Sunday, 5 June 2016

الشيخ / حمدان بن زايد الأول -رحمه الله- (حكم 1912-1922م)

 
كان يوماً مشهوداً، ذلك الذي ألقى فيه شاعر عمان الكبير (ابن شيخان) السالمي قصيدته النونية في مدح الشيخ / حمدان بن زايد الأول -رحمه الله- (حكم 1912-1922م).
فلقد كان الشيخ حمدان يهش للمديح، ويبشّ في وجه المادح، وما أن صار معلوما وقت انعقاد المجلس حتى أمر الشيخ بنفيرٍ ظبيانيّ، فحضرت جموع غفيرة ران عليهم صمتٌ عمّقته سلطة اللغة الفصحى لأنها تدفعهم إلى النصّ القرآني دفعا.
إنها قصيدة بلا عصا، وفيها الكثير من الغواني والولدان والحور ونساء بيضاوات ينعشن جسد الميت الفاني. هكذا استهلّ السالمي قصيدته:
حبّ الغواني عن الغلمان أغناني وذكرهن جميع الناس أنساني
من كلّ فاترة الألحاظ فاتنة حوراء أحسن من حور وولدان
بيضاء برّاقة اللبّات طيّبة الأنفاس تنعش جسم الميّت الفاني
إلى أن بلغ الأبيات التي امتدح بها الشيخ / حمدان قائلا:
فيا أبا راشد خذها محبّرة غرّاء خصّتك بالباقي عن الفاني
فابسط إليها يد الإقبال وابغ لها وجه القبول واسدل ثوب غفران
وعش ودم في مقام العزّ مغتنما حرز الكمال بتمكين وإمكان
بعد قرابة المئة عام على تلك القصيدة، أفكر بما شهده جدّي /خليفة -رحمه الله- ( كانت أخته شمسة بنت أحمد زوجة حمدان)، وكان فتى يتفرّس في الوجوه المتفكّرة، وتلك التي تستعيد بعض الأبيات، ووجه الشيخ حمدان الذي بسط إليها يد الإقبال والقبول.
ولمّا انتقد آل مبارك أصدقاء الشيخ حمدان ذكر الولدان، دبّج بن شيخان قصيدة ثانيّة على وجه السرعة قال فيها:
بجانب السفح أوطار وأوطان
سقي لياليها الغراء هتان
ولا تزال يد الأنواء ناسجه
عليه اثواب حسن وهي ألوان
اكرم بسكانها الأحباب من عرب
وبالمنازل لاقوت ولا بان
سكانها قيل ارواح لهن كما
إنّ المنازل للسكان أبدان
لله من زمن قضي مسافته
صب وأحبابه بالسفح جيران
إذ نحن طوع الهوي والوصل يجمعنا
وللشباب غضارات وأفنان
ترى أين كان سعيد بن عتيج في ذلك اليوم، يقينا أنّ الوالد خليفة رحمه الله كان هناك، لأنه لم يكن يفارق زوج اخته شمسه ابدا، قال لي رحمه الله أذكر أنني رأيت ابن عتيج رحمه الله كان ملوّحا كالرمح، ابن عتيج الذي اختص الشيخ حمدان بن زايد بقصيدة أعظم من قصيدة ابن شيخان، ليس هذا رأيي فحسب ولكنه رأي الشيخ عبد الرحمن المبارك، قال لي ذات يوم بعيد، وكنّا في مجلس الوالد في البطين: حسب ابن عتيج هذه القصيدة، فهو لو لم يقل غيرها لكفاه.
يا الله يا عالم سراير خاطري اتعصم نفسي عن دروب الميل
في 1919 توفي ابن عتيج وهو لم يتجاوز الأربعين، ولم يتزوّج بعد،
كانت وفاته شبيهة بحياته، فلقد راعه أن يقلْن عنه الياسيات شيئا سيلاحقه أبد الدهر، فلم يكن يبحث عمّا يقيه رصاص غارة بعض القبايل على بيوتات من المناصير الذين حلّ ضيفاً عليهم.
كانوا يقولون له: اتّقا يالشاعر (أي اتقي الرصاص بما يحجبه عنك)
وكان ردّه عليهم وهو لا يزال يواصل الرمي: منقود، شو بيقولن عني الياسيات؟.
وفي حقيقة الأمر أراد ابن عتيج ياسيّةً منهن بعينها، ملكت قلبه، ولقد كانت فجيعته في أنها متزوجة من رجل آخر.
كان بوسع الناس في تلك الأيام أن يزور بعضهم بعضا، وكان بمقدوره أن يدخل على ياسيّته كلما أراد ذلك، إلى أن نمى إلى زوجها أن ابن عتيج عاشقا لها فنهاها عن استقباله، وأغلقت الباب دونه، وكان ذلك أوّل موت يختبره ابن عتيج في حياته، ولكنه جنس من الموت لم يترك الرجل حتى يوم مقتله الذي جاء برصاصة من المغيرين في صدره.
من يوم غلّق بابه يا ريلي ما وطت
بدفن حبّه شبابه وآغزّر له تحت
لو هو ما ينسخى به قم يا الحسود اشمت
لقد ترك الشاعر المنادي منذ مئة عام يرفع صوته دون أن يجد من يقصد السفن
أشعر في تلك اللحظة وكأن كل شيء سال من صدر بن عتيج، ولكن الياسية التي أغلقت بابها دونه كانت أوسع من جرحه فمكثت في صدره. او كأنه تمثّل قول ابي الطيّب:
مثّلت عينك في حشاي جراحة فتشابهت كلتاهما نجلاء
حدّثني الوالد ورفع روايته إلى صديقه محمد بن بليد رحمه الله، وكان صديقا لابن عتيج لا يفارقه، أنّ ابن عتيج قصّ عليه حلما قبيل مقتله، قال انّه رأى في منامه في اليوم الذي توفّي فيه أن رصاصة اخترقت صدره، وأراد أن يتبيّن إن كان سينجو منها، فوضع يده على أنفه وصار يحاول أن يأخذ شهيقا ويطلقه ليعرف إن كان الهواء سيمكث محبوسا في رئته أم لا.
فاستيقظ من نومه وهو يردّد: اللهم احمي الربع
فلقد حدس أن هناك احتمال أن يصاب أحدهم بمكروه
ولقد فجعه هذا الأمر، ولكن الإصابة جاءت به
وكأنه شعر أن الحياة لم يعد فيها ما يستحق أن يعيش من أجله منذ أن غلّقت ياسيّته الأبواب دونه.
تذكرت جدّتي امّ احمد رحمها الله، كنت اذا هاتفتها ترد العمّة اليازية أحيانا، مرحبّة بالهاتف العزيز، وعندما اطلب السلام على ام احمد، تهتف العمّة منادية ام احمد: يا يعقوب، يوسف على التيلفون، وكنت اذا جئتها زائرا أبادرها بابيات ابن عتيج في قصيدة حمدان لأعتذر عن تقصيري وغيابي الطويل:
واللي تحبه باطنيّ وظاهر تسمح ولو هو من جداك يعيل
وتغفر زلاّته ولا تطريها ويكون له طرف العيون كليل
وكانت رحمها الله تستعيدني الأبيات مرارا والفرح يغمر المكان.
  http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_article_indetail.php?articleid=119