على كل شيء بدءاً من أنصاف الجمل المقتضبة، والحسابات المتعرجة، إلى الاطروحات العلمية المكتملة الإثبات، والتمارين الأدبية. واختصاص المواضيع يتفاوت في طبيعته من التشريح إلى علم الحيوان مروراً بالديناميكيا الهوائية، والعمارة، وعلم النبات، وتصميم الأزياء، والهندسة المدنية والعسكرية، دراسة الأحفوريات، والهيدروغرافيا (علم وصف المياه)، والرياضيات، والموسيقى، والبصريات، والفلسفة، وعلم الآلات، ورصد النجوم، وتصميم الموانيء، وزراعة الكروم. والدرس العظيم الذي تقدمه المخطوطات هو أنَّ لا شيء فوق التساؤل والشك، والتحقيق، والتمحيص، والمعالجة، وتحليله إلى عناصره الأولية. 
وقد كان يوكل إلى نفسه أعمالاً منها تختلف في درجة أهميتها وعظمتها:
صف كيف تتشكل السحب، وكيف تتلاشى، وماهي أسباب تصاعد البخار من مياه الأرض إلى الهواء، وأسباب تكوّن الضباب، وما يجعل الهواء يتكثف، ولِمَ يبدو أكثر أو أقل زرقة في مختلف الأوقات.
صف... ما هو العطس، وماهو التثاؤب، التوعك، والتشنج، والشلل، والارتعاش برداً، والتعرق، والرهق، والجوع، والنوم، والعطش، والشهوة....
صف لسان طائر نقار الخشب... 

وقد كان ليوناردو- كما عرّفه كينيث كلارك، " أكثر البشر فضولاً دون كلل أو مللٍ في التأريخ". وتوثّق الكراسات لسعيه الحثيث وراء اهتماماته. والتي تميل بشكل كبير تجاه فكرة عظيمة للمعرفة الكونية، ولكنّها تركز في وقت من الأوقات أو إحدى الصفحات على ملاحظات، وتجارب، وأسئلة، وحلول محددة ودقيقة.  إنّه تجريبي المذهب بامتياز، وينصّب نفسه بكل فخر(ليوناردو دافنشي المتعلم من التجربة).  بل قد عبرت عادته في حب الاستطلاع عن نفسها في شيء قليل من حدة الطبع، وهو موجود في عشرات الصفحات في مخطوطاته: عندما أراد أن يجرب سنّة قلم جديدة، فهو يعبث كالمعتاد خاطّاً العبارة "dimmi" أي "أخبرني"، إنها صوت فضول ليوناردو، يبحث عن قطعة جديدة من البيانات. أخبرني ماذا، أخبرني كيف، أخبرني لماذا- وهناك بلا شك الكثيرين في فلورنسا وميلانو وغيرها ممن سمعوا ترددات ديمي الليوناردية المفعمة بالتحديّ. 

ورقة مشكّلة نموذجية من حوالي 1490
وفي أطروحات التلوين يكتب ليوناردو أنَّ التلوين يجب أن يعبّر عن "الأحداث الذهنية"- accidenti mentali  من خلال الحركات الجسدية لما به من أشكال.  وتحضرني هذه العبارة عندما أقرأ كراساته، والتي كانت بالفعل مملوءة بـ"الأحداث الذهنية"، كبيرة وصغيرة، ومشروحة بدقة، تتخللها بروعة تشكيلة ثرية من النكات العابرة، والملح، والمقتطفات الشعرية، ومسوّدات الخطابات، والحكايات العائلية، والوصفات، وقوائم المشتريات، وقوائم المهملات، والإفادات البنكية، وأسماء وعناوين العارضين، وما شابه ذلك، والذي يوجد هو الآخر هناك. 
وفي سِيَر ليوناردو الأولى أحد المصادر الرئيسية الأخرى للمواد الأولية. وأشهر شهادة حوله في كتاب جورجيو فازاري بعنوان حياة أكثر الرسامين والنحاتين والمهندسين القدماء، والمعروف باسمه الشائع حياة الفنانين. هذا الكتاب الشهير- والمطبوع للمرة الأولى في فلورنسا في 1550- أساسي لأي سيرة لفنانيّ إيطاليا القدامى وبشكل عام يبرر استحسان من مايكل أنجلو المسن له:

لقد أحييت ذكريات ماتت
وبرغم طول الزمن وقانون الطبيعة 
تحظون أنت وهم بالشهرة الأبدية  

(في الحقيقة أنَّ فازاري كان يُجِلُّ مايكل انجلو وقد يكون هذا هو السبب وراء تخصيص أطول سيرة في كتاب حياة الفنانين لسرد قصة حياته، ما يقارب 40000 كلمة، مقابل 5000 كلمة فقط عن ليوناردو.)

وعلى الرغم من مركز فازاري كمصدر للسير، والسحر الذي تميز به أسلوبه، فيجب علينا الإقرار بأوجه قصوره ككاتب للسيرة: فهو متعجرف بخصوص التواريخ جزئياً أو موضوعياً في أحكامه، ومتحيز لأنصار الفلورنسية ( كان متأثراً بآل مديشي). وربما كانت أسوأ هناته هي ضعف أسلوبه السردي. وربما يصحّ هنا القول بأنَّ عبقرية ليوناردو الفذة دفعت بمعلمه أندريه ديل فيروكيو إلى اعتزال التلوين والاقتصار على النحت، ولكن لا يمكن التأكد من هذا الأمر؛ وذلك لأنَّ حيوات فازاري الأخرى تظهر مجاز التلميذ الذي يبالغ في تعظيم أستاذه. وهذا أسلوب بلاغي قديم يحبّه فازاري، ويتوقع أن يحبّه قراؤه أيضاً، وهو غير ذي قيمة حقيقية كدليل تأريخي. ولكن، بالنسبة لكل هذا الجدل، فإنّ فازاري يظل بلا قيمة: فهو راصدٌ لمّاح ومطّلع للغاية، وناقد حساس، وعلى الرغم من أنّه لا يعرف ليوناردو بصورة مباشرة- كان في الحادية عشرة من عمره عندما مات ليوناردو، ولم يخرج من محافظته ومسقط رأسه أريزو- وهو بلا شك يعرف أشخاصاً يملكون معرفة كهذه. لقد كان يجمع المعلومات بنشاط حول شخصيات في أواخر أربعينيات القرن السادس عشر. 

وفازاري هو المصدر الشهير، ولكنه ليس الوحيد، أو حتى الأقدم، من كتّاب سير ليوناردو القدماء، وقد يكون من المفيد أن نقول شيئاً ما عن المصادر الأخرى- الأقل شهرة- والذين سأستخدمهم. لقد كان أقدم تخطيط سردي موجز للسيرة مكتوباً في الزيبالدوني، أو الكتاب العام، للتاجر الفلورنسي، أنتونيو بيلي في بدايات عشرينيات القرن السادس عشر- هكذا بعد فترة قصيرة من موت ليوناردو. وقد اختفى الأصل، ولكن النص محفوظ في اثنتين من نسخ القرن السادس عشر.  ولم يعرف عن بيلي أي شيء في الغالب، ولكن أغلب الظن أنه تحصل على المذكرات المفقودة لرسام فلورنسا دومينيكو غيرلاندايو. وقد تم استخدام أوراق بيلي لاحقاً، كما قام فلورنسي آخر بتكبيرها، والذي جمع شهادات ثرّة من عدد من الفنانين من سيمابوي إلى مايكل آنجلو. وكان هذا الكاتب غير المعروف مشهور بالجاديّ المجهول، نسبة لأنَّ عمله موجود في مخطوطة تملكها عائلة جاديّ.  وبحسب دليل وثيق الصلة فإنه قد تم جمع مخطوطة من 128 ورقة حوالي عام 1540. وقد كانت هذه هي المصادر المستقلة التي سبقت فازاري (بيد أنّها كانت معروفة له) وأنَّ المجهول على وجه التحديد لديه بعض المواد المذهلة. وقد قام بتضمين بعض الحكايات التي رفده بها فنان فلورنسي يسميه هو إل جافينا، والذي كان له معرفة مباشرة بليوناردو.  

وقد كان يتركز في ميلانو أيضاً اهتمام معاصر بليوناردو، حيث عاش وعمل لعدة سنوات (لسنوات أكثر في الحقيقة من تلك التي عاشها أو عمل خلالها في فلورنسا)، وهنالك مواد بيوغرافية مهمة في مخطوطة لاتينية كتبها المؤرخ الطبيب صانع الشعارات اللومباردي باولو جيوفيو، أسقف نوسيرا، entitled dialogi de viris et foeminis aetate nostra florentibus(حوار يخص مشاهير عصرنا من الرجال والنساء)  وقد تمت كتابته على جزيرة إيشيا في أواخر عشرينيات القرن السادس عشر. وقد كان جوفيو – على الأرجح- يعرف ليوناردو شخصياً. فربما تقابلا في ميلانو، حيث كان جوفيو يمارس الطب منذ حوالي 1508، أو في روما بعد سنوات قلائل، عندما كان يقدم محاضرات في الفلسفة  في المدرسة الأولى ببولونيا. وقد عرفت كتاباته عن ليوناردو لدى فازاري الذائع الصيت- وفي الحقيقة كان جوفيو هو أول من زرع بذرة حيوات فازاري، أثناء مناقشة ساخنة حول أدب السيرة الجديد، في حفل عشاء في مقر الحبر الكاثوليكي فارنيز في روما. 

وقد كان الفنان جيوفاني باولو لوماتسو مصدراً ميلانياً آخر، وقد كان فناناً واعداً جداً حتى أصيب بالعمى في حادثة عام 1571، وهو في الثالثة والثلاثين من العمر. وقد كرس فيما بعد،  بعضَ طاقاته الكبيرة، والفوضوية نوعاً ما في الكتابة، وأنتج سلسلة من الكتب، كان أهمها كتابه Trattato dell'arte della pittura (أطروحات في فن التلوين) والذي نُشر في عام 1584.  وهو معلِّق ممتاز، لأنه كان مكرساً بالكامل لكل ما يتعلق بليوناردو: فتخصص فيه. كما أنّه كان يعرف فرانسسكو مليزي، منفذ وصية ليوناردو، وقام بدراسة المخطوطات التي كان لميلزي حق التصرف فيها بمفرده، وسجل بعضاً منها- مفقود الآن. وقد كان لوماتسو في بعض الأحيان مثيراً للمتاعب في ما يخص الأعمال- فقد كانت لديه أفكار ومعلومات تناهض تقاليد دراسات ليوناردو (مثل دعواه الاعتباطية بأنَّ الموناليزا والجيوكندا لوحتان منفصلتان). لقد كان أيضاً هو أول من أكد على الملأ قليلاً أو كثيراً بأنَّ ليوناردو كان مِثلياً.   

وهنالك أيضاً اللوحات، التي تعتبر هي الأخرى وثائق على نحو أو آخر. فلوحة النهضة ليست تعبيراً شخصياً مثل الرسم العصري، ولكنها قد تظل تطلعنا على أمور حول الرجل الذي رسمها، وحول الظروف التي كان يعمل فيها. فهي تحمل رسالة ثنائية الأبعاد على مستوى اللوحة (مع التحذير المعتاد من تفسير الأعمال الفنية بيوغرافيا)، وفي البعد الثالث الغامض لسطح اللون، وبطبقاته ذات السمك الميكروني للصبغات المعلقة (1 ميكرون= 0100مم) والتي تحكي قصة إنشاء اللوحة تماماً مثل تراصفات صخرة تحكي قصة جيولوجية. وفي بعض الأحيان يتم تسجيل لمسة يد ليوناردو على سطح اللوحة- تنعِّم أو تلطِّخ- وبصمة الإبهام من وقت لآخر. ووفقاً لعلماء متفائلين بعينهم، فإنَّ اللوحات قد تحمل رسالة فعلية من الحمض النووي لليوناردو، والموجود مجهرياً بآثار الدم واللعاب، ولكن في وقت كتابة هذه السطور تظل هذه الآثار حصراً في مملكة الخيال العلمي. 
ومن الواضح جداً أنَّ الرسومات واللوحات الوثائقية هي تلك التي تصوّره هو فعلياً. وإن سعى أي شخص لتصوّر وجه ليوناردو دافنشي فمن الواضح أنْ تقفز إلى ذهنه تلك الصورة الذاتية الشهيرة للشيخ الملتحي والمحفوظة في مكتبة ريالي في تورينو.  وهذا الرسم مثير للجدل: فذلك النقش الباهت جداً أسفله، والمكتوب بيد معاصرة، تصعب قراءته لحد مزعج. وهنالك مزاعم تنفي كونها بورتريه شخصي على الاطلاق. وأعتقد أنها كذلك، ولكني أعتقد أيضاً أنّها أتخمت حسّنا البصري بليوناردو. إنّها ضرورية لتذكر المرء بأنَّ ليوناردو لم يكن دائماً شخصية كهنوتية بلحية طويلة بيضاء، ليس أكثر من شكسبير الذي كان دائماً رجلاً أصلع ذا لحية صغيرة مستدقة مثل لحية الماعز مصوّراً في منحوتة بيد مارتن دروشاوت. هذه الصور تأخذ طريقها إلى اللاوعي الجمعي، وتتحول إلى نوع من الرموز. إنها نقطة نقاش حول ما إن كان ليوناردو ملتحياً من الأساس قبل أواخر الخمسين: إنه حليق في اللوحة الشخصية لعام 1481 في تبجيل المجوس (الصفحة الأولى)، وفي اللوحة الشخصية المحتملة في منزل بانيغارولا الجديد في ميلانو في منتصف تسعينيات القرن الخامس عشر (انظر صفحة 312). 
وقد ابتدع للجاديّ المجهول (Anonimo Gaddiano) له وصفاً لفظياً رائعاً:" لقد كان جذاباً للغاية، ومتناسق الأعضاء، ورشيقاً وجميل المظهر. وقد ارتدى سترة قصيرة وردية-قرنفلية تصل إلى الركبتين في الوقت الذي كان معظم الناس يرتدون قمصاناً طويلة. ولقد كان له شعر مجعد جميل، مصفف بعناية، ينسدل حتى منتصف صدره." وهنالك فروق دقيقة في الأزياء وعلم الاجتماع والتي كان يجب التقاطها، ولكن الصورة الأساسية هي لشخص ذي مظهر أنيق، ومهندم قليلاً. هذا هو واحد من ذكريات الرسام الغامض الذي يدعى إل جافينا؛ وقد قدم هو المواد الأخرى التي قد تعود في تأريخها إلى حوالي 1504أو1505، عندما كان ليورناردو في مطلع العقد السادس من عمره. ومرة أخرى، ملاحظة واحدة، لا يرد فيها ذكر اللحية. لقد كان البورتريه الأقدم له على وجه التحديد بلحية هو الرسم الشخصي الجميل بطباشير أحمر في ويندسر (اللوحة رقم 15). هذا في الغالب هو عمل فرانسسكو ميلزي تحديداً، ربما مع بعض اللمسات الإضافية بريشة الأستاذ.   ويمكن أن تعود في تأريخها إلى 1510-1512، وعليه يظهر فيها ليوناردو مقترباً من أو يبلغ الستين من عمره. وقد أصبحت هذه الصورة الشخصية نموذجاً لتصوير ليوناردو بعد وفاته: وقد تأثرت بها لوحات كثيرة في القرن السادس عشر بما في ذلك المنحوتة الخشبية التي تبين سيرة فازاري عنه في نسخة 1568 من الحيوات. 

لوحة تورينو الشخصية
وهنالك صور غيرها وصور شخصية تغري بدراستها، والتي تضم  ما أعتقد- حتى الآن- أنه صورة شخصية غير معروفة له بريشة واحد من أشدّ تلاميذه الصغار ذكاءً في ميلانو. أما بورتريه تورينو فهو آخر لمحاتنا له: أصيل وعميق. إنه يظهره بشكل قريب جداً مما كان يبدو عليه في ذلك اليوم في عام 1518 عندما تم استدعاؤه بعيداً من دراساته لأنَّ الحساء كان سيبرد. فالصورة مراوغة للغاية، كما كان ليوناردو على الدوام. وترى شخصية ليوناردو العبقري، وشكله الوقور الشبيه بالمجوس، ولكنك عندها ترجع البصر كرة أخرى وترى رجلاً عجوزاً يحدق في ذكريات الماضي السحيق. 

----------------------------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقلتأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
(جميع الحقوق محفوظة)

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - الجزء الأول - الطفولة 1452-1466





 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل

الجزء الأول
الطفولة 1452-1466
الأشياء التي حدثت قبل سنوات طويلة عادةً ما تبدو قريبة وكأنّها قد حدثت للتو، وكثير من الأشياء التي حدثت قريباً تبدو قديمةً كما لو أنّها تجاوزت أيام الصبا.
مخطوطة اتلانتكس، الصفحة 29، الجزء الأول. 
1-الميلاد
لم تكن البيئة المحيطة مختلفة جداً قبل خمسمائة عام. لربما جالت عين المرء عندما يقف على سفح التلّة المشرفة على بلدة فينشي التوسكانية الصغيرة كما تفعل الآن فوق منظر طبيعي شكّلته قرون من الزراعة- حقول القصب على طول ضفة النهر، وحقول الكرم الضيقة، والمنازل التي تحيط بها أشجار الظل، وفوقها بساتين الزيتون، بلمعانها الفريد من نوعه عندما يمسها الهواء العليل، متسلقةً إلى السطوح تجاه ذلك الخط الملتوي من الأشجار حيث تبدأ مرتفعات جبل البانو. وقد تغطت المنحدرات في أعلاه بستار كثيف من الغابات: أشجار الصنوبر البري، والغار، والصنوبر التركي، والكستناء الحلو. يصنع المزارعون طحين الكستناء، كما يفعل بعضهم اليوم، شجرة الكستناء كانت تدعى (albero di pane)، أي شجرة الخبز.
وربما كان المشهد أقل بهاءً على الأرجح في ذلك الوقت. فقد اختلفت نسبة الأرض المزروعة إلى الأخرى المقفرة، وكذلك كان نمط ملكية الأرض مختلف جداً. ولكن الصورة كانت في الأساس واحدة: إنّها عملية الترقيع التي يراها المرء اليوم. وفي خِضّم ذلك كله، وعلى سرج ربوة تبدو استراتيجية ومحمية في آن. وقفت فينشي ذاتها، بعنقود مبانيها الحجرية حول البرجين التوأمين للقلعة، والكنيسة. على الصعيد السياسي كانت تمثل القاعدة الأمامية للجمهورية الفلورنسية- وقد كانت ملكاً لفلورنسا منذ 1254، ولفترة تزيد على العقدين من الزمان قبل ذلك كانت ملكاً لكونتات عائلة جيدي، والذي بنى القلعة المعروفة. كانت فلورنسا على بعد مسيرة يوم عن طريق إمبولي ومونتيلوبو. كانت تأتي إلى نافذتك في صورة تلك البلدة الريفية، الزراعية، القروية الهادئة. 

منظر لقرية فينشي
هنا ولد ليوناردو دي  سير بيرو دا فنشي، في إحدى أمسيات الربيع عام 1452. ويظل المكان بالضبط سواءً أكان ذلك في البلدة أو الريف المتاخم لها غير واضح. كان آل دافنشي عائلة من السكان المحليين مُحترمة، وترتبط مهنياً بفلورنسا، وقد كان لها منزل معيّن في البلدة. ورد وصفه في الكاستاتو أو شهادة تسجيل الأرض لعام 1451 أنّه: " una casa posta nel borgo di vinci" ، وقد كان يقع، بعبارة أخرى، في ذلك الجزء من البلدة الواقع خارج أسوار القلعة مباشرة:  أولى ضواحي فينشي في القرون الوسطى. ويرجّح أنّه كان يقع في الجزء العالي من الشارع المنحدر الآن والمسمى طريق روما. وبه حديقة صغيرة تبلغ حوالي ثلاث بواشل في مساحتها. وقد كان الحداد غوستو دي بيترو من ضمن الجيران المباشرين للعائلة، وكاهن الأبرشية بيرو دي بارتولوميو سيشي. ومن الجائز-دائماً - أن يكون ليوناردو قد ولد في هذا البيت، ولكن هنالك مزيج من الافتراضات والروايات التي تنفي هذا الأمر بشدة. فهنالك افتراض بأنّ ولادة طفل غير شرعي، مثلما كان ليوناردو، كانت لتتم بدرجة كبيرة من التكتم في واحد من أملاك العائلة بالريف. كما تزعم الروايات بأنّه ولد في منزل حجري والذي ما زال بالإمكان مشاهدته في انشيانو، وهي قرية صغيرة في التلال على بعد ميلين شمالي البلدة. 


المنزل الموجود في انشيانو في صورة تعود إلى عام 1900
أما عمر هذه الروايات فليس معروفاً: وأكثر ما يمكن قوله إنّها كانت متداولة بحلول منتصف القرن التاسع عشر. وقد ذُكرت طباعةً للمرة الأولى بقلم إمانويل ريبيتي عام 1845. وقد أشار إلى منزل في انشيانو باعتباره مكان ولادة ليوناردو المزعوم. وهو يؤكد  تواضعه ونموذجيته: a casa colonica، أو منزل فلاح أجير من النوع الشائع في جميع المناطق التوسكانية.  وفي وقت لاحق من القرن التاسع عشر صادق غوستاف يوزيللي الباحث العظيم المتخصص في دراسات ليوناردو على هذا التحديد، بيد أنّه علَّق قائلاً بعدم وجود "تأكيد قاطع" لهذا الأمر. 

والبيت عبارة عن مسكن من طابق واحد، مبني من الحجر الأصفر-الرمادي. يتكون المبنى الرئيسي من ثلاث غرف بأرضية من الطين، ومجموعة من جذوع الكستناء، ومدفأة من الحجر الكبير. وهنالك مبنى صغير يقع على زاوية قائمة مع هذا المبنى، بفرن للخبز في نهايته. هذان المبنيان يتفقان مع وصف المنزل في المستندات القديمة عبارتي:  a casa di signore أي بيت السيد وهو للملّاك  لاستخدامه وقتما أرادوا  a casa di lavoratori، أي بيت العاملين، وهم المستأجرين الذي عملوا  في الأرض ودفعوا أجرتهم من محاصيلها زيتاً أو حبوباً أو نبيذاً، أو فاكهة، أو جبناً أو عسلاً أو خشباً وما إلى ذلك. والهيكل المعماري الذي يتخذ شكل الحرف اللاتيني L يشكّل جانبين من الفناء مفتوحين على الجانبين  الآخرين باتجاه الوادي، بيد أنَّ الزراعة البلدية قد أفسدت المنطقة إلى حدٍ كبير الآن. ويبدو أنَّ الجزء الخارجي من المنزل قد أعيد ترميمه بشكل عام، وربما يعرف المرء الكثير من الصورة الباهتة القديمة التي يعود تأريخها إلى حوالي عام 1900، والتي تبين المكان وحالته المبتذلة والتخريب الذي لحق به، بنافذة صغيرة محفورة عبر الواجهة، ومجموعة من النساء بتنوراتهن الطويلة يقفن حول كومة من الأعناب المقطوفة. 

وقد كانت هنالك مجموعة كبيرة من الأبحاث الأرشيفية حول المنزل والتي يعود توثيقها إلى بدايات القرن الخامس عشر ومنذ أيام ريبيتي وأوزيللي. وللرواية التي تربطه بليوناردو أساس تأريخي، ماعدا الخطوة الأخيرة والتي تضفي على تحديد مكان ولادته شيئاً من اليقين. فالمنزل يعود بلا شك إلى آل دافنشي- وقد حفرت شارة العائلة على الواجهة- ولكن الحقيقة المُرَّة للأمر أنه لم يكن ضمن ملكيتهم في عام 1452، عند ولادة ليوناردو، فقد تم شراؤه من قبل والد ليوناردو، سير بيرو دافنشي، بعد نيف وثلاثين عاماً، وقد ظل في عهدة العائلة حتى عام 1642، عندما بيع إلى دير فلورنسي من قبل حفيدٍ لأخ ليوناردو غير الشقيق غوغليلمو. وفي وقت ولادة ليوناردو كان المنزل من ملكية كاتب العدل سير توم دي ماركو، وكان يوصف كمعصرة الزيوت أو طاحونة الزيتون. (بحسب أوزيللي، الكاتب في أواخر القرن التاسع عشر، كان هنالك حجر رحىً قديم  ما يزال في مكانه قرب المنزل.) وقد كانت هنالك بعض الصلات الواهية بين كاتب العدل سير توم وآل دا فينشي: فهناك صلة مهنية عامة- فقد كان آل دافنشي عائلة من كتّاب العدل- كما أنَّ هنالك علاقة خاصة ومضنية، لأنّه وفي 18 اكتوبر 1449 كتب للسير توم عقداً مرسوماً بتحويل جزء من أسهمه في الملكية إلى اثنين آخرين، وكان الرجل الذي كتب العقد ووقَّعه كشاهد هو أنطونيو دا فينشي، جد ليوناردو. بعض الملاحظات المتعلقة بالعقد تبين أنَّ أنطونيو كان في أنشيانو وقتئذٍ، وفي منزل معروف لأحد المزراعين، عندما تم استدعاؤه ليحرر العقد "Si giocava a tavola"" : كان يلعب الطاولة عندما حدثت هذه المقاطعة.  وهذا أمر ليس بالسهل بالنسبة لممارسة انطونيو دا فنشي لهواياته: ولكن هذه الصلة العابرة بالمنزل لا يمكن أن تُعدَّ دليلاً على أنَّ حفيده قد ولد هناك. إنّه نوع المنازل الريفية الذي قد يكون لدافينشي تحديداً. إنه يعبر عن تصور مهم لنشأة ليوناردو- أنّها كانت ريفية، وقريبة من الأرض، معتدلة بيد أنّها ليست بأي حال من الأحوال متواضعة، كما أنّه يستجيب أيضاً لرغبتنا في شيء ملموس: لنمنح حقيقة مولده سكناً ريفياً.  
على الرغم من أنّ المكان يظل غير مؤكد، فإنَّ التأريخ بل وساعة الميلاد أيضاً محدَّدان. فقد وثّق الجد الجد أنطونيو بنفسه حدث الميلاد.  بعد حوالي ثمانين سنة، وعلى ظهر صفحة دفتر قديم، كان في وقت ما لجده، دوَّنَ عليها بالفعل تأريخ الميلاد والعماد لأطفاله الأربعة. وقد كان ثمة فسحة صغيرة في عقب الورقة ليسجل فيها هذا الوصول الجديد، هذا الجيل الجديد- )1452. ولد لي حفيد، ابن سير بيرو ولدي، في اليوم الخامس عشر من أبريل، يوم السبت، في الساعة الثالثة من الليل. وهو يحمل اسم ليوناردو."  كانت الساعة تحسب من وقت الغروب (أو بشكل أكثر دقة من رنين أجراس كنيسة آفي ماريا بعد صلاة المساء). الساعة الثالثة من الليل كانت حوالي العاشرة والنصف مساء.  

ويواصل أنطونيو حديثه: " تم تعميد الطفل على يد كاهن الأبرشية، بيرو دي بارتولميو: جار الأسرة في البلدة. هذا الشيء يعني على الأرجح أنَّ المعمودية تمت في فينشي، في كنيسة أبرشية الصليب المقدس.  وقد ظل جرن المعمودية المصنوع من الحجر الخام موجوداً هناك دائماً ومنذ عهد ليوناردو. كان العرف يقضي بتعميد الطفل في اليوم التالي لولادته، وفي هذه الحالة الأحد 16 أبريل، في عام 1452، كان الأحد الأول بعد القيامة، أحد النزول. وربما تم تدوين المعمودية في سجل عماد بلدة فينشي، ولكن أقدم هذه السجلات يعود في تأريخه إلى خمسينيات القرن السادس عشر.  وقد حضر طقس المعمودية ما لا يقل عن عشرة من الآباء الروحيين: وهو رقم سخي جداً (مقارنة بستة أشخاص شهدوا على والد ليوناردو بيرو، ومتوسط اثنين إلى أربعة في مناسبات التعميد في القرن السادس عشر.) وقد كان ضمن عرّابي ليوناردو اثنان من جيرانه القريبين في بلدة فينشي: بابينو دي ناني بانتي، وماريا، ابنة ناني دي فينزو. وكذلك حضر اريغو دي جيوفاني تيديسكو، وكيل الأعمال الألماني المولد من عائلة ريدولفي النافذة، والذي يملك أراضٍ حول بلدة فينشي، و مونا ليزا دي دومينيكو دي بريتوني تحديداً، والتي تذكرنا بأنَّ الاسم اللصيق بأشهر لوحات ليوناردو كان اسماً شائعاً. (Monna  أو Mona تعني ببساطة عقيلة، أو حرم، وهي نقيض السيدة، أوسيدتي ولكنها أقل ارستقراطية من المقابل الإنجليزي للكلمة (Mistress, Mrs)) إن كان مولد ليوناردو حدثاً متكتماً عليه بالفعل- كما يشير أنصار فرضية أنشيانو- فإنَّ المعمودية كما يبدو كانت مناسبة حاشدة وحافلة، وعلى الأرجح تمت بصورة احتفالية على نحو ما، وكثير من نبيذ الزنجفر الممتاز من كرم دا فينشي. على الرغم من كونه ابناً غير شرعي، فقد تم الترحيب بمقدم ليوناردو إلى العالم وعائلته. حيث لا يشير ما قاله أنطونيو، أو الطقس الذي سجله إلى خلاف ذلك.
  
التدوين الكريم لميلاد وعماد ليوناردو كُشف عنه في السجلات الفلورنسية في ثلاثينيات القرن العشرين على يد باحث ألماني، هو الدكتور إيميل مولر. (الحقيقة أنَّ خطاب مولر الذي يعلن فيه اكتشاف تذييلٍ يقول: "Viva il Fuhrer! Viva il Duce!" (عاش الزعيم، عاش موسليني) قد لا يحببه إلينا، ولكنّه قد لا يغير من قيمة اكتشافه.) ليوناردو مراوغ، ويبدو أنَّ مراوغته تمتد إلى السجلات التأريخية في كثير من الأحيان: المستندات التي تدل على الغموض، الحقائق التي تتحول إلى ألغاز. ويمتن المرء لهذه الشهادة المستندة على الحقائق، والمكتوبة بيد جده الثمانيني الثابتة والواضحة، وبالنسبة لنا جميعاً فهي تضع ميلاد ليوناردو في مشهد الربيع المحسوس على الدوام في فينشي. أشجار التين ترفل في نوْرها، وتعبق الأسطح بشذى الزهور المخملية البرية، وتحت الظلال تتفتح باكورة زهور الزيتون: زهور صغيرة صفراء تبشّر باقتراب الحصاد. 

-----------------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقلتأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
(جميع الحقوق محفوظة)

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 4 - أولى ذكرياتي..





ليوناردو دافنشي: رحلات العقل

4- "أولى ذكرياتي.."

لم تكن أولى ذكريات ليوناردو زعماً عن أمّه أو أبيه، أو أي شخص آخر. إنّها كانت لطائر. وبعد عقود عدة، في أوائل الخمسينيات من عمره، كان يكتب بعض الملاحظات حول تحليق الطيور- موضوعه الدائم الشهير، وبشكل خاص أنماط تحليق طائر الحدأة الحمراء متشعب الذيل (الاسم العلمي Milvus vulgaris)، وعندما هيّج شيءٌ ما ذكراه، كتب في أعلى الورقة الملاحظة المقتضبة التالية: 

يبدو أن الكتابة بهذا التفصيل حول الحدأ هي قدري،  فبما أنّ تلك كانت أول ذكريات طفولتي، يخال لي أنني عندما كنت في مهدي، أنّه جاءت إليَّ حدأة، وفتحت فمي بذيلها، وضربتني به باطن شفتيّ عدة مرات  .

لقد كان هنالك نقاش طويل حول ما إذا كانت هذه المقالة الوجيزة هي من ذكرياته حقاً، أو استحضار ذكرى كما يسميها ليوناردو [ricordazione]، أم كانت مجرد تهيؤات. وإن كان قد خيّل إليه ذلك، فهنالك المزيد من النقاش بعد- على الأقل في الجناح النفسي لدراسة ليوناردو- في ما يتعلق بذلك الجانب من حياته الذي يُعنى بهذه المسألة. 

هل هي حقاً من طفولته: حلم قديم، أو كابوس ينبض بالحيوية، للحد الذي يجعله يبدو الآن كذكرى حقيقية؟ أم هي خيال شخص كبير والذي تم "إسقاطه" في الماضي على فترة الطفولة، ولكن ماهو الشيء الذي يربطه أكثر إلى كاتب الملاحظة- ليوناردو في منتصف عمره من عام 1505 ميلادي،  منه إلى الطفل الذي ما زال في مهده؟ 

لقد كان مشهد طيور الحدأة شائعاً عند صعود جبل البانو المشرف على بلدة فينشي. وقد ترى إحداها في يومنا هذا إن كنت محظوظاً. فالعين لا تخطئها بذيلها المتشعب وجناحها المفرود الواسع المحدّب الذي يضفي عليها شيئاً من الأناقة، والألوان الزعفرانية التي يلمع بين طياتها ضوء السماء في ريشها عند أطراف الأجنحة والذيل. وقد استوحت الطائرة الورقية التي صنعها الإنسان الإنجليزي من تقليد طيرانها وحركتها(الحدأة Kite)، بينما في إيطاليا يدعونها نسراً [aquilone]. والحدأة من بين جميع الجوارح هي الأكثر تكيفاً مع المجتمع البشري: فمنها الزبّالة والرفقاء في رحلات الصيد. وقد شهد شكسبير على وجودها في لندن في عهد الملكة اليزابيث، ويمكن رؤيتها الآن في القرى والمدن الصغيرة في جميع أرجاء العالم الثالث. وقد عرفت في أوساط القوات البريطانية في الهند بالصقور الزبّالة (Shite-Hawks). ووفقاً لصياد الصقور البريطاني جيميماه باري-جونز، فإنّ الحدأ " تستغل إمكانية الالتقاط متى ما سنحت الفرصة" وكذلك معروف عنها عادتها في الانقضاض من علٍ وسرقة الطعام من الأطباق"  إذن التعليق الأخير هذا يبين إمكانية أن تكون هنالك تجربة حقيقية وراء هذه الذكرى من طفولة ليوناردو. لقد "انقضّت" أو هبطت حدأة جائعة تبحث عن لقمة تقتات بها، فروّعت الصغير في مهده.  بيد أنَّ- الشيء الغريب واللافت في القصة- الطائر أقحم ذيله في فمه، وضربه أو نقر على شفاهه به (بحسب التهجئة العتيقة لليوناردو [percuotesse]: الفكرة الأساسية هي للطرق [percussion]- واحتمال حدوثها أقل، ولذلك فهي عنصر خيالي، وإسهاب في سرد الذكرى مصدره العقل الباطن. وتشجع الكلمات التي استخدمها ليوناردو بنفسه على فكرة وجود العنصر الخيالي. بيد أنّه سمى الحادثة ذكرى، إذ أنّ لها سمة مبهمة، وهي التي تعكس الحيرة التي تعتري المرء حيال الذكريات الأولى والمدى الذي تتشكل عنده أكثر من التذكّر الواقعي. وذكراه الأقدم كانت قد "بدا" له أنَّ حدأة هبطت. هنالك تجريب. فهو يستعيد إحاطته بشيء ما قوي في ذهنه ولكنّ ليس على درجة كافية من الوضوح في عقله.  فهو يعتقد أنّها حدثت، ولكن ربما لم تحدث. لقد استخدم الكلمة "يبدو" بالفعل في أول الجملة: " لأنّ قدري على ما يبدو" أن أدرس الحدأ. فالمفردة "قدر" هي الأخرى مثيرة للاهتمام.  لأنّها تشير في هذا السياق إلى ما يمكن أن يعتبر إلزاماً ما أو عهداً. فهو يقول إنّ شيئاً ما يدفعه للعودة باستمرار إلى هذا الطائر، وأن يستمر في الكتابة عنه على وجه التحديد. 

"القدر" يعني أنّ هذا شيء غير الإرادة الواعية، وأنّ هنالك عملية ما تتم في الخفاء. 

فمن جهة ما يرتبط شأن الحدأ لدى ليوناردو بشكل دقيق باهتمامه المشهور بفكرة طيران البشر في السنوات القليلة قبل وبعد 1505. وكانت المخطوطة الصغرى " حول طيران الطيور"، الآن في تورين، قد كتبت في ذلك الوقت. وهي تتضمن تصريحاً شهيراً: "الطائر العملاق سوف ينطلق في أولى رحلاته على ظهر تشيشرو العظيم"، ليعبيء الكون دهشةً، وتفيض شهرته على سجلّات العالم، ويأتي بالمجد الأبدي إلى العش حيث وُلد."  والفهم العام المرجّح لهذا هو أنّ ليوناردو كان يخطط لرحلة طيران تجريبية لآلة الطيران خاصته أو "الطائر العملاق" من قمة جبل تشيشيري، بالقرب من فيزولي، جنوبي فلورنسا بالضبط. وتبين بعض السطور المدونة على الصفحة ذاتها من المخطوطة وجوده بالقرب من فيزولي في مارس 1505.   عليه فإنّ ذكرى الحدأة تخطر على البال في وقت كان فيه مشغول الفكر للغاية بإمكانية طيران الإنسان، وأصبحت إلى حدٍ ما منبعاً ذاتياً لذلك الاستغراق. حطت عليه الحدأة وأرّتْه "قدره" بينما كان ما يزال في مهده. 

الدراسة السيكولوجية الأولى لفانتازيا ليوناردو كانت من قبل فرويد:[Eine Kindheitserinnerung des Leonardo da Vinci] "ذكرى من طفولة ليوناردو دا فينشي"، ونشرت عام 1910. يحلل فرويد القصة بشكل أساسي كما لو أنّها كانت حلماً، بمعناها في اللاوعي ورموز الذكريات المخزونة فيه. ومفتاحها، كما يعتقد، هو علاقة الطفل ليوناردو مع أمّه- بعض ما يقوله حول هذا الموضوع لا يُعتد به لأنّه يحتج بوجود روابط مع الأمّ على أساس العلاقات الرمزية للعُقاب (فهو يستخدم الترجمة الألمانية غير السليمة لملاحظة ليوناردو، والتي تسببت في ترجمة اسم الطائر بشكل خاطيء إلى Geier، بمعنى العقاب) . ويجب ترك ملاحقه المدروسة في رمزية العُقاب المصرية، هي وغيرها مما يبدو لكاتب السيرة فرويدياً على وجه التحديد أو الإسهاب. ولكن الفكرة الأساسية - بأنّ حلم أو وهم ليوناردو هذا، وتحديداً في مهده، مرتبط بمشاعره حيال أمّه- لا تخلو من رؤية تحليلية نفسية سليمة على ما يبدو. 

ووفقاً لفرويد، فإنّ الحدأة التي تضع ذيلها في فم طفل هي ذكرى مدفونة للإرضاع من الثدي: " ما يستتر وراء الذكرى هو بالكاد استحضار لذكرى الرضاعة- أو إرضاعه- من ثدي أمه، مشهد للجمال الإنساني الذي تعهد هو- مثل العديد من الفنانين- بتصويره بفرشاته." (فرويد يشير هنا إلى الليتا مادونا، رُسِمت في ميلانو في أواخر ثمانينيات القرن الخامس عشر). والرضاعة من الثدي هي "أول مصدر للمتعة في حياتنا"، وهي ذات انطباع يدوم "  نقشه في الوجدان لا ينمحى".  ولكن فكرة أنَّ ذيل الحدأة هذا يمثل حلمة ثدي الأمّ قد لا يأخذنا إلى نقطة أبعد، لأنّ الفانتازيا ليست صورة فقط، ولا حتى بشكل أساسي، للأمان الطفولي. فالشعور بها مختلف جداً. لأنّ سلوك الطائر على ما يبدو أصبح مهدداً، وهجومياً، وضارباً. ويمكن أن نفهم من هذا أنَّ مشاعر ليوناردو حيال أمّه كانت هي نفسها متناقضة، إلى حد أنْ يتم التعبير عن خوف رفضها وعدائيتها بهذه الصورة الممعنة في الاضطهاد. ويستحضر المرء ميلاد أول طفلة لكاترينا عام 1454، عندما كان ليوناردو في عامه الثاني: وهو عمر يكون فيه الطفل عرضة للشعور بأنَّ مقدم طفل جديد لهو بمثابة كارثة زوال عاطفة الأمومة. وبالتالي فإنَّ – وهذا اتجاه أكثر فرويدية- الجانب المزعج من ذيل الحدأة هو قضيبي، يرمز لتهديد منافسة الأب. 

يطبِّق فرويد هذه المفاهيم على ما أحاط به علماً من نشأة ليوناردو، والذي لم يكن في 1910 بقدر ما نعرف اليوم، بيد أنّ الخطوط العريضة كانت واضحة بشكل كافٍ من الإقرارات الضريبية لأنطونيو دا فينشي ذي المعارف الواسعة، والتي تم نشرها قبل ذلك بسنوات قليلة. يقول فرويد عن الفانتازيا " يبدو أنها تخبرنا" أنَّ ليوناردو "لم يمض السنوات الأولى الحرجة من حياته بجانب والده وزوجته، ولكن مع أمّه الحقيقية الفقيرة المنبوذة." وفي هذا الطور الحرج من الطفولة، " تصبح انطباعات بعينها راسخة، وتتشكل أساليب الاستجابة للعالم الخارجي،" والشيء الذي كان قد تشكّل هنا بالتحديد هو عدم الارتباط بالوالد. كان سير بيرو غائباً عن البيت، خارج الدائرة العاطفية للعلاقة بين الأم والطفل. ولكنّه أيضاً يمثل تهديداً لها، وعقبة محتملة. لذلك فإنّ فانتازيا الحدأة تشير إلى توتر مبكر بين راحة الأم وتهديد الوالد، في تهيئة للمشهد لتوترات لاحقة: " ليس لمن يرغب في أمّه كطفل مهرب من الرغبة في وضع نفسه في مكان أبيه، قد يعجز عن التماهي معه بنفسه في خياله، وأن يجعل من خلافته –بعده- مهمة حياته لاحقاً."   وأنّه ربما كان لوفاة والد ليوناردو في 1504- ليس ببعيد من الوقت التقريبي لكتابة الملاحظة حول الحدأة- شيء من الأهمية بالخصوص. 

يقول نقاد تحليل فرويد أن هذا وضع أكوامٍ من علم النفس الممعن في التخمين على أساس هشٍ من تأريخ ممعنٍ في التخمين، وهم على حقّ، ولكنّه يملك ما يتمسك به. وعن مسألة طفولة ليوناردو فلا نملك نحن إلا النذر اليسير من المعرفة، وتخمينات الدكتور فرويد تبدو لي جديرة بالاعتبار. 
وهنالك قطعة أخرى من الكتابة حول الحدأ بقلم ليوناردو، ولكن من الواضح أنّها لم تكن معروفة لدى فرويد، والتي تقود إلى منطقة من النوع ذاته. وفي هذا يستشهد ليوناردو بارتباط فلوكلوري للحدأة مع الحسد أو الغيرة invidia: يقرأ المرء عن الحدأة التي عندما ترى صغارها في العش قد أصبحت سمينة جداً، فهي تنقر على أضلاعها حسداً وتأبى أن تطعمها."  هذه من "كتاب الحيوان"، لليوناردو، وهو مجموعة من المقولات والقصص الرمزية عن الحيوانات، مكتوبة في دفتر صغير كان يستخدمه في ميلانو في منتصف تسعينيات القرن الخامس عشر. وعليه فهي قبل بضع سنوات من كتابة "ذكرى" الحدأة. وهي أصداء لقطعة من منوعات شائعة، Fiore di virtu زهرة الفضيلة، بقلم الأخ من القرن الثالث عشر تومازو غوزاديني- وهو كتاب يُعرف عن ليوناردو تأليفه. وبينما ليس له أهمية العلاقة الشخصية التي تغذّي الذكرى الأكثر شهرة، فيبدو أنّه يرتبط بها بشكل مثير للاهتمام. ولدينا هنا أيضاً علاقة بين الحدأة وطفل (في هذه الحالة صغارها هي). السمة الرئيسية للمقالة هي انسحاب الحبّ الوالديّ. وهو الشخص المفترض به توفير الراحة والرعاية- الطائر في العش يطعم صغاره- أصبحت صورة للعدائية المؤلمة: الحدأة "تنقر" الطفل بمنقارها، كما هي في الذكرى "تضرب" الطفل بذيلها. مرة أخرى قد يأخذ المرء هذا إما كخوف من تحوّل الأمّ من مقدمٍة للغذاء إلى مدمّرة (" quod me nutrit me destruit' في وسم رمزي قديم)، أو مثل خوف الوالد باعتباره منافساً عدائيأ على حبِّ أمِّه. مرة أخرى تقود الحدأة إلى منطقة من مخاوف وانفعالات الطفولة.   

والقطعة الأخرى التي كانت لتتقاطع دون شك مع فرويد تقع في واحدة من مجموعات النبوءة لليوناردو- تلك الألغاز واللعب بالكلمات منظومة بطرافة في أسلوب نبويّ. وتميل هذه العبارات إلى التعبير عن معانٍ غير متوقعة تتجاوز في مداها حلول الألغاز.  ومن الأمثلة النبوءة التي تقول، " سوف يرفع الريش الرجال- كما تفعل الأطيار- إلى السماء." والإجابة المذكورة هي "ريشات الأقلام"، والتي تكتب كلمات تسمو بقارئها، ولكن على ما يبدو أنّ الإجابة المستترة هي "طيران الإنسان". وبشكل مماثل " سوف تسند المخلوقات الطائرة الإنسان بريشها" (الإجابة "أسرّة الريش"). 

والأكثر سحراً من بينها هي النبوءة التي إجابتها ببساطة "الحلم"، والتي هي بالتأكيد ليست سوى قصة عن أحلام ليوناردو المزعجة ذاتها. 

" سيبدو للرجال أنهم يرون حالات تدمير مجهولة في السماء. وسيبدو أنّهم يحلّقون في السماء، ومن ثمّ يهربون في رعب من ألسنة اللهب التي تنصبٌّ عليهم من هناك. وسوف يسمعون كل أنواع الحيوانات التي تتحدث في لغات بشرية.  وستنزلق أجسادهم في لحظة إلى عدة أجزاء من العالم دون أدنى حركة. وفي وسط الظلام سوف يرون أكثر العظائم روعةً. يا أعجوبة النوع الإنساني، أي جنون دعاك لفعل هذا؟ سوف تتحدث مع الحيوانات من كل نوع، وسوف تتحدث إليك هي بلغات الإنسان. سوف ترى نفسك تسقط من أعلى القمم دون أن تؤذي نفسك. وسوف تجرفك السيول معها فتمتزج بتيارها الخاطف...

والسطر التالي أصبح مبهماً بسبب تمزُّق الورقة. ويظهر منها "Usera[i] car[…]n madre e sorell [… ]'. وقد خمّن كارلو بيدريتي الجملة كالتالي: [Userai carnalmente con madre e sorelle] – " سوف تضاجع أمّك وأخواتك". وهو يقارن العبارة في كتاب الحيوان، الجزء الخاص بشهوانية الجمل: " Se usasse continuo con la madre e sorelle mai le tocca.."".   عليه فإنّ أحلام " الطيران في السماء" و"التحدث مع الحيوانات" هذه تمتزج بشكل غريب مع فانتازيا علاقات سفاح الأقارب مع الأمّ. ومرة أخرى نجد أنفسنا في المنطقة ذاتها التي حدّد فرويد معالمها في تحليله لفانتازيا الحدأة. 

ويمكن استشفاف هذه اللمحات السيكولوجية بجلاء في واحدة من أكثر لوحات ليوناردو غموضاً- ليدا والبجعة (اللوحة رقم29). وقد فقدت اللوحة، ولكن يمكن إعادة تشكيلها جزئياً من الرسوم التخطيطية الأولية لليوناردو، ومن النُسخ بالحجم الطبيعي التي رسمها تلاميذه أو أتباعه. 

وتعود أقدم رسوماته التخطيطية المعروفة إلى تأريخ 1504 أو 1505، وتتزامن بدقة مع الملاحظة المذكورة حول الحدأة. والطابع العام للوحة مقتبس من الأسطورة الكلاسيكية. جوبيتر أو زيوس في علاقة حبّ مع الأميرة الاسبارطية ليدا، ليتجسد في هيئة بجعة، وأغواها لتحمل، ومن زواجهما يولد- أو، في اللوحات، يفقس البيض حرفياً دون مبالغة- زوجين من التوائم: كاستور وبولوكس، وهيلين وكلايتيمنيسترا. هذا الطائر، الأمّ، والأطفال أنصاف الطيور الذين فقسوا بطريقة غريبة من بيوضهم في مقدمة اللوحة- يبدو أنّه يعود مرة أخرى إلى حافة فانتازيا الحدأة. ومثل تلك الفانتازيا ترتبط اللوحة بوضوح باستغراق فكر ليوناردو بالطيران وفي هذه المرة" "تشيشيرو" مثل جبل تشيشيري، الذي خطط ليوناردو ليطلق منه "طائره العملاق" أو آلته الطائرة في عام 1505 للميلاد- يعني " البجعة" في اللهجة الفلورنسية.

وتضيف لوحة أخرى هي العذراء والطفل مع القديسة حنَّة في اللوفر تذييلاً عجيباً لقصة الحدأة هذه. فاللوحة تأتي متأخرة، في عام 1510، ولكنّ كانت هنالك نسخة منها موجودة- على هيئة كارتون تمهيدي بالحجم الطبيعي- منذ عام 1501، وعليه فهي الأخرى تنتمي بشكل عام إلى فترة أوائل خمسينيات ليوناردو. ومن الواضح أنَّ اللوحة تتناول موضوع الأمومة. فالقديسة حنّة هي والدة مريم، بيد إنّه كثيراً ما لوحظ أنّ تصوير ليوناردو لها يجعلها تبدو في عمر مماثل لعمر مريم، وبالتالي تبدو انعكاساً للعلاقات المتشابكة لطفولة ليوناردو، بثلاثيتها كاترينا، والبيرا ولوشيا- الأم، وزوجة الأب، والجدّة. وربما قد سُويّت المسألة هناك، لأن الاكتشاف العجيب لأحد الأتباع الفرويديين، أوسكار فيستر، للطائر الخفي الكامن في طيات ثوب العذراء أو عباءتها. وقد كان هذا في عام 1913، وفيستر- متبعاً الزلة الفرويدية الأصلية- يدعو هذا الطائر- عُقاباً، ولكن هذا ليس بالأمر المهم. "الطائر" يظهر بوضوح أكبر عندما تقلب اللوحة على جانبها. وحالما يتم قلبها يبدو واضحاً هناك، ولكن (مثل ذكريات الطفولة الراسخة تلك) هل هو موجود فعلاً؟ فهذا هو ما رآه فيستر: " على طول القماش الأزرق، والذي يظهر حول ردف المرأة في المقدمة[ التي هي مريم]، والذي يمتد في اتجاه حِجرها وركبتها اليمنى، يستطيع المرء أن يرى رأس العقاب المميز للغاية، وعنقه، والمنحنى الحاد حيث يبدأ جسده." ولقد تعرّف على جناح الطائر باتباع طول القماش حيث يمتد إلى أسفل حتى قدم مريم. "يمتد جزء آخر من القماش "باتجاه الأعلى ويستقر في كتفها وعلى الطفل"، وهنا يرى فيستر"الذيل الممتد" للطائر، ويكمل قائلاً: " مشعاً خطوطاً تمثّل خط الريش". و الشيء الأعجب – " بالضبط كما في حلم طفولة ليوناردو الخيالي"- الذيل "يقود إلى فم الطفل، مشيراً إلى ليوناردو نفسه. 

وهنالك ثلاثة تفسيرات محتملة لهذه "الأحجية المصورة"، كما وصفها فيسترPfister. الأول هو أنَّ ليوناردو قد وضع طائراً عن قصد. والثاني أنّه قد أسقط شكل الطائر قسراً في هذا التأمّل في موضوع الأمومة. والثالث هو أنّ الطائر ليس سوى مجموعة من الخطوط والظلال اجتمعت على هذا الشكل بالصدفة، وليس لديه أي أهمية أكثر من كونه ضرباً من طباعة المنسوجات- وهي مهارة تلوين تعززها موهبة قد كان ليوناردو يعمل على صقلها على مدى ثلاثين سنة.  أما الإجابة الأكثر أماناً فهي الإجابة الأخيرة- إن كان الأمان هو ما ينشد المرء.  

وتعاوده بهذه الأساليب أصداء هاته الذكرى الأولى- لطائر "أتاه" في مهده- عبر السنين، تتشابك مع مشاعر حب الأمّ والفقد، وبالطموح الزاخر لرحلة آلية، كما لو أنّه بذلك يتقابل مرة أخرى مع ذلك الزائر السماوي الذي يذكر نصفه ويتخيل النصف الآخر. 

-------------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
تأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
(جميع الحقوق محفوظة)

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 2 - آل دافنشي





 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل

2- آل دافنشي

كانت عائلة دافنشي من الأسر العريقة: ليست نبيلة، وليست عريضة الثراء، كما أنّها لم تحظَ بكبير قدرٍ من العظمة، ولكنها عائلة كريمة الأصل والمكانة. عاش أفرادها ازدواجية حياة السادة وهم يديرون تجارتهم في المدينة ويزرعون الريف لأربعمائة عام. وقد استفادوا من ذلك العمل بعلاقات فلورنسية مهمة، وزيجات مواتية بقدر ما اجتهدوا في إدارة كرومهم وبساتينهم. لقد حولوا أرباحهم إلى ممتلكات. وليس بي أدنى رغبة لإضفاء شيء من الرومانسية على حياتهم، والتي بلا شك كان لها صعوباتها ومشاكلها، ولكن على ما يبدو أنّها كانت تناسبهم، وحظي من طال بهم الأمد في هذه الحياة من أفرادها حياة حافلة

فقد كانت عائلة من كتبة العدل، وهي مهنة زادت أهميتها مع النمو التجاري في القرن السابق. وقد كان كاتب العدل هو من يحرر العقود،  ويثبت الصفقات، ويسلِّم الفواتير ويطالب بقوائم الحسابات.  فهم من ينشيء السجلات ويحفظها، ويلقي عملهم بظله على الأدوار الأخرى مثل المحامي، والمحاسب، ووسيط الاستثمار الذي يسهِّل عملية دوران دولاب التجارة. ونقابة كاتبي العدل في فلورنسا، Arte dei Giudici e Notai arti ، كانت أفضل النقابات السبع الكبرى، أو كما تسمى في اللغة الإيطالية " Notai arti maggiori.  وقد كان أقدم آل دافنشي في السجلات هو السير ميشيل، الذي كان كاتب عدل، وكذلك ابنه، السير جيدو (اللقب الشرفي "Ser"، يعتبر المقابل الفضفاض للعبارة الإنجليزية "Sir"، والتي كانت امتيازاً لكتّاب العدل والمحامين). السير جيدو مسجّلٌ في أحد الأعمال العدلية التي تعود في تأريخها إلى عام 1339: أول تأريخ مؤكد في تأريخ الأسرة. وقد استخدم أنطونيو "السجل العدلي" الخاص به لتسجيل مواليد العائلة، بما في ذلك ميلاد ليوناردو، الذي كان هو الحفيد الثامن للسير جيدو. وقد كان سير بيرو ابن السير جيدو صاحب النصيب الأكبر في الاحتفاء به كأحد كتاب العدل في عائلة فنشي. (والذي ينبغي أن أدعوه بالسير بيرو الأكبر، للتمييز بينه وبين والد ليوناردو).وقد كان شخصاً ناجحاً في أواخر فلورنسا القرن الرابع عشر، في السنوات الأخيرة قبل اعتلاء ميديشي سدَّة الحكم في 1361، بعد سنة من توليته الكتابة العدلية،  كان مبعوث فلورنسا لدى محكمة ساسوفيراتو، وقد أصبح فيما بعد كاتب عدل بالسينيوريا أي حكومة الجمهورية الفلورنسية. وقد كان أخوه جيوفاني هو الآخر كاتب عدلٍ؛ ويبدو أنه قد توفي في اسبانيا حوالي عام 1406- وقد خالف في اغترابه ذلك عن ديدن أسرته –آل فنشي . 

وقد مثلت فلورنسا بالنسبة لأجيال دا فنشي التي عاشت في القرن الرابع عشر، وطن معاشهم، وعاصمتهم السياسية والتجارية حيث ينبغي أن يكونوا. وقد كانت فينشي موطن آبائهم وملكياتهم الموروثة، والمكان الذي يلوذون به من قيظ صيف المدينة، ولكنّها لم تكن دائماً ذلك المقام الطيب. ومن موقعها المتاخم للحدود الغربية للنفوذ الفلورنسي، فقد تعرضت للغزو المتكرر من أعداء فلورنسا. وفي ثلاثينيات القرن الرابع عشر عسكر جبار لوكا كاستروتشو كاستركاني (والملقب بمُخصي الكلاب) وراء أسوارها لفترة تزيد عن ست سنوات، وقد جذبت البلدة فيما بعد اهتمام السير جون هوكوود، المرتزق المولود في بلدة إسكس في الريف الإنجليزي، والذي نشرت مليشياته الرعب في الريف. وقد كان هذا في عام 1364. أما هوكوود- والذي تمت طلينة اسمه ليصبح جيوفاني دكوتو، أي جون الذكي- فقد كان يعمل لحساب مدينة بيزا، ولكنه أصبح قائداً فلورنسياً وفياً في السنوات التالية، وخلدت ذكراه من خلال صورة شخصية جدارية في كاتدرائية المدينة، تصوره معتلياً صهوة جواد أبيض وهي من أعمال اوتشيلو الذي كان معروفاً لدى ليوناردو دون شك. وقد كانت هنالك مزاعم بأنَّ هوكوود كان هو شخصية البطل في حكايات تشوسر كانتربري" الفارس النبيل المثالي" كونّه يمثل صورة شخصية ممعنة في السخرية لرجل كان في الحقيقة مرتزقاً. فتشوسر نفسه كان في فلورنسا في بدايات 1370 في بعثة دبلوماسية. وربما التقى السير بيرو الأكبر- الذي كان يتحرك في الدائرة السياسية على مدى هذه السنوات- هذين الرجلين الإنجليزيين المهيبين. 

"إحذر كتاب العرائض القضائية وكُتَّاب العدل" هؤلاء، كتب تشوسر في " قصة بارسون"، مذكراً إيانا بأنَّ تلك المهنة لم تكن دائماً بتلك السمعة المزعومة. 

ابن السير بيرو الأكبر- وعلى ما يبدو أنّه ابنه الوحيد" كان رجلاً ذا طابع مختلف جداً. وكان هو أنطونيو جد ليوناردو، والذي سبق أن سمعنا عنه: إنّه هو الذي كان يُرى في لعبة الطاولة في أنشيانو؛ وهو الذي دوَّنّ بدقة مناسبات الولادة والمعمودية في الأسرة. ولد في حوالي 1372 وقد كان تلميذاً لوالده على الأرجح، ولكنه لم يصبح كاتباً للعدل. وعلى حد علمنا فقد اختار أن يقصر مكان إقامته على بلدة فينشي، مستمتعاً بما يجوز تسميته بجو سادة الريف في عصر النهضة الأول. 

وقد كان الأمر فعلاَ كذلك في عهد أنطونيو، ففي سنة 1427، تم فرض أول مسح عقاري في فلورنسا، وهو نظام جديد للضرائب على الأرض تم تطبيقه على جميع ملّاك العقارات في أنحاء الجمهورية. وقد ألزمهم بتقديم بيان بإنتاج أراضيهم السنوي، والذي كانوا يدفعون عليه الضرائب بمعدل 1.5%، وأفراد عائلاتهم، الذين يتلقون  عليهم نثريات تبلغ 200 فلوريناً لكلٍ. وقد أشير ببساطة إلى هؤلاء المكفولين الخاضعين للخصومات الضرائبية على أنهم بوتشي أو أفواه.  وقد تم الآن تصنيف الضرائب المفروضة بمقتضى المسح العقاري ضمن مجموعة من الحزم المهمة في سجل الدولة بفلورنسا، والتي تعتبر بمثابة سجلّ الإحصاء الكبير الإنجليزي لإقليم التوسكان في القرن الرابع عشر، حيث تسبح في صفحاتها عائلة دافنشي – والآلاف غيرهم، ممن هم أغنى أو أفقر- باتجاه بؤرة تأريخية أكثر وضوحاً.  وبالتالي بالتزامن مع أول مسح عقاري لعام 1427، عندما كان أنطونيو في أواسط العقد الخمسين من عمره، نجده قد تزوج ولديه طفل رضيع.  وكانت زوجته هي لوشيا، أصغر منه بعشرين عاماً، وهي ابنة كاتب عدلٍ آخر. وكان مسقط رأس أسرتها- تويا دي باكيريتو- على السفح الشرقي لجبل ألبانو على مقربة من بلدة فينشي. وقد كانت عائلتها هي الأخرى تنتج الخزف، وتتخصص في أعمال خزف الميوليك الملون الذي كان له سوق مزدهر. وقد حمل طفل أنطونيو – الرضيع ذو الأربعة عشرة شهراً-  اسم جديه كليهما، أنطونيو. كان هذا والد ليوناردو، المولود في 19 أبريل 1426. وقد حملت لوشيا طفلاً آخر في السنة التالية، هو غوليانو، ولكنه لم يُذكر في إقرارات الضرائب التالية، ولا بد أنّه مات وهو رضيع. وقد عوّضت أسرته هذه الخسارة جزئياً في عام 1932، بميلاد الابنة، فيولانت. 

وفي هذه الأثناء تملّك أنطونيو مزرعة في كوستيريشيا، بالقرب من بلدة فينشي، وبعض من الملكيات الريفية الأصغر : وقد وصل إنتاجها السنوي إلى 50 بوشلاً من القمح، وخمسة بواشل من الدخن، و26 برميلاً من النبيذ، وصفيحتين من الزيت. كما اقتنى أيضاً بضع قطع من الأراضي السكنية في فينشي، منها ما كان مسوّرأ وغير مسوّر. وفي 1427 كانت الأسرة تعيش بالفعل- ليس في إحدى ملكياتها ولكن في "بيت صغير في الريف"، يمتلكه رجل كان يدين لأنطونيو بالمال. وقد كانت هذه التسوية مريحة، حيث يتم سداد الدين عبر تقديم مسكن دون أجرة، وقد كان أنطونيو قادراً على ادعاء أنّه –عملياً- "sanza casa" أي بلا منزل- ولا غرو، فقد امتلأت الإقرارات الضريبية الإيطالية في عهدها الأول بأصوات الأشخاص الذي يحاولون أن يظهروا بمظهر أكثر فقراً مما هم عليه. بعد ست سنوات، وفي المسح العقاري لعام 1433، تم تسجيله وعائلته على أنهم يعيشون في فينشي، في "بيت صغير" ب"حديقة صغيرة" - وهذه التصغيرات تأتي مرة أخرى لفائدة عامل الضرائب. 

 كان أنطونيو شخصاً جذاباً ومهماً، إذ أنّه كان عميد العائلة في معظم سنوات طفولة ليوناردو. وكان رجلاً متعلماً- لدى الحكم عليه من خطه- وقد اختار حياة الملّاك الريفيين على الضغوط والمزايا التي تنطوي عليها المهن الحكومية في فلورنسا. ويبدو أنّه على خلاف معاصره المحامي الفلورنسي بيرناردو مكافيلي، والد المؤلف الشهير، والذي أدار ظهره بالصورة ذاتها إلى سباق الجرذان مؤثراً متع الريف الأكثر هدوءاً. 
وكان بيرناردو رجلاً علمياً: وهنالك شهادة عنه وهو يأخذ نسخة من تأريخ روم لليفي إلى مجلِّد الكتب، ويترك ثلاث قوارير من نبيذ فيرميليان وقارورة من الخل من كرْمه كوديعة.  إنّه يمثّل طبقة معينة من الحياة الفكرية التوسكانية- الرجل الريفي المتعلم المحب للكتب- وربما كان هنالك شيء من هذا في أنطونيو دا فنشي. فخيار هذين الرجلين كان واحداً، هو حب الريف الذي يرتبط بخشونة العيش، أو يخال أنّه كذلك إذ قال نيكولو مكافيلي عن طفولته، بطريقته اللاذعة المعتادة، " لقد تعلمت حياة الكفاف قبل أن أتعلم الاستمتاع".  
ولكان ليوناردو هو الآخر ليقدّر الزهد والبساطة في معيشته، وقد كان هذا التقدير بقية من تنشئته الريفية. 

وها بندول الأسرة يتأرجح مرة أخرى، ويولد ابن أنطونيو البكر، بيرو، الذي أُخذ لعالم "كاتبي العرائض القضائية وكتّاب العدل" بلهفة. وقد كان في حيوية السير بيرو الأصغر استنساخاً لجده الذي يحمل اسمه، وسوف يرقى لمراكز مشابهة في مكانتها في الشؤون المالية الفلورنسية. 
وبحلول 1446 كان قد غادر بلدة فينشي: إذ لم يشتمل سجلّ أنطونيو في تلك السنة اسمه ضمن مكفوليه. فربما كان على الأرجح قد تولى منصب الكتابة العدلية في السنة التالية، وفي السن التقليدية، الحادية والعشرين، ويعود أقدم مستند رسمي في حوزته إلى عام1448. بعد بضع سنوات كان يزاول مهنته في بيستويا، وربما كان يعيش مع أخته، فيولانت، والتي تزوجت واستقرت هناك الآن. كما يظهر أيضاً في بيزا، ولكنه سرعان ما يتبع درباً مطروقاً إلى فلورنسا، ويشرع في إرساء مهنته هناك. وشارته العدلية- تشبه كثيراً العلامة التجارية، وليست مختلفة كثيراً عن أداة الختم- تُرى في أحد العقود بتأريخ نوفمبر 1448. وهو مخطوط باليد، وفيه رسم سحابة بداخلها حرف P اللاتيني، وشىء ما يخرج من السحابة والذي يبدو إلى حدٍ ما مثل السيف وربما كشجرة مرسومة بطريقة عصرية.  ويدخل في العقد آل روشيلاي، إحدى عائلات تجار فلورنسا البارزين، والتي سيكون لليوناردو معها بعض التعاملات لاحقاً. 

وربما يعتبر المرء بيرو دافنشيا نموذجياً- طموحاً، مؤدباَ، ليس طيباً في كل أحواله- ولكنْ ذلك أكثر مدعاة للتأمل. ونزعة حب الريف في تكوين العائلة امتدت حتى فرانسسكو، وهو أصغر ابناء أنطونيو، والمولود في 1436. وكما هو حال أبيه، لم يكن لدى فرانسسكو أية طموحات عدلية: وقد كان أقرب ما لديه إلى عالم التجارة هو زراعة الحرير. ومرة أخرى مثل أبيه، يبدو أنه قد عاش طوال عمره في فينشي، يهتم بمزارع العائلة والكروم. وفي إقراره الضريبي لعام 1498 كتب بكل بساطة، " أنا في الريف دون فرصة في الوظيفة."  وكان فرانسسكو في الخامسة عشرة من عمره عندما ولد ليوناردو: عمٌ صغير جداً، وشخصية مهمة في بداية نمو ليوناردو. لقد تم تدوين ذلك في أول نسخة من حيوات فازاري في وصف خاطيء لسير بيرو دا فينشي كعمٍ لليوناردو. وإنّه لمن الممكن أن يعكس هذا الخطأ الغريب (والذي تصحيحه على النحو الواجب في الطبعات اللاحقة) بعض المقولات الغامضة إلى حدٍ ما حول كون ليوناردو أقرب إلى عمه منه إلى أبيه . وربما يكون من الصحيح جداً أنَّ بيرو كان أباً غائباً ومشغولاً ولا يتسم بالاهتمام الشديد. وأنّه من الصحيح بلا شك أنّه لم يترك أي شيء لليوناردو في وصيته: وقتها كان له الكثير من الأبناء الشرعيين، ولكن ألا يترك له شيئاً لم يكن بالأمر الهيّن بالتأكيد. أما العم فرانسسكو فقد مات – على النقيض- دون أن تكون له أية ذرية، وترك كل أملاكه لليوناردو- وهو إرث كان لأبناء بيرو الشرعيين عليه نزاع مرير.  

كانت هذه هي العائلة التي ولد فيها ليوناردو، خليط من الأفراد المعقدين إلى حد ما، والذين كانت مراوغاتهم في الغالب ليست من النوع الذي يمكن التخلص منه، ولكنها أيضاً تعبر عن نفسها في شكل أكثر نظامية من تلك الجوانب المزدوجة للهوية الاجتماعية في عصر النهضة-المدينة والقرية، والحضري والرعوي، والفاعل والتأملي- هذه الصفات النسبية تناولها الكثير من الكُتَّاب، وبالفعل الرسامون في ذلك الوقت، كما كانوا يفعلون على الأقل منذ عهد الشاعر الروماني هوراس. إنّه لمن السهل ملاحظة انعكاس هذه الجوانب المزدوجة في حياة وعمل ليوناردو. فقد عاش معظم حياته بعد البلوغ في المدن، جزئياً فقط خارج الضرورة المهنية، بيد أنَّ هذا الحب الكامن للريف، وأشكاله وأجوائه، يتجلى من خلال جميع رسوماته وكتاباته.  

وجينات دافنشي قابلة للتخطيط إلى حد ما. فنحن نتصور الخطوط العريضة لإرث أسرة ليوناردو، ونحن نلتقط شيئاً من البيئة الاجتماعية، والثقافية والمالية، والطبيعية بل حتى السيكولوجيا التي ولد فيها. ولكن هذا - بالطبع- لا يزيد عن نصف قصته الجينية. ومن الجانب الآخر- لأمه وأسلافها-  فنحن لا نعرف شيئاً تقريباً. وفي قصة سنوات تشكيل شخصية ليوناردو لم تكن أمّه سوى منطقة للظل المعتم، بيد أنّه وكما هو الحال مع لوحاته، يجد المرء عينه تنجذب تجاه تلك المناطق الشهية من العتمة، كما لو أنَّ لديها سرَّاً ما لتكشف عنه. 

-----------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقلتأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
(جميع الحقوق محفوظة)

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 5 - في المعصرة





ليوناردو دافنشي: رحلات العقل

5- في المعصرة

ثمة منزل حجري كبير على حدود فينشي تماماً، على الجانب الأيمن من الطريق المتجه شمالاً إلى بيستوي، يدعى مولينو ديلا دوتشا وهو الآن منزل خاص، ولكنّه كان ما يزال إلى عهد قريب معصرة زيتون عليها عبارة" Molino della Doccia di Vinci". وقد تم تحرير هذا في حوالي 1504 أو 1505، كماهو مفترض في زيارة عودة إلى الوطن.  وهو يعود إلى الحقبة الزمنية ذاتها التي كتبت فيها الملاحظة حول الحدأة، وربما هي الأخرى لا تخلو من محفزٍ للتذكّر. وبالوقوف هنالك لدى الطاحونة ديلا دوشّا تحيط به مناظر وروائح طفولته. 

كان ليوناردو صبياً ريفياً. وقد نشأ، إن تحدثنا بشكل عام- على المزرعة- سواءً أكان  في حصة زوج أمّه الصغيرة في كامبو زيبي أو في عقارات جده المتوسطة حول فينشي- ولقد كان غارقاً من سنوات عمره الأولى في عالمٍ من الإنتاج الزراعي: من حرث وحفر وزراعة، وحصاد لبساتين وحقول الحبوب، والكروم وحدائق الزيتون.  كان زيت الزيتون هو المنتج الشهير والنموذجي لريف هضبة إقليم التوسكان  أكثر من النبيذ حتى. بجانب المزايا الطبخية، كان الزيت يستخدم كوقود للمصابيح، وكزيت تشحيم، وكدواء أو مرهم، وللعديد من الأغراض العملية الأخرى. وكان حصاد الزيتون في فينشي وآلاف الأماكن الشبيهة مناسبة يشارك فيها المجتمع بكامله، وما زالت لها مكانة خاصة في الحياة القروية بإقليم التوسكان.  وتقول أغنية ريفية قديمة أنَّ الزيتون يصبح جاهزاً للقطاف بحلول أول اكتوبر- 'Per Santa Reparata[8 October] l'oliva e oliata' – ولكن في الحقيقة إنَّ الحصاد مناسبة تمتد إلى أسابيع عديدة بين شهري أكتوبر وأوائل ديسمبر. ويتم إسقاط الثمار بعصي طويلة، من جذع عشب قنا القيصوب، والذي ينمو بوفرة على طول الأنهار. وتحتوي إحدى "نبوءات" ليوناردو على صورة لقطاف الزيتون:" هنالك سوف ينسكب من صوب السماء ذلك الذي يعطينا غذاءً وضياء." فالإجابة لهذه الأحجية هي "الزيتون المتساقط من أشجار الزيتون".   وقد جُمع في السلال، وأُخذت الثمرة إلى مطاحن الزيتون مثل مولينو ديلا دوتشا ليتم طحنها وعصرها. اليوم تتجه مطاحن الزيتون إلى استخدام الطاقة الكهربائية أكثر من المائية أو الحيونات، ولكن البعض ما زال يستخدم النظام الأوَّلي للطحن الحجري  والعصر بعزم اللي الذي كان يُستخدم في حياة ليوناردو. والهواء الفلورنسي المعطر الندي، والأرض الزلقة، وجرار الزيت المخضر الغامق، الزيت البكر المقدّر، جميعها ظلت كما هي، لم تتغير. 

وبجانب رسم ليوناردو التخطيطي لعصر الزيتون في مولينو ديلا دوتشا، والتي كانت مصدر إلهامه بكل وضوح، توجد آلية أكثر تعقيداً وهي التي أوضحها بالعبارة : [Da macinare colon ad acqua] – أي " لطحن الألوان مائياً". هذا يذكرنا بأنَّ الرسام هو الآخر كان يعالج ثمار ومنتجات الأرض. فالألوان التي استخدمها تأتي من النباتات، واللحاء، والتراب والمعادن، والتي تعيّن طحنها وسحقها لتحويلها إلى صبغة مطحونة جاهزة للاستخدام. فهنالك إشارات متكررة إلى عمّال المرسم الذين يقومون بمهمة طحن الألوان"، باستخدام المدق والهون اليدوي. فالآلة التي نُفذ لها الرسم التخطيطي على هذه الورقة تم تصميمها لميكنة هذه المهمة.   

 [عمل زراعي، من ورقة رسم تعود للفترة 1506-1508]


[ماكينة لطحن الألوان مستوحاة من معصرة زيتون فينشي]

وهنالك رابط بين معالجة الزيتون في معصرة الزيتون، ومعالجة الألوان في ورشة الرّسام. الرابط يغدو أكثر التصاقاً عندما يتذكر المرء أنَّ ليوناردو كان فناناً بارعاً في استخدام ألوان الزيت. والزيوت المستخدمة بشكل شائع في أعمال التلوين كانت هي زيت بذر الكتان وزيت عين الجمل(الجوزة): لقد جرب ليوناردو خلال حياته مزج عدد من المركبات بإضافة أنواع مختلفة من التربنتين، وبذور الخردل المسحوقة، وما إلى ذلك- ولكن كانت هذه هي المثبتات. ويتم إنتاج كليهما بالطريقة ذاتها، وباستخدام النوع ذاته من الآلات، مثل زيت الزيتون (والذي لم يكن يستخدم في التلوين بشكل عام لأنّه كان كثيفاً جداً). وتشير إحدى الملاحظات المدونة في مخطوطة اتلانتكس إلى انخراطه بشكل شخصي في عصر زيت الجوزة: " بذور الجوز محاطة بقشرة سميكة مثل الجلد، وإن لم تقم بإزالتها عند استخلاص الزيت، فإنّها ستصبغ الزيت، وعندما تستخدمه فإنَّ القشرة تنفصل وتصعد إلى سطح اللوحة، وهذا ما يؤدي إلى تغييرها[ فقدان اللون على سبيل المثال].  

وهنالك رسومات أخرى لمعاصر الزيتون في مفكِّراته، والتي تتفق تماماً مع سياق إنتاج الزيت للتلوين هذا. وآلية الحصان المسحوب الموصوفة بأنّها "معصرة للزيتون والمكسّرات" قد تم تحليلها عن كثب في واحدة من مفكِّرات مدريد. ومواصفاتها دقيقة للغاية: " عرض قطعة الحديد المشار إليها أصبعٌ واحدٌ،" و" الكيس الذي يحمل المكسّرات أو الزيتون مصنوع من الصوف السميك، منسوج مثل طوق سرج البغل." 

وثمّة استمرارية-هنا- منذ الطفولة. فطواحين زيتون فينشي تمثِّل نوعاً من نماذج ورشة عمل الفنان: الطحن، والعصر، والرائحة اللاذعة للزيوت الطازجة. 

النشاط الريفي الآخر الذي شهده ليوناردو كطفل هو نسج السلال المجدولة من نبتات شجر الصفصاف(wickerwork baskets). وهو أحد اختصاصات الإقليم الذي تكثر فيه نباتات شجر الصفصاف (ٍSalix viminalis). وهو في الحقيقة ذو صلة وثيقة باسم فينشي، وعليه فقد كانت له جاذبيةً خاصةً عند ليوناردو. 

وقد تناوله ليوناردو في أيام شهرته وما بعدها في العديد من الحِكم والأقوال والنقوش، بحيث يكاد ألا يخطيء هدفاً أو غرضاً في فينشي. وفي الحقيقة ليس لأصل الاسم أية صلة بالمسألة: فهو قد جاء بدقة من كلمة إيطالية قديمة للصفصاف هي Vinco (Latin vincus). ونهر فينشو الذي يشق مدينة فينشي- دون خفاء- (هو النهر حيث ينمو الصفصاف)، والكلمة مشتقة من الكلمة اللاتينية Vinculus، بمعنى الرباط (وقد استخدم الصفصاف بكثرة في التجليد)، وهو مذكور في الأدب الإيطالي الذي يصف الأنواع المجازية من الصلات والروابط، كما في "روابط الحب العذبة(dolci vinci)" لدانتي.  لتعقب أصل الكلمة قليلاً، فإنَّ المفردة اللاتينية vincus ترتبط بالمفردة النرويجية القديمة لنبتة الصفصاف، فايكر، والتي جاءت منها الكلمة الإنجليزية "wicker"، مثلما في كلمة wickerwork أي الجدل أو النسج على شكل جدائل، وأيضاً "weak" والتي من معانيها الأصلية المرونة. 

وقد أخذ ليوناردو صنعة نسج الجدائل المحلية هذه وجعلها شعاراً خاصاً له، وتكاد المرء يجزم بأنّها "شعاره". وتوجد هنالك سلسلة من أعمال الحفر على أساس تصميماته- والتي ربما نُفذت في فينشي بعد عام 1500 بوقت وجيز، والتي تظهر نقوشاً متشابكة ومعقدة، وفي وسطها تظهر عبارة " Academia Leonardi Vinci". أي مدرسة ليوناردو دا فينشي- واللعب على الدلالة المشتركة لفينشي والصفصاف مقصود دون شك. نيكولو دا كوريجو السمسار والشاعر معروف عنه ابتكاره " الفانتازيا الفنشية" - والمفترض أنّها تصميم عُقَدي من نوعٍ ما- من أجل ماركيزة مانتوفا، إيزابيلا ديستي، في 1492.   وبلا شك لم يستطع ليوناردو مقاومة التورية في اسمه، وربما كان جزءٌ من جاذبيتها إنّها هي الأخرى تحمل ذكرى جدائل الصفصاف التي رآها في أنحاء فينشي عندما كان طفلاً. وقد اعتبر النسج عملاً نسوياً، وليس من المستبعد أن تكون كاترينا قد مارسته، وعليه قد تكون نقوش عُقد ليوناردو إعادة لرسم حركات أنامل أمّه الساحرة بينما هي تجدل نبتات الصفصاف لتصنع منها السلال ولكن هذه المرة على الورق. ولقد كان ينفذ بالفعل هذا النوع من التصميمات خلال السنوات التي قضاها في فلورنسا، إذ يذكر في إحدى قوائم رسوماته التي كتبها حوالي 1482 " Molti disegni di groppi" ("عدد من رسومات العُقد"). وقد كانت هذه بلاشك نقوشاً عُقدية من النوع الذي تم إثباته لاحقاً من خلال نقوش فينسيا: يستخدم فاساراي المفردة groppo بالتحديد في حديثه عن هذه النقوش.  وتوجد هذه الجدائل المتقنة والعُقد أيضاً في النقوش التي تزيّن فساتين الموناليزا والسيدة العذراء والوشي الموجود في فساتين الموناليزا والسيدة والفاقم، في ضفائر الشعر وتطريز المياه، وفي الخضرة المنسوجة لنماذجه الجصّية في قاعة المجلس في ميلانو. ويشير جيوفاني باولو لاموزو إلى الأخيرة عندما يكتب، " رأينا في الأشجار اختراع ليوناردو الرائع، الذي يجعل الفروع جميعها تشكل عدداً من النقوش العقدية العجيبة".  ويبدو أنَّ لامازو قد فهم الصلة الأساسية عندما يستخدم الفعل [canestrare] ليصف إنشاء هذه النقوش العُقدية: فهو يعني بالضبط " ما يشبه نسج السِّلال". 

 [جدائل. تصميم عُقدي ل"أكاديمية ليوناردو" (الأعلى)، وشعر مضفّر في دراسة لرأس ليدا]

وهكذا فإنَّ "فينشي" انبثقت أصلاً من- وبطريقة ليوناردية فريدة- عنفوان نصر الجنود، كما تمثّله قلعة كاستيلو غيدي، إلى الأشكال المتناقضة الدائرية عديمة الجدوى لفينشي المعقدة- إنّها فانتازيا، وأحجية بصرية، وسؤال ظل بلا إجابة إلى الأبد. 

-------------------------

 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
تأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
(جميع الحقوق محفوظة)