Tuesday, March 19, 2019

ليوناردو دافنشي: رحلات العقل - 3 - عذراء الصخور





ليوناردو دافنشي: رحلات العقل

3-عذراء الصخور
لقد كانت الثمرة الملموسة لعلاقة ليوناردو بالإخوة آل دي بريديس هي اللوحة الجميلة والغامضة المعروفة باسم عذراء الصخور، (Vergine delle Rocce) [اللوحة 11]. وجزءٌ من غُموضها يَكمُنُ في جوهرها - صعوبة المزاج، وغَسَقِيَّة الألوان، وتفرّد الرمزية- لكن اللوحة غامضة أيضاً على مستوىً تأريخي. فهي تتمتع بتوثيق مُكثَّف، ولكن ما ترويه الوثائق حكاية أكثر تعقيداً وتناقضاً. فاللوحة تتألف من نسختين متمايزتين، متشابهتين، ولكن هذا الشبه لا يرقى لمرتبة التطابق، وعلاقتهما على وجه الدقة موضع خلاف. فرأي المجمع يقول بأنّ نسخة اللوفر هي الأقدم، إذ يعود تأريخها إلى 1483-1485 للميلاد، وأنّها ليونارديّة محضة بالضرورة، بينما النسخة الموجودة في المعرض الوطني بلندن فهي التي رُسمت لاحقاً، بريشة أمبريغو دي بريديس وليوناردو، بيدَ أنّ مدى حداثة اللوحة يعتمد على تفسير المرء للوثائق.
البداية، على أية حال، تبدو أكثر وضوحاً. فقد تمَّ التكليف برسم اللوحة بناءً على عقد مؤرخ في 25 أبريل 1483م، وقد حُرِّر على يدِ كاتب عدلٍ يُدعى انطونيو دي كابيتاني.  وقد اُستعيدت هذه الوثيقة من المحفوظات قبل قرن من الزمان، وهي أقدم السجلات التي توثِّق لوجود ليوناردو في ميلانو. فالعقد بين ليوناردو-" magister Leonardus de Vinciis florentinus' "- وإيفانجلستا وأمبريغو دي بريديس من جانب، وجماعة دينيَّة تُدعى أخوية الحَبَل بلا دنس من جانب آخر. والتكليف كان لصنع أنكونا (لوحة مذبح مُقوَّسة من الأعلى) لتزيين معبد الأخوية في كنيسة سان فرانسسكو الكبرى. وقد كان هذا العقد فخماً: تأسست كنيسة سان فرانسسكو الكبرى على يدِ آل فيسكونتي في بدايات القرن الرابع عشر، وكانت أكبر كنيسة في ميلانو بعد الكاتدرائية. (تَدَمَّرت في 1576، وتقوم في موقعها الآن ثكنات غاريبالدي).
وقد كانت الأخوية، بسبب جميع فِخَاخِها المقدسة: نادٍ متماسك من العائلات الميلانية: آل كوريو، آل كازاتي، آل بوتسوبونيللي، وآخرين.
وكان على الرسامين إنتاج ثلاث لوحات ملونة: لوحة مركزية طولها 6 أقدام، وعرضها 4 أقدام، ولوحتين جانبيَّتين أصغر حجماً.
وقد كانت الأبعاد مُحَدَّدة، نسبةً لضرورة مناسبة اللوحات لإطارات خشبية مُعدَّة مسبقاً، وقطعة فصَّلها بدقّة النحات جياكومو ديل ميانو، منقوشة بأسلوب الحفر الغائر. وتعهَّد الرسامون، أيضاً، بتلوين وتذهيب الإطار، والقيام بأية إصلاحات قد تكون ضرورية للوحة. وبمقدورنا أن نخمن التوزيع المحتمل للأعمال: إنفانجلستا بمهنته المعروفة المحصورة في عمل المنمنمات، وسوف يقوم بتزيين الإطار، ورسام المجلس والذي سوف يهتم باللوحتين الجانبيتين، وسيُنَاط بالمعلم الفلورنسيّ القطعة الوسطى.
وكان الموعد النهائي لتسليم اللوحة هو الثامن من ديسمبر، يوم عيد الحَبَل بلا دَنَس: موعدٌ قريبٌ جداً، أقلَّ من ثمانيةِ أشهر. أما الأجر المُقَدَّم مقابل تنفيذ اللوحة فقد كان 800 ليرة في الأول من شهر مايو عام 1483م، ثم صار 40 ليرة في الشهر منذ يوليو 1483م. وبما أنّ الموعد المضروب لتسليم اللوحة كان في ديسمبر 1483م، فإنّ ما يربو على نصف مستحقاتهم سيُدفَع بأثرٍ رجعيّ؛ وقد كان لهذا العقد الجَرَس البغيض ذاته الذي كان لعقد ليوناردو مع إخوة دير سان دوناتو الخاص برسم لوحة التبجيل.
هذه هي بداية القصة، ولكن، من لحظة الوضوح التام هذه- وثيقة مؤرخة، عبارة عن اتفاقية صريحة- تتحول المسألة، بسرعة، إلى واحدةٍ من سُدُم المجهول الليوناردية الأكثر شهرة. 
دون شك، تمخضت لوحة عذراء الصخور عن هذا التكليف، ولكنها اختلفت إلى حدٍّ غريب عن المواصفات التي وَضَعها العميل. فوفقاً للعقد، ينبغي أن يُظهِر الجزء الأوسط: العذراء والطفل مُحاطَيْن بزمرةٍ من الملائكة، واثنين من الأنبياء، بينما تُصَوِّر الأجزاء الجانبية، في كلٍّ منها، أربعةً من الملائكة  يُغنّون أو يعزفون على آلةٍ موسيقية. وبخلاف العذراء والطفل، لم تَفِ لوحة عذراء الصخور بأيٍّ من تلك المتطلبات، والتي كانت تحتوي على صورة ملاك واحدٍ، وخَلَت من الأنبياء عدا الطفل يوحنا المعمدان الذي لم يكن رسمه مذكوراً في الاتفاقية. وقد شاب النقصُ الأجزاءَ الجانبية من اللوحة أيضاً، إذ لم يَزِد عددُ الملائكة في كلٍّ منها على واحدٍ. 
والسبب الوحيد المحتمل لحدوث هذا الاختلاف، بين اللوحة ومواصفاتها المتفق عليها، هو أنّ ليوناردو قد شَرَع فعلاً في رسم اللوحة، أو نسخةٍ ما منها، قبل أن يكلَّف بذلك؛ وأنّه قد استمر في عمله دون اعتبار لتفاصيل العقد. ويَعتَقِد كينيث كلارك أنَّ لوحة عذراء الصخور الموجودة في متحف اللوفر كانت قد بدأت في فلورنسا بالفعل، بينما كان يشرع في لوحة ليتا مادونا.  فللوحة مزاج فلورنسي حقاً: في جمال الوجه، وحركة الرأس، والشعر الطويل ذي الخصل المستديرة؛ السيدة والملاك ما زالا يحملان الطابع الفيروكيّ. ولكن هذا الأمر متوقعٌ بأيِّ حالٍ في الحقيقة سيتوقعه العملاء الميلانيون، الذين اختاروا ليوناردو بالتحديد لأنّهم رَغِبوا في شيءٍ يحمل الأسلوب الفلورنسي الرفيع  والنسخة الأحدث، نسخة لندن من اللوحة ذات مزاج مختلف جداً. إنّها أشد تجهماً؛ في الوجوه شحوب، ولمعة شمعية، وما فيه من جمالٍ يبدو أشدَّ توحداً وحزناً وتكلّفاً. فإنْ كانت نسخة باريس شَفَقِيَّة في ألوانها، فهذه النسخة تحمل جانباً أصعب من ضوء القمر. وإضافة الهالات - غائبة تماماً في النسخة الأولى كما هو الحال في جميع سيدات ليوناردو الفلورنسيات - يبدو كشرطٍ مذهبيٍّ من الأخوية. 
فالعلاقة بين هذين العملين ما زالت غامضة، ولم ينكشف هذا الغموض حتى بعد ظهور سلسلة من المستندات الرسمية ذات الصلة، والتي هي مثيرة للجدل في الغالب. كان أحدثها يعود إلى 1508م، أي بعد خمسةٍ وعشرين عاماً من التكليف الأصلي. وهي تُبَيِّن أنَّ الفنانين قد سَلَّموا العمل بالفعل حوالي عام 1485م، ولكن كان هنالك نزاعٌ حول الأجر. وقد ظَلَّت هذه المسألة دون حلٍّ وفي حوالي 1492م وجَّهَ ليوناردو وأمبريغو دي بريديس التماساً للودوفيكو سفورزا، مستعينين به في الحصول على أجورهما من الأخوية.  وُصِفت اللوحة بذلك الاقتضاب المدهش في الوثيقة الرسمية بأنّها "la Nostra Donna facta da dicto florentino"  - السيدة التي رسمها المدعو الفلورنسي" فنعلم أنهما طلبا أجراً معدّلاً يبلغ 1200 ليرة، مدّعييْن أنّ مبلغ الثمانمئة ليرة الذي قبضاه، بمقتضى العقد، يفي بالكاد بأجر العمل على الإطار وحده. وقد استجابت الأخوية فعَرَضَت عليهما مبلغاً زهيداً لا يتجاوز مائة ليرة. فهما الآن يطلبان أجراً عادلاً، أو الأذن باستعادة اللوحة، والتي قد تلقيا عرضاً لشرائها من جهةٍ أخرى. وذِكْر مشترٍ محتمل للوحة هنا ربما يحمل إشارةً ما؛ هل كان الشخص المهتم ليس سوى لودوفيكو نفسه؟ وهل كانت عذراء الصخور هي اللوحة أو زينة المذبح غير المسماة التي أرسلها كهدية زواج لإمبراطور ماكسميليان في 1493م في مناسبة زواجه من حفيدة لودوفيكو بيانكا ماريا؟.
وربما أشار تعليق في أول سيرة لليوناردو على الإطلاق، وهو الرسم التمهيدي الوارد في كراسة انطونيو بيلي إلى أنها كانت كذلك: "لقد رسم لوحة مذبح للورد لودوفيكو لورد ميلانو، والتي يقال إنّها أجمل لوحة قد تتسنى لك رؤيتها. وكانت قد أُرسلت من قِبَل هذا اللورد إلى ألمانيا، إلى الإمبراطور". وعذراء الصخور ليست هي قطعة المذبح الوحيدة المعروف أنّها رُسمت في ميلانو. ولم تكن بالفعل قد "رُسمت" من أجل لودوفيكو، كما يعتقد بيلي، ولكنها ربما بِيعت له من قبل الأخوية في 1492 أو 1493، وأُرسلت كهدية إلى ماكسيميليان. ووجود أمبريغو نفسه في المجلس الإمبرطوري في إنزبورغ في ذلك الوقت يضفي على هذه الرواية مزيداً من المصداقية.  
وإرسال اللوحة إلى بريطانيا ربما يُفَسِّر أيضاً الكيفية التي وصلت بها اللوحة إلى اللوفر. فبعض أعمال ليوناردو في اللوفر وصلت إلى فرنسا مع ليوناردو نفسه في 1516م، ولكن ليس هنالك ما يشير إلى أنّ "عذراء الصخور" كانت واحدة منها. ويجوز أنّها هاجرت من مجموعة هاسبورغ إلى فرنسا في عام 1528م أو بعده، عندما تزوجت إليونورا حفيدة ماكسيميليان من فرانسوا الأول، ومن ثم إلى اللوفر. بيد أنّ وجود اللوحة بفرنسا بحلول عام 1625م كان أمراً لا شكَّ فيه، عندما رآها كاسيانو دال باتسو في مدينة فونتاينبلو. 
وتتضمن هذه النظرية تبريراً لوجود نسخة ثانية من اللوحة: نسخة لندن. فهي عبارة عن بديل، نسخة رُسمت للأخوية لتحل محل اللوحة التي بُعثت إلى الإمبراطور. وفي ظل هذه المعطيات يفترض أنّ ليوناردو قد بدأ في رسم نسخة لندن في وقت ما بين 1493م و1499م، وهو التأريخ الذي غادر فيه ليوناردو مدينة ميلانو، ومن المرجح أنّها هي اللوحة المشار إليها في دعاوى 1503-1508م وليست نسخة باريس. وربما يدعم الرسم الجميل بالطبشور الأحمر لطفلٍ في تشكيلٍ جانبيٍّ في وندسر هذا الموعد، والذي يحلّ، بالضبط، محل المسيح الطفل في نسخة لندن، وهو ذو أسلوب في الرسم يتطابق كثيراً مع أسلوب أواسط تسعينيات القرن الخامس عشر.  
وتُعَد لوحة عذراء الصخور واحدة من أكثر لوحات ليوناردو غموضاً. فسرعان ما تنجذب العين إلى رقصة الأيدي الاستثنائية تلك في مقدمة اللوحة: يد الأمّ التي تؤوي، ويد الملاك التي توميء، ويد الطفل التي تبارك. 

المسيح الطفل والملاك من عذراء الصخور اللندنية (إلى اليسار)، ودراسة بالطبشور الأحمر لرأس وكتفي الطفل.
ولأنَّ المشهد الوعر هو الذي يعطي اللوحة اسمها، فيُحتمل أن تكون هنالك عناصر مشتركة مع لوحة المهد لفيلبو ليبي، التي هي في برلين الآن، ولوحة تبجيل المجوس لموتينا، والمرسومة في مطلع ستينيات القرن الخامس عشر لغونزاغا مانتوفا. وتشتمل هاتان الاثنتان على موقعٍ متخيلٍ للمَهد؛ مثل كهفٍ صغيرٍ في الصخور. بيد أنّ لوحة ليوناردو تُصوّر لقاء المسيح الطفل بالقديس يوحنا، والذي يُفتَرض أنَّه قد تمّ أثناء رحلة هروب العائلة المقدسة من مصر. (لا يَرِدُ ذكر هذا اللقاء في الإنجيل، بل في الإنجيل الأبوكريفي للقديس جيمس). والصخور هي لوحة للبرّية والصحراء (الأخيرة في قاموس النهضة: مكان غير آهل، أو مهجور). 
وهذه اللوحة الساكنة لا تخلو من تلميح لقصة: كانت العائلة المسافرة تستريح، والغسق يهبط بحلكته، وسوف ينامون هنا في هذه المغارة الحانية رغم وعورتها. ولقد ذكرتُ آنفاً رمزية الكهف [caverna]، والتي تَرِدُ في ذلك النص المُفعَم بالقسر الذي يعود إلى عام 1480م، والموجود الآن ضمن نصوص مخطوطة أرونديل: يُظهر الرسم "شيئاً رهيباً"  في جوف ذلك الكهف المعتم. وهنا نستشعر، كما لو كنا نرى، معنى الكشف. نقف إلى حدٍّ ما في موطئ قدمي راوي ذلك النص، والذي "كان يتسكع في درب شاقةٍ بين صخور كئيبة"، ووقف الآن لبرهة قليلة: "وصلت إلى فم مغارة عظيمة، والتي أقف أمامها بعض الوقت، مشدوهاً...".
ويُقَلِّل هذا الطيف من الزهور البرية المرسومة بدقة فاتنة بسِمَات لها دلالتها الدينية من قيمة التجاوب مع المشهد الطبيعي، وما يشتمل عليه من صورة تعبّدية. فزهرة الحمامي (Aquilegia vulgaris) إلى يمين رأس العذراء، والتي يُشيِر اسمها الشائع إلى حمامة (colomba) الروح القدس، أما فوق كفِّها الأيمن بالضبط فنجد أنواعاً من عشبة مريم المعروفة في اللغة الإنجليزية باسم "عشبة سيدتنا"، والتي لها صلة وثيقة بالمعلف. أما تحت قدم المسيح الطفل فعشبة بخور مريم، والتي تجعلها أوراقها الأشبه بشكل القلب شعاراً للحب والإخلاص، ولدى ركبته نويرات زهرة الربيع، وهي شعار الفضيلة (كما في منحوتة فيروكيو للمرأة ذات باقة الزهر). والنبتة المعروفة الأخرى التي ترى أسفل القديس يوحنا الراكع هي شوكة اليهود (Acanthus mollis) وهي تُزرع منذ قديم الزمان فوق القبور، ولطالما اُعتبرت رمزاً للقيامة نسبةً لنمو أوراقها الخضراء اللامعة السريع في الربيع. وفي اللوحة أيضاً، في أفاريز الطريق الصخري، نجد نبات العرن، أو عشبة القديس يوحنا، ونقاطها الحمراء الصغيرة على البتلات الصفراء تُمثِّل دمَ القديس يوحنا المستشهد.  هذه الصلات الرمزية كانت جزءاً من الثراء البصري الذي يضعه الرسام في متناول الفئة المثقفة من جمهوره، ولكن تؤكد دقة وعاطفية اللوحة هنا أيضاً على أنَّ هذه النباتات حقيقية، وأنَّ ما نراه ليس سوى طبيعة مادية الصخور والأحجار والنباتات في حالة تحوّل روحي.  والشخصية المركزية للمشهد هي العذراء التي تتجه إليها أخوية الحَبَل بلا دنس بالتبجيل والتعظيم، ولكنها هي الأخرى، في بعض صفاتها، تُمَثِّل التجسد الأنثوي للطبيعة "عشيقة كل المعلمين" والتي كان ليوناردو –بشكل أكثر تحديداً- مخلصاً لها.  

------------------------------------------------
 ليوناردو دافنشي: رحلات العقل
تأليف: تشارلز نيكول
ترجمة: أميمة حسن قاسم
محاولة استعادة شيء من ليوناردو الإنسان هي مهمة هذا الكتاب- ذلك هو، ليوناردو الإنسان الحقيقي، الذي عاش في وقت حقيقي، وأكل أطباقاً حقيقية من الحساء، مقابل ليوناردو الرجل الخارق، متعدد التخصصات.
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها  قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من كتاب ليوناردو دافنشي: رحلات العقل | تأليف: تشارلز نيكول | ترجمة: أميمة حسن قاسم
وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في جوجل بلس نأمل أن تحوز إعجابكم وأن تكون مساهمة في #نشر_المعرفة
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا 
(جميع الحقوق محفوظة)

No comments:

Post a Comment