Showing posts with label Regional. Show all posts
Showing posts with label Regional. Show all posts

Saturday, December 10, 2016

لغة «الرمل» ولغة «الماء»


حللتُ في الجناح رقم 52 في قصر الباور، والاسم يعود إلى أسرة عريقة تتحدّر أصولها من ألمانيا، تواجهني وأنا مقبل إلى فنائه الداخليّ ساحة، وفي الجانب طريقٌ معبّدٌ بالماء.
 أما الساحة فهي خليج داخلي يُطلق عليها: القنال الكبرى. وهي ذاتها التي سبح فيها بايرون.
صحوتُ بعد قيلولة أثيرة وناعمة على حداء ملاحي قوارب القناة، ولقد كان اقرب إلى حداء العيس منه إلى حداء الجندول، بل يمكنني القول أنه أقرب إلى الرمل منه إلى الماء.
 ولقد شقّ عليّ أن أدرك بعد خطفةِ إصغاءٍ أن الراكب لا يدرك حداء الحادي وشعره ولا الحادي يدرك لغة الراكب. كان الأمر شبيها بحوار «المتنبي» مع بائع البطاطيخ.
 وأنا في غمرة حداء لا ينتمي إلى نفسه تذكرت حكاية سردها صديقي بو مصبّح عندما استقلّ طائرة وكان يجلس إلى جانبه رجل يراه لأول مرّة.
استدار الرجل ببعض جذعه ناحية (أبو مصبح) وسأله: من أين الأخ؟
فأجابه: من «الإمارات»، ثم سأل أبو مصبح الرجل باقتضاب: وأنت؟
فأجابه وقد فغر فاه دهشة: أنا؟ ألا تعرفني؟
 فأسقط في يد (بو مصبح) وقال: أن سؤال الرجل أحرجني، فأنا أعرف الرجال في بلدي من الخرّان إلى السلع، أما هذا الرجل الذي تضاعف حجمه وعدّل من جلسته لمرات بانتظار أن أنطق بمعجزة أسمه جعلني أعود بذاكرتي وأنبشها بقسوة: يا تُرى من هذا الرجل؟..، فقلت في نفسي لعلّه أحد الموظفين الإداريين في المنطقة الغربية ولم أنتبه لوجوده بشكل يجعلني قادراً على معرفته بمجرد النظر إليه، أو ربما أحد العاملين بمحطة بترول أدنوك ولابد أننا كنا نتبادل مجاملات سريعة عندما أتوقف في المحطة لملء خزان الوقود، ثم استقرّ رأيي على ذلك وأردت أن أخبره بالأمر.. فبادرني الرجل قائلاً وهو يحتفظ على سحنته بمزيج من الرجاء والإحباط: أنا «وديع الصافي». يقول بومصبح: وما أن نطق اسمه حتى شعرت بخجل مضاعف فأنا لم اسمع بوديع الصافي من قبل أبدا...
تذكرت هذا كلّه، وأنا أستيقظ على حداء ملّاحي الجنادل في #البندقية، فلقد هجروا قواربهم منذ أن بلغ بايرون الجهة الأخرى من القناة ومنذ أن أصغى جوته إليهم وهم يردّدون أشعار تاسو بحداء الماء الذي يشبه النحيب.
لقد هجروا كل شيء وتركوا خلفهم مادة غيابهم ليشغلها الغرباء بلغة الرمل وحداء العيس.
لقد كان #جوته آخر من قبض على جمرة حداء جنادلة البندقية وأصغى إلى نحيب أرواحهم وضربات  مجاديفهم في الماء، ومع كل ضربة كانوا يقطّرون أرواحهم غناءً. ولقد وصفهم في رحلته وصفا جميلا.
أما الآن فأفواج السيّاح من اليابانيين والكوريين والهنود والآسيويين بعامة لا يميّزون بين أغنية (يشلها) أحمد الكندي وبين أخرى يرسلها (ديميس روسس).
لم يعد في وسع القوم التفريق بين عرس البندقية العظيم وبين ما آلت إليه أحوال هذه المدينة.
هذه الأمور مجتمعة تذكرني أيضا بالإشكالية التي نواجهها يوميا مع أفواج السياح ممن يختزلون الصحراء وثقافتها وعمقها وحيواتها بالجَمَل وحده، وهم لا يميّزون بين الناقة والبعير ولا بين أنواع الإبل، فيكون اختزالهم للفكرة منقوصا أيضا. فكلّ ما يريدون أن يخرجوا به من سياحتهم هذه هي تلك الصورة البائسة التي تجمعهم بالناقة وجمّالها الآسيويّ والذي لا يقلّ عنهم في الغالب جهالة.
 في هذه الأيام، لم يعد الحداة من البنادقة، ولم يعد هناك من سمع منهم بتاسو وشعره، ولو عاد جوته اليوم لأحزنه ما آل إليه الحداة وما آلت إليه أغاني الشاعر؟
 لقد ذكر أنه طلب من حادي الجندول أن يغنّي له شيئا من تاسو، فماذا لو قمت أنا بالأمر ذاته وسألت أحد حداة الجندول أن يغني شيئا لتاسو وأريوستو؟
 قال جوته: جلست على مقعدي في الجندول وكان القمر قد بزغ، وطفق مغنيان، أحدهما يجلس عند القيدوم والآخر عند الدفة، يترنمان بالقصيد تلو القصيد تناوباً. وان النغم الذي نعرفه من روسو يقع وسطا بين الحوار المغنى وتراتيل الكورس، ويمضي دوماً بايقاعات زمنية واحدة دون ضربات محددة. وان انتقالات المقام هي من الصنف ذاته، ويغير المغنون طبقة الصوت تبعاً لمحتوى الشعر في نوع من الترنيم. لن اخوض في مسألة نشوء وتطور هذا الضرب من الانغام. حسبي القول انه المثال الملائم لشخص يغني خالي البال مع نفسه، مكيفاً النغم مع القصائد التي يحفظها عن ظهر قلب.
قلت: ولكن الغالب على ملاحي اليوم يجعلني أفكر بملاحي العالم السفلي في حضارات العالم القديم، فليس هناك من علاقة بين الجندول وحاديه، فلقد انقطعت وولى زمانها وهو أمر يبعث على الحزن، وهؤلاء عالة على ثقافة البلاد، أما السيّاح فهم يغذّون بسطحيتهم الجهل بالجهل حتى يصبح مركّبا فتضيع ملامح الحالة الأولى، أو الحالة الأصلية التي كانت تبعث تاسو من موته في كل مرة تسيل حناجر الحداة بأشعاره، إنهم بتعبير آخر يفرّغون الجسد من روحه ويتركونه ملقى جثة هامدة.
 السياحة هنا تُعدّ عامرة، ولكن في الغالب يكون الجسم الأكبر من السياح هم من المعسرين ممن يزدردون من الطعام ما يقيم أودهم وليس ما يحملهم على سبر أغوار المطبخ الحقيقي لهذه المنطقة، وكان هذا سبباً في فرض ذائقتهم على أرقى مطاعم البلد.
أما الضالعون بالبندقية فهم من القلة، والبندقية في هذا الأمر أقرب إلى الأوبرا وتراثها منها إلى أي شيء آخر، فقليلون فقط من يمتلكون الدراية اللازمة لتفكيك عناصر هذا العالم وتحويلها إلى جمال مطلق.

Friday, December 2, 2016

«رحلة إلى الإمارات: خواطر وارتسامات» لــ «سليمان القرشي»*

 
*جزء من رحلة للدكتور سليمان القرشي، الذي شارك مع د. سعيد الفاضلي في تحقيق الرحلة العياشية والتي نشرتها دار السويدي للنشر في مجلدين كبيرين قبل بضعة أعوام. وكان القرشي قد فاز بجائزة ابن بطوطة لأفضل عمل محقق في أدب الرحلات عام 2002 .
«كنت حريصاً على ارتداء الزي التقليدي المغربي، أثناء حفل تسلم جائزة ابن بطوطة، ولعل هذا ما جعل السيد سفير المملكة المغربية يتعرف عليّ بسهولة؛ ليهنأني بدبلوماسية رفيعة ولباقة عالية على الجائزة، وليسألني بعدها عن شخصي ومشاريعي المستقبلية في مجال البحث والدراسة.
ولقد استوقفني هذا عند علاقة الزيّ بالهويةظن وتساءلت للحين عن مصير اللباس في ظل العولمة!. كما أنّ روح صديقي الراحل الدكتور/ سعيد الفاضلي كانت تتأبطني، أحسست بها بقوة، واحترمت وجودها، وأعلنته للجميع من خلال الحديث المسهب عنه.
في دارة السويدي، وبحضور جمهور نوعي، تم الحديث أولاً عن مشروع #ارتياد_الآفاق وبرامجه وآفاق عمله، قبل أن يتم تسليمنا الجائزة، وخلال الكلمة التي أعطيت لي بالمناسبة، تحدثت كما يتحدث جميع المثقفين حين تتاح لهم الفرصة، طلبات وأمنيات وأحلام ومشاريع تتدفق مسابقة الزمن.
وأنا أتجول ببصري في رحاب الإقامة الودودة للسويدي، وأستمتع بدفء الحضور وحرارة الاستقبال، رددت بيت الشاعر الأندلسي الأعمى المخزومي بشيء من التحوير والتدوير:
"دار السويدي زي أم دار رضوان ما تشتهي النفس فيها حاضر دان".
كانت مداخلتي مبرمجة ثانية في اليوم المخصص لتقديم الأعمال الفائزة بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي بعد مداخلة الأستاذ/ شاكر لعيبي، كان وصولنا إلى #المجمع_الثقافي قبل الجميع، وخلال الهامش الزمني الذي سبق انطلاق الندوة عملنا على اكتشاف أروقة المجمع الزاهية وأجنحته الباهية، حيث تستعيد القراءة طقوسها المقدسة، ويغدو الجمال محتضنا لجميع الحواس، بحث شاكر لعيبي خلال هذه الجولة القصيرة عن مكان ليطلق فيه لسيجارته العنان، فلم يكن غير مدخل البناية العملاق حلبة لهذا التجاذب بين الإنسان والدخان، وفيما راح الدخان يسرح بحرية في الفضاء، كنت أسترجع العناوين الصادرة عن المجمع، وأستحضر من خلالها فعل الكتابة الأندلسي وفعل التحقيق المغربي وفعل الطباعة والإخراج المشرقي، تزاوج علمي رصين أثمر مجموعة من العناوين التي اتخذت حللاً زاهية تليق بمكانة الكتاب العربي وتحببه للقراء المفتقدين.
وفيما كانت صرامة الشاعر / نوري الجراح وهو يسير الجلسة تقف حاجزاً دون أسئلة عبد الله الحبشي التي أمطرت في اتجاه شاكر لعيبي، كنت أبحث عن الشاعر الموريتاني/ محمد ولد عبدي؛ لأجيبه عن سؤال حول مدى تأثير المذهب المالكي في تشكيل نظرة أبي سالم العياشي ـ صاحب الرحلة التي قمت بتحقيقهاـ لأهل المدينة المنورة، ولكنه اختفى عن الأنظار فجأة ليظهر ثانية في جلسة المساء ونحن في المصعد المؤدي لقاعة العروض، حاصرته بأسئلتي حول المجمع وطريقة عمله وبرامجه وكيفية التعامل معه وإمكانية النشر فيه...، والسبحة في يده، كان يجيب عن أسئلتي بلباقته المعهودة وصبره الصبور… وعلى أنغام خليجية انطلقت بنا سيارته في المساء لاكتشاف زوايا #أبوظبي، شدني الكورنيش ببهاء أضوائه ولطف أجوائه، أثارني ما ارتسم على صفحة المياه من أضواء، فيما اصطفت بنظام وانتظام على الجانب الآخر أبراج مشيدة تبدو حديثة العهد، وبمطعم لبناني فاخر كان تناولنا للكباب المشكل والتبولة وأكلات أخرى لبنانية كثرت فيها البهارات، وامتزجت فيها الروائح التي تذكر بشرق ألف ليلة وليلة.
انطلقت بنا السيارة بسرعة نحول #جبل_داد الذي حرص الشاعر #محمد_أحمد_السويدي على أن نقوم بزيارته، لدى خروجنا من أبو ظبي كانت معالم الصحراء تظهر تارة وتختفي أخرى، وانطلق صوت بالغناء، كان غناءً عراقياً شد بمواويله انتباه الجميع، وفيما ردد الكل مقاطع معروفة لفيروز، رحت والطائع الحداوي نردد مقاطع من أغنية عبد الوهاب الدكالي:
" ما أنا إلا بشر عندي قلب ونظر..."
لم يتجاوب معنا غير نوري الجراح، بينما راح علي كنعان ينظر نحونا وابتسامته تعلن عما يجول بخاطره من أسئلة عما نقو .. ، فيما راح الصحافي/ أحمد حيدري، يسألني عن كلمات الأغنية كلمة كلمة، ويسأل عن معرفتنا بالأغنية الإيرانية، وعاد الحديث معه مرة أخرى للموضوع ونحن بالشقة التي احتضنته فيها غرفة من غرفها الخمسة.
كان بيت الشاعر العربي طرفة بن العبد:
كَأَنَّ حُدوجَ المالِكيَّةِ غُدوَةً ** خَلايا سَفينٍ بِالنَواصِفِ مِن دَدِ
مؤثراً بشكل كبير في زيارتنا لجبل داد، ونحن الذين ألفنا الجبال وعلوها في المغرب ماذا سنكتشف من جديد هنا ؟.
كانت المدة الزمنية لبلوغ هدف الرحلة تتعدى الساعات الثلاث، لا أخفي قارئ هذه الورقات سراً إذا قلت إني حييت في شاعرنا العربي روحه الشاعرة المرهفة وتخليده شعرياً لهذا المكان أو لنظيره وهو الذي لم يكد يلامس في أحاسيسي شيئاً يذكر ... تذكرت بحثا لي عن علاقة الشعر العربي بالمكان، تذكرت كذلك أني لم أتمم الدراسة، فقر عزمي أن أعود إليها وأستثمر فيها شعر السويدي لكني خجلت أن أسأله إعطائي بعضاً من شعره، فكرم الرجل غمرنا، والمثل الدارج عندنا في المغرب يقول: إذا كان حبيبك عسل لا تلعقه كله.
كثيراً ما كنت أقرأ على مطبوعات مشروع ارتياد الآفاق عبارة "الصف الضوئي:#القرية_الإلكترونية"، فيذهب بي الخيال تحت تأثير الاسم إلى قرية كاملة مخصصة للمشروع، قرية من قبيل القرية السياحية أو القرية النموذجية أو القرية الرياضية أو غيرها من القرى التي نسمع عنها بين الحين والآخر، ولكن قريتنا هذه كانت شقة في برج لعله من الأبراج الأولى في أبو ظبي، شقة تضم أربع حجرات بمكاتب متعددة يشتغل فيها ما لا يزيد عن ستة أشخاص، أيمن حجازي الذي كان ودوداً للغاية، وناصر الذي رسم لي صورة بقلمه في أقل من خمس دقائق، ومحسن خالد الذي يذكرني دائما بشخوص الطيب صالح الروائية، هل لأنه سوادني الجنسية؟. ربما... والذي اختفى بدون مقدمات ولم أره إلا مرة واحدة أثناء مراسيم تسليم الجوائز... ومنذر الذي يتحرك باستمرار ويحرص على ضبط الأمور وتسجيل المواعيد في هاتفه النقال المتعدد الاختصاصات، والمايسترو نوري الجراح، هذه هي #القرية_الإلكترونية التي أخرجت عشرات الرحلات، وهذا هو الطاقم المشرف على هذا المشروع العربي الرائد، تحية إجلال وإكبار لهذه المجموعة التي عانت من أسئلتنا الملحاحة والكثيرة التي لا تحترم وقتاً ولا تراعي غير أنانيتنا الأدبية الضيقة... هنيئاً للشاعر/ محمد أحمد السويدي الذي وفق في إدارة خلية النحل هذه.
د. سليمان قرشي
باحث مغربي، دكتوراة في الأدب العربي
جامعة محمد الخامس بالرباط .

Friday, November 25, 2016

«بسملة» بقلم: محمد أحمد السويدي

 



بمناسبة اليوم الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، يسرنا أن نتقدم بأسمى التهاني بهذه المناسبة الغالية على قلوبنا جميعا، ونهدي قراء الصفحة الكرام مقالة #بسملة للشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي احتفاءً بهذه المناسبة الميمونة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وطني انت
دون قوامك الفارع جنتان
الظهر والبطين،
وعلى صفحة الجبين تشرق شمس المويجعي والجيمي،
ذات صباح ربيعي في أبها حللها
تلكما مهدا طفولتي وملعب صباي
وفي بحيرتا عينيك النجلاوين الصاروي والداوودي فلجين أصلهما من عدن
الحمرا في وجنتيك وبوسمره
وفي الشفتين المعلا ّ فلج كتسنيم التي يشرب منها المقربون
وعلى كشمير العنق تصطف محاضر ليوا
مزيرعة والمارية والشرقيّة وحميم
وليست آخرها حوايا عقد من الزمرّد المنظوم
حوايا هذة زمردّة نادرة شهدت مولد بن عتيق وقد
آثرها بسبيكة شعر من الذهب منها
إمقيّضة غرسة حوايا ماها غدير مثل لفلاج
وعلى تلال النهدين الحويمي والغدير تلك التلال التي طالما عشقتها الشمس
وبينهما ينحدر سيح اليلح العبق برائحة الخزاما
وعلى تضاريس خطوط الزندين فالساعدين فالرسغين
الغريف وحتّا والظفره والجرن والعشوش وفلاح والعذيب
حبّات اللؤلؤ تلك التي زيّن بها بن ظاهر نونيّته الذائعة الصيت
في منعطف الخصر دهان ورماح والختم تلك الإستراحات
التي يستظل بسدرها وغافها العشّاق من وعثاء السفر منذ الأزل
في السـّره عين الفايضه
في المساء تنعكس فيها نجوم السماء
فتخالها سماء مرصعـّة بالنجوم
وفي صفحة البطن عثمر والغويل ودونهما وادي سلام
في هوّة الوادي العميقة تلك
العمير وأم العنبر وأم الفلق ورقـّة محمد وبالخلاخيل
وأم الشيف مغاصات اللؤلؤ والدان التي
ما حلمت بها بلقيس
ودون الخصر قليلا
تطـّل كثبان القفا الحمراء التي لا أمل صعودها والتبّرك بتربتها الكحل وحشيشها الزعفران
وعلى حرير الرّبلة حيث يستطاب اللثم والتقبيل
الهيلي والهير والفقع وزاخر
فخذ زراره الرملي كالعسجد وفخذ الرياض لم اصلّ
على تربة أنقى وأطهر
بينهما الخزنه والقوع حيث سوّا الله عشبن زين لون
تغـّنته الأمم منذ ثلاثمئة عام وما تزال
امـّا السمحة وأم لشطان والسلع و حليبه وشناين
فتنحدر كالزبرجد على رخام الساقين
وعلى مشط القدمين
تسكن ثامل وعثمروالمدام ومزروق
لا أملّ التمتمة بأسماء الجزر المنثورة كحبّات الخال
فعلى الحوض الأيسر مروّح والطويلة والحاله
ودون ذلك على الساق البضّه ابو الأبيض
وعلى الإبهام الأيمن الضبعيّة وعند الكوع بونعير
وعلى عنبر النهد الأيمن أجمل الجزر طرا ّ صير بني ياس
ذات التربة الياقوت
واخيرا
دون أصابع القدم على المصلّى قلب يسبّح بحمدك ويلهج بجلالك
ويتغّنى بهاؤك يا حبيبتي
يا #بلادي
 

Tuesday, November 22, 2016

تهنئة باليوم الوطني الــ45

 

 

 

 


 

بمناسبة اليوم الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، يسرنا أن نتقدم بأسمى التهاني بهذه المناسبة الغالية على قلوبنا جميعاً، إلى أرواح الآباء المؤسسين، وإلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وسمو الشيوخ حكام الإمارات، وسمو أولياء العهود ونواب الحكام، وإلى أرواح شهداء الوطن، وإلى شعب دولة الإمارات العربية المتحدة الكريم.
ونهدي قراء الصفحة الكرام مختارات من مشروعنا المتجدد #مائة_موقع_من_الإمارات، الذي يدونه ويرعاه الشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي، ننشرها تباعاً احتفاءً بهذه المناسبة الميمونة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«السلام عليك يا صاحب القبر»
الجزء الأول

بعد مغامرة قصصت بها خطى "باشو" شاعر اليابان الكبير في رحلته إلي شمال اليابان يرصد تفاصيل الحياة اليومية في القرن السابع عشر ويسجل مشاهداته من بلدة إلى بلدة كالقمر فوق ماتسوشيما إلى صوت الجنادب عند ياماجاتا أو رسوّ القوارب في ميشينوجو او دردشة غانيات في غرفة مجاورة له من نزل في إشيجو.

أجدني مغرى بامر ملك عليّ جميع حواسي، ولم يعد لي شاغل يشغلني سوى الإلمام بقامة كبيرة عاصرت شاعر اليابان هذا أنجبتها أرض الإمارات قبل ثلاثة قرون خلت.

أدرت دفّة قاربي لرأس الخيمة وملأت أشرعته بالريح حيث الشمس المشرقة تومئ اليّ على شواطي جلفار والرمس والندود والدربحانيّة والخور الممتد بين المدينة القديمة والمعيريض.
من العاصمة أبوظبي الى الخرّان ساعات تربو على الثلاث تبعد عن مرقد أحد ملوك القريض الذي ما زالت كؤوسه تدور فيسهر الخلق جرّاها ويختصم.

دلفنا يمنة بعد دخولنا المدينة وسرنا على شارع رئيسيّ بإتجاه الخران ثم آخر فرعيّ وفي مقبرة صغيرة قديمة مسوّرة بدت قبور معضمها بلا شواهد وبضع غافات معمّرة وهناك في الجهة المقابلة للباب الأخضر الصغير وقف شاهدان أشار الصديقان أحمد العسم ووليد الشحّي : ذاك هو القبر.
خلعت نعليّ وسرت مخففا الوطء على أديم الأرض لا تبركا وإحتراما فحسب بل لكي لا يستيقظ النائمون، فهتف بي هاتف يقول:
ونلقى حفرة غبرا المجـــــــال جزى الله من يودّيهاالســــلام

فقلت السلام عليك يا صاحب القبر وسلّم الرفاق.

أفتقد شخصك أيها الأمير وأطلبك فلا تزيدني الدنيا على العدم.

ولو دوّرت في طول الزمان فلا يومن أراك ولا تـــراني

وقفنا على القبر وقرأنا فاتحة الكتاب إنضم إلينا الصديق صلاح الحيثاني والمصوّر راجا والسائق شعيب
ووقفت البنتان اللتان آثرتا زيارة الشاعر مها وشما على بضع خطوات من القبر.

قلت في نفسي إن عزّت رؤيتك ايّها المعلم الكبير فأنت الغائب الحاضر الماثل بوصفك الجزل وحكمتك السائرة
وفلسفتك العميقة. أحدق بالقبر واتلمّس التربة وأتساءل:
اهذا هو المكان االذي اخترته ليوارى فيه الجثمان خوف البلى، فقد أثر عنك ذلك؟
ما بين سيح وساحلن منقادي هناك وين العين طاب منامها

وهذا هو البيت الذي أردت بقولك:
لي ييت في البيت الكبير الواسع لك بيت حقّن ما يزيـــــــد اذراع
لنسان يفرح عنــــد هبطت بيته واذا هبط بيت التراب إرتــــــاع

وهذان هما الشاهدان المتعاتبان الذان لن يصافح أحدهما على طول عهد الآخر
وحطّوا فوقـــــهم متعاتبين اثنينن ما يعرفون الكلامي

أفادني أحمد العسم إن حاكم البلاد قد أمر بتسوير المقبرة لأنهم كانوا قد همّوا برصف شارع
يمرّ على القبر وحسنا فعل. ولكنني ما زلت ممتعظا لحال المقبرة المزرية والمخبوءة في مكان لا يعلمه الناس
فليس ثمّة لوحة إرشادية أو إشارة او كتابة على قبر الشاعر.
كنّا نتجاذب أطراف الحديث في صباح بهئ إذ ناحت ورقاء فالتفت لإدرك مصدر الصوت ولكنني أخطأته:

قلت أكانت الورقاء وهما أو هاتفا أم تلك التى وصفتها بقولك:
وينوح بها ورقن لكن حســوسه حريمن لفاها علم سوّن يذورها
(يخيفها)

كان الصمت مطبقا لولا النسائم العليلة يرسلها ساحل المعيريض والمدينة القديمة والخور بينهما.
جالت كاميرا راجا والتقطنا الصور التذكاريّة. سرت بين القبور معتبرا وابن ظاهر يسرّني:
تزّهي لنا من جهلنا باتشّـــــــــلنا وترمي بنا من ظهرها في قبورنا

أتمتم ببعض سور القرآن على أرواح الآباء والأجداد وأتأمل كم هي بسيطة كلماتك وشجية في آن
في فلسفة الحياة والموت ولكن آه ... ما أسمى اللغة بل هذه الخاتمة في أبياتك التالية:
أرى الدنيا ممرّ بلا مقــــــــــرّ وارى الأرواح آخرها الذهابي
وتاليت الحياة إلا الممــــــــات وتاليت الممات إلا الحســــابي
ثلاثن ما ارى عنهن مطــــاف مؤرختن بآيات الكتـــــــــــابي

حظرني الجدّ خليفة رحمه الله. كنت غضّا عشيّة أغدقت مخايل السماء بمطر غزير.كنّــــا هجّدا
وفي فجر ذلك اليوم إصطحبني للصلاة وعند عودتنا جلس لتناول قهوته الصباحيّة وتأمل متهللا وجه السماء.

وللحديث بقية....

*في الصورة الشاعر/ محمد أحمد السويدي، عند قبر شاعر الإمارات الكبير الماجدي بن ظاهر، بمنطقة الخران في إمارة رأس الخيمة.

تهنئة باليوم الوطني الــ45

 

 
 
 
 
بمناسبة اليوم الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، يسرنا أن نتقدم بأسمى التهاني بهذه المناسبة الغالية على قلوبنا جميعاً، إلى أرواح الآباء المؤسسين، وإلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وسمو الشيوخ حكام الإمارات، وسمو أولياء العهود ونواب الحكام، وإلى أرواح شهداء الوطن، وإلى شعب دولة الإمارات العربية المتحدة الكريم.
ونهدي قراء الصفحة الكرام مختارات من مشروعنا المتجدد #مائة_موقع_من_الإمارات، الذي يدونه ويرعاه الشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي، ننشرها تباعاً احتفاءً بهذه المناسبة الميمونة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
«السلام عليك يا صاحب القبر»
الجزء الأول
بعد مغامرة قصصت بها خطى "باشو" شاعر اليابان الكبير في رحلته إلي شمال اليابان يرصد تفاصيل الحياة اليومية في القرن السابع عشر ويسجل مشاهداته من بلدة إلى بلدة كالقمر فوق ماتسوشيما إلى صوت الجنادب عند ياماجاتا أو رسوّ القوارب في ميشينوجو او دردشة غانيات في غرفة مجاورة له من نزل في إشيجو.
أجدني مغرى بامر ملك عليّ جميع حواسي، ولم يعد لي شاغل يشغلني سوى الإلمام بقامة كبيرة عاصرت شاعر اليابان هذا أنجبتها أرض الإمارات قبل ثلاثة قرون خلت.
أدرت دفّة قاربي لرأس الخيمة وملأت أشرعته بالريح حيث الشمس المشرقة تومئ اليّ على شواطي جلفار والرمس والندود والدربحانيّة والخور الممتد بين المدينة القديمة والمعيريض.
من العاصمة أبوظبي الى الخرّان ساعات تربو على الثلاث تبعد عن مرقد أحد ملوك القريض الذي ما زالت كؤوسه تدور فيسهر الخلق جرّاها ويختصم.
دلفنا يمنة بعد دخولنا المدينة وسرنا على شارع رئيسيّ بإتجاه الخران ثم آخر فرعيّ وفي مقبرة صغيرة قديمة مسوّرة بدت قبور معضمها بلا شواهد وبضع غافات معمّرة وهناك في الجهة المقابلة للباب الأخضر الصغير وقف شاهدان أشار الصديقان أحمد العسم ووليد الشحّي : ذاك هو القبر.
خلعت نعليّ وسرت مخففا الوطء على أديم الأرض لا تبركا وإحتراما فحسب بل لكي لا يستيقظ النائمون، فهتف بي هاتف يقول:
ونلقى حفرة غبرا المجـــــــال جزى الله من يودّيهاالســــلام
فقلت السلام عليك يا صاحب القبر وسلّم الرفاق.
أفتقد شخصك أيها الأمير وأطلبك فلا تزيدني الدنيا على العدم.
ولو دوّرت في طول الزمان فلا يومن أراك ولا تـــراني
وقفنا على القبر وقرأنا فاتحة الكتاب إنضم إلينا الصديق صلاح الحيثاني والمصوّر راجا والسائق شعيب
ووقفت البنتان اللتان آثرتا زيارة الشاعر مها وشما على بضع خطوات من القبر.
قلت في نفسي إن عزّت رؤيتك ايّها المعلم الكبير فأنت الغائب الحاضر الماثل بوصفك الجزل وحكمتك السائرة
وفلسفتك العميقة. أحدق بالقبر واتلمّس التربة وأتساءل:
اهذا هو المكان االذي اخترته ليوارى فيه الجثمان خوف البلى، فقد أثر عنك ذلك؟
ما بين سيح وساحلن منقادي هناك وين العين طاب منامها
وهذا هو البيت الذي أردت بقولك:
لي ييت في البيت الكبير الواسع لك بيت حقّن ما يزيـــــــد اذراع
لنسان يفرح عنــــد هبطت بيته واذا هبط بيت التراب إرتــــــاع
وهذان هما الشاهدان المتعاتبان الذان لن يصافح أحدهما على طول عهد الآخر
وحطّوا فوقـــــهم متعاتبين اثنينن ما يعرفون الكلامي
أفادني أحمد العسم إن حاكم البلاد قد أمر بتسوير المقبرة لأنهم كانوا قد همّوا برصف شارع
يمرّ على القبر وحسنا فعل. ولكنني ما زلت ممتعظا لحال المقبرة المزرية والمخبوءة في مكان لا يعلمه الناس
فليس ثمّة لوحة إرشادية أو إشارة او كتابة على قبر الشاعر.
كنّا نتجاذب أطراف الحديث في صباح بهئ إذ ناحت ورقاء فالتفت لإدرك مصدر الصوت ولكنني أخطأته:
قلت أكانت الورقاء وهما أو هاتفا أم تلك التى وصفتها بقولك:
وينوح بها ورقن لكن حســوسه حريمن لفاها علم سوّن يذورها
(يخيفها)
كان الصمت مطبقا لولا النسائم العليلة يرسلها ساحل المعيريض والمدينة القديمة والخور بينهما.
جالت كاميرا راجا والتقطنا الصور التذكاريّة. سرت بين القبور معتبرا وابن ظاهر يسرّني:
تزّهي لنا من جهلنا باتشّـــــــــلنا وترمي بنا من ظهرها في قبورنا
أتمتم ببعض سور القرآن على أرواح الآباء والأجداد وأتأمل كم هي بسيطة كلماتك وشجية في آن
في فلسفة الحياة والموت ولكن آه ... ما أسمى اللغة بل هذه الخاتمة في أبياتك التالية:
أرى الدنيا ممرّ بلا مقــــــــــرّ وارى الأرواح آخرها الذهابي
وتاليت الحياة إلا الممــــــــات وتاليت الممات إلا الحســــابي
ثلاثن ما ارى عنهن مطــــاف مؤرختن بآيات الكتـــــــــــابي
حظرني الجدّ خليفة رحمه الله. كنت غضّا عشيّة أغدقت مخايل السماء بمطر غزير.كنّــــا هجّدا
وفي فجر ذلك اليوم إصطحبني للصلاة وعند عودتنا جلس لتناول قهوته الصباحيّة وتأمل متهللا وجه السماء.
وللحديث بقية....
*في الصورة الشاعر/ محمد أحمد السويدي، عند قبر شاعر الإمارات الكبير الماجدي بن ظاهر، بمنطقة الخران في إمارة رأس الخيمة.

Monday, November 21, 2016

متحف رجل مكعبات السكر


 

سنذهب في الغد إلى متحف «التيت جاليري» في لندن، متحف الرجل الذي كان وراء مكعبات السكر.
لم أكد أنتهي من كلامي حتى بادرني أحد الأصدقاء مستفهماً: رجل سكّر كان وراء متحف؟
ـ نعم، إنه السيد «تيت» الذي كان في أوّل أمره بقالاً قبل أن تتطوّر تجارته ويثرى جراء صناعة السكر الذي كان بنفسه وراء شهرة مكعباته. عندها بدأ باقتناء الأعمال الفنية، وعندما توفّر على مجموعة كبيرة منها أراد التبرع بها للمتحف القومي الذي اعتذر عن قبولها لعدم وجود مكانٍ كافٍ، فأردف ذلك بتبرعه بمبلغ 30 ألف جنيهاً من أجل بناء مكان لمجموعته. ولم تأخذ الفكرة إطارها الحالي إلا في عام 1955 عندما أصبحت تمثّل وجه بريطانيا. إن بريطانيا تدين ببعض مجدها إلى «رجل مكعبات السكر»، البقال الذي قبض على الخلود بـ «تيرنر» و«بن جونسون»، وليس بحملة جديدة على فرنسا.وعندما أفكر في واقعنا، فلا أرى سوى المحاولات الحثيثة لتبديد الثروات الطائلة، لإعادة اكتشاف مربعات جديدة للسكر. كما أن مفهوم الخلود مرتبط في مجتمعاتنا بالبعد الأخروي والسعي لبلوغه من خلال التوقف حصراً عند إشادة المساجد والربط والزوايا، ولكن هناك خلود آخر يبدو أننا لن نتمكن من إدراكه قبل أن ننتهي من تذويب طنّ واحد من مكعبات السكر في قدح من الشاي قلت ذلك لأصدقائي وأنا أضحك. وربما كان السيد «تيت» يفترّ فمه عن ابتسامة كذلك.
لندن 2015م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*تيت جاليري: متحف بلندن، افتتح عام (1897) وأطلق عليه اسم منشئه وهو السير «هنري تيت»، تاجر السكر والمحسن الكبير الذي تبرع بالمبنى والمجموعة الأصلية. أهمّ المشتملات جناح تيريز الذي أهدى مجموعته سير جوزيف دوفين، وجناح أعمال سير جون سنجر سارجنت، وأربعة أجنحة للفنون المعاصرة الأجنبية.

Monday, November 14, 2016

إنّها من جنود سعد



نحن الآن في سعد الأخبية (منزلة من منازل القمر)، أو كما يُعرف عند البعض بالحميمين
أتجول في متنزّه كاشيني في فلورنسا واسطة عقد إيطاليا، في جو تبلغ حرارته 18 مئوية، لمحت سحليّة اسطنبول الخضراء، إنّها من جنود سعد. ولقد وطّنت نفسي على ارتداء ملابس ثقيلة كلما غادرت خارجا، وها أنا أشعر بالغليان كما لو أن سعد الأخبية دثّرني بأخبيته كلها حتى بدا لي وكأن الحرارة بلغت الأربعين مئوية، فخرج لي طيف جدي خليفة رحمه الله في نخل مزرعته في الجيمي...
قال بجذل وهو يشير إلى شجرة هنبا (مانجو): هنا غرس الولد أحمد (والدي) هذه الشجرة بعد أن رمى بصلّامة (نواة المانجا) مانجو، كانت محض صلّامة، وها هي الآن شجرة باسقة، فكم ظلّلتْ هذه الشجرة طفولتي بأغصانها الوارفة، بيد أنها لم تعد موجودة الآن، فلقد سقطت إثر هبوب ريح عاصفة، وكم أحببت ثمارها، وانجذبت إلى العبق الشذي في الهنبا العماني.
كان جدي خليفة رحمه الله يحبّ والدي ويقرّبه ويؤثره على جملة أولاده ولم يكن يطيق صبرا على فراقه، وعندما دخل الوالد معترك السياسة وأصبح وزيرا للخارجية، لم ينقطع عن محادثة والده بشكل يوميّ، ولكن الهاتف، هذه الآلة التي كانت على أيام جدي بمقبض يأخذ شكل اليد، تجعل الجد رحمه الله يمسك بها كما لوكانت يد والدي ذاته، فيتحدث وهو يوقن أنه ممسك بالشيء الوحيد الذي من شأنه جعل ابنه الأثير قريبا منه، بل ويتشارك معه المجلس نفسه، ولقد ذكر الوالد أن جدي كان أثناء المهاتفة يصمت بين فترة وأخرى، وقد يطول صمته كعادة ما يتخلل المجالس من سكوت، فلقد كان يحدّثه كما لو كانا لا يزالان معا، ولم يبرح المجلس. فالصمت في المجالس يطلق نوعا من الأحاديث الداخلية التي تستكمل الحديث الفعلي، ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فلقد ذكر لي صديق أن شيخين من كبار السن في ليوا جمعهما مجلس، وحانت منهما التفاتة الى التلفاز، وكان يعرض مسلسلا اجتماعيّا، فسأل أحدهما صاحبه: ما تشوفهم ما يسكتون عن الرمسه (الحديث)؟، كيف يوالمهم الكلام؟. فردّ صاحبه: أشهد أنّك صادق، صار الهم ساعتين وهم يهدرون علينا هدار.

في مملكة نبات طفولتنا لم تكن هناك سوى شجرة هنبا (مانجا) وشجرة سدر أخرى كانت تتفضّل علينا بثمرها الأصفر والذهبيّ (النبق). والنبق نوعان أحدهما المحليّ الطيب الطعم والرائحة، والنوع الآخر الذي دخل الأسواق من بلدان أخرى ويكون حجمه كبيرا ولكنه يفتقد إلى ذات الطعم والرائحة اللتان ألفناهما في سدرة مزرعة الجيمي. كما كانت تنتصب بالقرب منهما شجرة ليمون ونطلق عليها (اللوميّة) وكان هناك اليخاخ وهي التسمية المحلية لشجرة الأترنج، ونطلق عليه ترني. وإذا كان لي أن أضيف شيئا من الفواكه النادرة فسوف أدرج الموز، وهو الذي لم أره مثمرا من قبل أبدا، وشجرة اللمبو التي تعدّ من الفواكه بالغة الندرة في طفولتنا.
وأتذكر ما قاله العم سعيد من أن والده أحمد بن خلف جاء بالصرم من البصرة في سفنه، ولقد كانت أبو ظبي في تلك الآونة جزيرة قاحلة، أما اللوز البنجابي الذي ينتشر في أبوظبي وباقي الإمارات الآن، فوجوده حديث عهد، وأصبح طعمه مختلفا عما عهدناه في تلك الأيام، فهو يتخذ مكانا بين الردئ والأردأ، والقليل منه فحسب ذو مذاق طيب، وهو مبتلى بآفتين، أولاهما أنه سريع التفسّخ، وآفته الأخرى هي الديدان، إلا تلك الشجرة التي لازالت تمدّ جذورها في ذاكرتي، وهي في قصر الحصن، وكنا نقصدها أنا وأخي ناصر وخلف سيف سالم وثلّة من الأصدقاء كقبيلة من الجن بعد انتهاء اليوم الدراسي، فنرابط على باب القصر وماهي إلا برهة حتى يفتح الحرس الباب، فلقد كان والدي رئيسا للديوان الأميري، فأشرع بتسلّقها ومعي أخي ناصر وخلف الذي كان يردّد : هذه مقاطعتنا، ولم أذق أعذب ولا أطيب طعما منها، وهي كذلك لم تعد موجودة.
وكلّما تداعت إليّ تلك الأيام، أدعو لها بالسقيا وأردّد قول الشاعر:
سقى الله أيام الصبا ما يسرها ويفعل فعل البابليّ المعتق
أسير في متنزّه الكاشيني في فلورنسا ولقاح الأشجار الباسقة يرتفع في الجوّ وعلى الطريق كندفٍ من الثلج، هو ذات المشهد الذي صوّره المخرج العظيم فلليني في روما ذات يوم، وهو المشهد الذي دفع الأقدمين إلى الإعتقاد أن عشتار ربّة الخصب هي التي وراء هذا الطقس الأزلي للطبيعة، فأقاموا لها عيدا فيه وأسموه عيد عشتار، لقد سلبت الكنيسة (وهذا دأبها مع باقي الأعياد) عشتار عيدها فصار الإيستر هو عيد قيام المسيح.

Saturday, October 8, 2016

جولة في لندن









تبدأ جولتي من فندق الرتز، مروراً إلى قلب الغرين بارك، التي تقع فيها إحدى محطات مترو أنفاق لندن وتحمل اسمها. افتتحت في 15 ديسمبر 1906. وفي جولتي هذه أطوف حول نافورة البرونز ( لتوأم أبولو، ربّة الصيد والقنص والحيوانات الضارية، ديانا وكلبها، الصيادة العذراء الأبدية... )
ثم مررت على النصب الذي أقيم لتخليد جنود الطيران وقاذفات القنابل الذين قضى منهم 55 ألف في مقارعة طائرات الألمان التي كانت تعبر بحر الشمال لترمي حممها فوق لندن.
ثم أعبر قوس ولنغتون الذي يخلّد دوق ولنغتون آرثر ويليزلي قائد الجيش البريطاني في معركة واترلو الفاصلة في 18 يونيو عام 1815م في قرية واترلو قرب بروكسل ، ولقد كانت هزيمة الجيوش النابليونية من المرارة بحيث أصبحت كناية متداولة عند الإنجليز إذا ما عانى أحدهم حظا سيئا فيقولون (بأنه وافق واترلو).
وفوق القوس هناك نصب برونزي يمثّل عربة الحريّة، وهو أضخم نصب برونزيّ في أوروبا كلّها، كما مررت على نصب حاملي المدافع الرشّاشة، حيث يقف تمثال برونزي جميل وكأنه تذكير بخطوات الموت غير المنظورة التي كانت تجوس بأقدامها مدينة المحاربين لندن.
وبعد ذلك أجدني بمواجهة المدوّنة على فندق اللانزبرو، وهي في الأصل الكتابة التي مكثت على مستشفى القديس جورج، التي افتتحت كمستشفى عام 1733؛ قبل أن تتأسس كلية للطب عام 1834 وأدمجت بالمستشفى عام 1868.
نقّبت عن أصل مفردة ( جورج ) فوجدت أنها تطلق على الحارث، وهذه اللفظة تختصر في العربية أو بعض من لهجاتها إلى (حارِ).

الخريف ينثر ذهبه، يا لها من سجّادة ملوكيّة للطبيعة تبهر الروح، وفي هذه البرهة يبزغ أمامي صفٌ من أشجار الدّلب، وكان لا يزال مزمّلاً ببقيّة من عباءةٍ خضراء. ثم أبلغ في جولتي نافورة الحياة، ومن ثم السبيكر كورنر حيث يضطرب جنباها في كل يوم أحد بخطبٍ ومطالبات مرتجلةٍ، وها أنا من مكاني هذا أرى رجلاً آسيويّاً بلحية كثّةٍ، ما إن وقع بصري عليه حتى تذكرت السائق ياسر، فكأنهما تحدرا من أب واحد أو لحية واحدة.
أعبر ساحة الماربل آرش حيث كان يتم فيها تنفيذ أحكام الإعدام. ومن هذا المكان تتفرّع طرقٌ عدّة وهو أمرٌ حيويّ في لندن، فطريق أكسفورد العريض المعشّق بأشهر أسماء الدور التجاريّة، وشارع الباركلين يقودك إلى أكثر فنادق المدينة شهرةً وهي تقف بأقدامٍ عملاقة على جانبيه.
ثم شارع أجوَر وتستطيع أن تطلق عليه شارع العرب، حيث تغزوه مظاهر الحياة العربية بمحاله ومقاهيه ومطاعمه، إنّ هذه الشوارع الثلاثة أشبه ما تكون بأوردة القلب الغليظة في هذه المدينة.
ومن طرقات وسبل لندن طريق بيز ووتر. أما الآن فأنا أقطع شارع أكسفورد متوجهاً إلى مبنى البورتمان، وقادني إلى كازينو البروتمان الشهير التي يهفو إليها المثليّون في لندن.
ثم أمرّ على مطعم زينه الذي يشتهر بمشاويه من اللحم والدجاج والبرياني، وهو أرقى مطعم باكستاني في لندن، يملكه رجلٌ من مواليد الأسد وطالعه في السعود.
وإذا ما جلت ببصري ستظهر آثار المعماريّ العظيم (ناش) باديةً للعيان والتي يستوطن الكثير منها مجموعةٌ من أثرياء الهنود، أما القوس (ماربل آرش) الذي بناه فلم يكن في الأصل من أجل هذا المكان، ولقد صممه في عام 1826 بعد أن استمدّ فكرته وبعض وحداته الهندسية من قوسي قسطنطين في روما والنصر في باريس، ويتاخمه فندق الكمبرلاند.
وفي براينزستون مررت على كنيسة عيد البشارة التي هجرها المصلّون، وفي زاوية منها انتصب نحت ذهبيّ للمسيح مصلوباً، فشعرتُ وكأن المسيح حمل صليبه وغادرها كذلك، فلقد كان الناس يمرّون من أمامها دون أن يكترثوا للمسيح وصليبه.

Saturday, August 20, 2016

أميمة قاسم

 

ندعوكم لمشاركتنا قراءة هذا النص المميز من كتاب ‫#‏رحلات_العقل‬ لــ «ليوناردو دافنشي»، وهو من اختيارات الشاعر الإماراتي : محمد أحمد السويدي، وترجمة: "أميمة قاسم".
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«سُبُل النجاة»
كانت ميلانو في عام 1485 تحت رحمة طاعون دَبْلِيّ لثلاث سنوات. فقد عرف ليوناردو ماهو الطاعون في فلورنسا: حيث انتشر هناك في عام 1479، ولكنّه لم يدم لأكثر من بضعة أسابيع. وكان هذا الطاعون أسوأ بكثير.
ووفقاً لبعض التقديرات التي ربما شابتها المبالغة، فقد أودى بحياة ما يقارب ثلث سكان الحضر.
ولا تخفى صوره علينا: الأحياء المنكوبة، والهواء الملوّث، والجثث التي تُنقل إلى المقابر الجماعية. الخطب الهيستيرية من المنابر، والفحص الشخصي المقيت بحثاً عن التضخم في الغدد أو "الدمامل" التي هي نواقل للعدوى.
وفي 16 مارس 1485 كان هنالك كسوف كامل للشمس قوبل بالتشاؤم. وقد شاهده ليوناردو من خلال فرخ كبير من الورق المثقب، كما هو موصى به في مذكرة وجيزة بعنوان: "كيف تراقب الشمس أثناء الكسوف دون إضرار بالعينين".
وقد كان ليوناردو أثناء فترة الطاعون كلها يعمل على لوحة عذراء الصخور: ليس ثمة ما يدعو لافتراض أنّه ذهب إلى أي مكان آخر في ميلانو، عدا مرسم آل دي بريديس قرب بوابة تيسينيز.
ونحن نعرف تماماً نزق ليوناردو: وهو رجلٌ مضمخة بأريج ماء الورد أصابعه. تؤذيه الروائح النتنة، مثلما تفعل الحشود المتراصة والعدوى التي يحملونها بحسب تعبيره. " يرعى هذا الحشد من الناس معاً مثل الماعز واحدة خلف الأخرى، يعبئون الأركان عفونةً وينشرون الطاعون والموت".
فاللوحة مكان مسحور ممنوع على كل هذه الأشياء: مغارة حجرية رائعة تبعد أميالاً عن كل شيء، تردد أدعية الفلوات.
وحوالي هذا الوقت كتب وصفة دواء- ربما كان هذا عقاراً سرياً مضاداً للطاعون:
خذ بذور الزؤان الطبي
وروح النبيذ في قطعة من القطن
وقليلاً من السيكران الأبيض
وقليلاً من عشبة مشط الراعي
وبذور وجذور نبتة خانق الذئب
وجففها جميعا، ثم اخلط هذا المزيج مع الكافور لتحصل على الدواء.
وقد خرجت أولى أفكار ليوناردو الناضجة حول "المدينة المثالية" -شكلاً وتطبيقاً- من مرجل الطاعون هذا، ومنه اكتسبت إلحاحها وضروريتها.
وكان هذا حديث الساعة في عصر النهضة. وقد كان لالبرتي وفيلاريتي حوله جدال ومناقشات، وسبقهما في ذلك المعماري الروماني العظيم فيتروفيوس، وليس من الصعب تخيل ليوناردو وهو يحاور صديقه المتعلم دوناتو برامانتي حول الأمر.
وتبين رسوماته وملاحظاته المؤرخة في 1487 مدينة مستقبلية بهيجة ومخططة بميادينها وممراتها وأنفاقها وقنواتها ("مستقبلية" بتلك الفكرة العجيبة للطريق المسدود: والمستقبل كما تم تصوره في الماضي)، لتقام المدينة على مستويين- المستوى العلوي للسابلة والمجتمع والعناصر الجمالية، بشكل مقارب جداً" لمناطق المشاة" في المدن الحديثة.
بينما المستوى السفلي يُخصص بشكل رئيسي لشبكة من القنوات التي تستخدم لحركة البضائع والحيوانات لأغراض التجارة، وللمخازن، ولمساكن من يدعوهم "عامة" الناس.
الشوارع واسعة، وارتفاع واجهات المباني منتظم، وتطول المداخن لنفث الدخان عالياً بعيداً عن الأسقف. وهو يوصي باستخدام أنواع الدرج الحلزوني في المباني العامة، وذلك نسبةً لأنّ للدرج المربع زوايا معتمة يحولها الناس إلى مِبْولات.
وقد كان يُفكر في نظام صرف صحيِّ متطور لمجابهة الطاعون بلا شك. كما كانت لديه بعض الأفكار حول دورات المياه النموذجية أيضاً- ليس بالضبط المراحيض الدافقة للماء، كما اخترعها جون هارينغتون بعد ذلك بقرن، ولكنها ممتازة في تصميمها: " ينبغي أن يكون مقعد المرحاض قابل للانعطاف مثل الباب الدوار في الأديرة، والعودة إلى موقعه الأول باستخدام ثقل موازن.
ويجب أن يكون السقف ذا فتحات فيه حتى يستطيع المرء التنفس".

«النضيرة» وشجرة «الغار» في الكنجستون



«النضيرة» وشجرة «الغار» في الكنجستون
قلتُ لوالدي ونحنُ نَسيرُ في نهارٍ أَنيقٍ في «الكنسيجتون»: لقد قام الملك "وليم" الثالث والملكة "ميري" الثانية ببناء حديقة «كنسنجتون» عام 1690، وفي الثلاثينات من القرن الثامن عشر تم بناء البحيرة المستديرة، وشيّد صرح «ألبرت» الضخم الذي يقابل قاعة «ألبرت» عام 1863.
مررنا على «مارلبورو جيت»، فقلتُ لصاحبي: لعله من هنا تسلل الكاتب «جي إم باري» ليلاً ليدُسَ تحفته الرائعة تمثال «البيتر بان» ليسعد به أطفال "لندن" والعالم، امتناناً على جعل روايته من أعلى الكتب مبيعاً.
ثم دخلنا جنينة «الفورسثيا» للوقوف على الشجرة التي تكلل بها الرؤوس ساعة الانتصار.
إنها شجرة «الغار» الدائمة الخضرة (1)، قال «المسعودي» في «مروج الذهب»: لما نزل «سابور» على حصن «الضّيْزَنْ»، تحصن الضيزن في الحصن، فأقام «سابور» عليه شهراً لا يجد سبيلاً إلى فتحه، ولا يتأتى له حيلة في دخوله، فنظرت «النضيرة بنت الضيزن» يوماً وقد أشرفت من الحصن إلى «سابور» فهويته وأعجبها جماله، وكان من أجمل الناس وأمدهم قامة، فأرسلت إليه: إن أنت ضمنت لي أن تتزوجني، وتفضلني على نسائك؛ دللتك على فتح هذا الحصن، فضمن لها ذلك، فأرسلت إليه: ائت الثرثار- وهو نهر في أعلى الحصن- فانثر فيه تبناً ثم اتبعه... فانظر أين يدخل، فأدخل الرجال منه، فإن ذلك المكان يفضي إلى الحصن.. ففعل «سابور» بما أشارت، فلم يشعر أهل الحصن إلا وأصحاب «سابور» معهم في الحصن، وقد عمدت «النضيرة» فسقت أباها الخمر حتى أسكرته طمعاً في الزواج بسابور، وأمر «سابور» بهدم الحصن بعد أن قتل «الضيزن» ومن معه، وعرس سابور بالنضيرة بنت الضيزن فباتت مسهدة، فقال لها «سابور»: ما لك لا تنامين؟ .. قالت: إنّ جنبي يتجافى عن فراشك.. قال: ولم؟ .. فوالله ما نامت الملوك على ألين منه وأوطأ، إن حشوه لزغب النعام!!!.
فلما أصبح «سابور» نظر فإذا ورقة غار بين عُكْنِها (2)، فتناولها فكاد بطنها أن يدمى، فقال لها: ويحك!! بم كان أبواك يغذيانك؟ .. فقالت: بالزُبْدِ والمِلح والثَلْج والشَّهْد وصفْوِ الخَمر. فقال لها «سابور»: إنّي لجدير أن لا أستبقيك بعد إهلاكك أبويك وقومك، وكانت حالتك عندهم الحالة التي تصفين. فأمَر بها فرُبطت بِغدائرها (3) إلى فرسين جموحين، ثم أمر بِهما فخُلّى سَبِيلهما، فقَطّعَاها...
على مقربة من شجرة «الغار» وقفت شجرة «مشملة»، (مدلر)، تلك التي ذم «شكسبير» ثمارها في مسرحية «على هواك» قائلاً: "ستتفسخ قبلَ أنْ تنضج" -قالتها «روزالينا» للمهرج-. وبجانب «المشملة» (4) وقفت شجرة «جَنكة» (5) فارعة الطول ذات أوراق تحاكي المراوح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الغار: شجر عطري من الفصيلة اللورية، كبيرٌ معمر، نبيل، زينت أغصانه هامات القياصرة والأبطال، وهو من الأشجار دائمة الخضر واسمها العلمي Laurus nobilis" "
(2) العُكْنة: الطي الذي في البطن من السمن والنعيم، والجمع عُكْنٌ و أعْكَان، "ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمناً".
(3) الغَدِيرَةُ : الذّؤَابَةُ المَضْفُورَةُ من شعر المرأة والجمع : غدائر، والغَديرتان : الذُّؤابتان من الشَّعْر اللَّتان تَسقُطان على الصَّدر.
(4) المشملة: شجر دائم الخضرة يتبع الفصيلة الوردية من رتبة الورديات، تعطي الشجرة ثمار صغيرة بيضاوية الشكل صفراء اللون وتعرف بالبشملة أو المشمش الهندي أو أسكي دنيا.
(5) الجنكة: يسميها البعض شجرة المعبد وهي من أقدم الأشجار على وجه الأرض، يبلغ طول هذه الشجرة من 30 إلى 40 متراً، تقاوم الظروف مهما حصل من حولها وتسمى شجرة الحياة فقد استطاعت البقاء في هيروشيما بعد القنبلة الذرية.
 

Thursday, August 11, 2016

حائرٌ في لندن!


لا يترك الوالد -حفظه الله- فرصةً إلا واثنى فيها على مهارات «جوجل» google ، الذي أصبح يقيس المسافات بين نقطة ونقطة باتقانٍ بالغ، ويحددُ إذا ما كان الطريقُ مزدحماً أم سالكاً، وكم يستغرق الوقت بين نقطتين.
ففي الأمس، كنتُ على موعد مع صاحبي في «ثيمز وارف» في «رينفل» ، فاستقليت سيارة الأجرة (التاكسي)، وكان السائق رجلاً سِتينياً، أخبرته بالعنوان، فحارَ وَحكّ رأّسهُ وقلّب ذاكرته، ثم قال: "لا أتذكر أنني سمعت بهذا المكان من قبل"!.
بدا الأمر غريباً؛ فمعروف أن جميع السائقين في لندن يحتاجون إلى معرفة 320 طريقة تساعدهم في حفظ 25.000 شارع و20.000 من المعالم والأماكن الأساسية بما فيها الفنادق والمطاعم داخل مساحة دائرية نصف قطرها يصل إلى ستة أميال من منطقة «شارنغ كروس» في وسط لندن. كما ينخرطون في دراسة تستغرق من عامين إلى أربعة أعوام، وقد تتضاعف المدة دونَ أنْ يتمكن المتقدّم من الظفر بــ «إجازة» تاكسي (الخنفساء العريقة) التي تُعد أحد أشهر معالم بريطانيا، مثل قطار الأنفاق أو «كابينة التلفون» الحمراء، و«الباص» ذو الدورين، وصندوق البريد.
فلقد ظهرت أول سيارة أجرة في عهد الملكة «إليزابيث» الأولى، وكان يطلق عليها (هاكني) وتجرها الخيل، ولا يستقلّها آنذاك إلا من كان ذو حظ عظيم.
ثم ظهر نوعٌ آخر في عام 1897 يعملُ بالطاقة الكهربائية، وكانت له جلبة كبيرة؛ فلم يستمر في عمله سوى ثلاثة أعوام قبل أن يظهر أول «تاكسي» يعمل بالبنزين في لندن وكان ذلك في عام 1903.
وكانت الشروط من القسوة ما جعل قيادة التاكسي في لندن أمراً مرجعيا في العالم، فكيف إذن تمكن صاحبنا (السائق الحائر) من الظفر بإجازته؟
وبعد أن تيقّنت منه أنه لن يبلغ بي وجهتي قررت اللجوء إلى (جوجل)، وسألته الطريق إلى «ثيمز وارف» في «رينفل»، وبلمسة من عصا «جوجل» تمكنت من تحديد المكان وساعة الوصول؛ فكانت هذه أول مرة أستعين فيها بالخرائط لمساعدة سائق عريق، لأهديه إلى عنوان في مدينة «لندن» الضاربة في القدم.
أما الآن - وبفضل هذه الخرائط- أصبحت سُبل لندن سالكة ومتيسرة، وصار الوصول إلى أي مكان أهدى من اليد للفم كما قال «زهير بن أبي سلمى»:
بَكَرْنَ بُكُورًا وَاسْتَحْرَنَ بِسُحْـرَةٍ ** فَهُـنَّ وَوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَـمِ.
‫#‏محمد_أحمد_السويدي‬
‫#‏لندن‬
 

Saturday, August 6, 2016

سعيد ماتادورا في إسْبَانيا




سَأَلَتْنِي العَمَةُ (مَديّه): هل قصّ عليك (سَعيِد) حكايته مع الثَورِ الأَسْبَاني؟.
فقلت: لا، لم يقصص عليّ شيئا من هذا.
وهنا سمعت لأول مرة نبأ العم (سَعيِد) مع الثور الأسباني!.
قالت العَمَةُ (مَديّه): كان الشيخ زايد -رحمه الله- في زيارة رسمية إلى أسبانيا، فدعي بشكل خاص إلى حلبة مصارعة الثيران ليشهد صراعاً كان مقرراً في ذلك اليوم.. فسألهم مضيفهم: هل فيكم من يحسن مصارعة الثيران؟
وكم كانت دهشة الشيخ زايد كبيرة عندما انبرى (سَعيِد) للأمر وقفز إلى الحلبة بقماشة حمراء، وكان ستينيّا، فأخذ يلوّح بها للثور، وما أن أبصره الثور حتى هاج وماج، وترك ما حوله وقصد العم (سَعيِد) يتقدّمه قرنان كأنهما قرنا الشيطان، أما العم سعيد فلم يكن يعرف من أمر وقوانين وتقنيات المصارعة شيئاً، ولكن همته لم تقعد به عندما سمع السؤال.
قصد الثور باستقامة العم (سَعيِد) الذي تجنّبه وسط دهشة وذهول الجمهور، فصار كلما نجى لوّح بالقماشة الحمراء، فيهجم الثور وقد بلغ أوج الغضب من هذا الستيني الذي تجرّد من السيف، وهكذا دار الأمر سجالاً، وكلما أخطأه الثور لوّح بالقماشة ..
وكانت هذه الحكاية من الحكايات العَجِيبة التي يسردها الشيخ زَايِد -رَحِمهُ الله- على جُلّاسه في جُرأة وإقدام العم (سَعيِد).
وظلت (مَديّه) تردّد: الحمدُ لله على سلامته من محنة الثور الأسْباني.
ثم ذكرت العمة (مَديّه) أنّها شهدت مصارعة ثيران حقيقية مع ابنها (جَمَال)، ورأتْ في ذلك اليوم «الماتادور ريفيرا أوردونيز» يقتل تسعةَ ثِيران.
وذكرت أن هذا «الماتادور» كان شهيراً وبارعاً في مجاله ولكن انتهى به الأمر مقتولاً بعد 25 سنة من مصارعة الثِيرَان، وحدث ذلك في الأندلس في عام 1984.
وشخصياً، ما زلتُ أعجبُ مِنْ تشرِيعِ وإِباحَة هذه الرياضة «اللا إنسانية»!.
فقال (الوالد): ولماذا العجب، لا تذهب بعيداً؛ فإمارة «الفجيرة» مشهورة بنوع من مصارعة الثيران وفيها تجد من يتفنن في بَرْي قُرون الثور لتكون أشدّ فتكاً!، ولكن الفرق يكْمُنُ في كونها مصارعة بين الثيران فحسب، فلا ماتادور ولا خَلْكة حمراء.
ويفتخر «الماتادور» باحتفاظه بِـذَيْلِ الثور المقتول.
ثمّ حدثتُهم عن طبيعة المُغامرة في الإنسان، فصديقي «دِيفيد» قصد اليابان خصيصاً ليأكل من لحم سمكة «الفُوجو» أو «قُنفذ البحر» التي يذهب ضحية تناولها العديد من الأشخاص في كلّ عام.
 

Friday, May 13, 2016

رحلة ابن عتيبة إلى مكة


رحلة ابن عتيبة إلى مكة
حدثنا العم / سعيد بن أحمد خلف العتيبة، عن رحلة والده إلى الحج عام 1359 للهجرة.
وإذا قلبنا أوراق التاريخ الحديث، نجد أن في ذلك العام أعيد انتخاب الرئيس "روزفلت" للمرّة الثانية، وكانت الطائرات الألمانيّة تدكّ "لندن" بالقنابل، و"ولت ديزني" يجرّب فيلمه الطويل "بونوكيو"، و"جو لويس" يسقط الأبطال في الوزن الثقيل بالملاكمة، و"فرانك سيناترا" يطلّ إطلالته الأولى على جمهور إنديانابوليس، و"الجيب" سفينة الصحراء المرتقبة توشك على الظهور.
في ذلك العام، عزم الجدّ أحمد على القيام برحلة الحج إلى مكّة والمدينة، وقد صادفت الوقفة فيها 8 يناير عام 1941. علماً أنّ ذلك العام شهد وقفتين، وكانت الثانية في 25 ديسمبر، وهي الوقفة التي غرقت فيها مكّة بالأمطار.
وإذا صادفت الوقفة الثامن من يناير، فهذا يعني أنّهم غادروا البلاد في (طالع الإكليل)، في قرابة العاشر من ديسمبر 1940، أي في مربعانيّة الشتاء، وهي في المخيال الشعبي "مقرعة البيبان" التي قالت متوّعدة الناس: "إذا ما عجبكم حالي بأرسل لكم السعود خوالي". والسعود في فبراير ومارس، وهي سعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود.
بدأت الرحلة بعد أن عزموا على الحجّ، وعقدوا النيّة لبلوغ مكّة والمدينة، فاستقلّ أحمد بن خلف ومعه زوجاته: آمنه بنت سلطان بن مجرن، وأبناؤها عبد الله (جدّي ووالد والدتي) وبطي، والعفّاد، وشمّا بنت محمد المزروعي، وولدها محمد، وابنتها نورة وابنها محيميد بن أحمد بن حبتور، وفاطمة بنت خلفان المحيربي، وابنتها حمدة (أم أختي موزه)، وهي أولى زوجات الوالد.
وكان من ضمن الركب العمة شمسة بنت أحمد السويدي، زوجة حامد بن بطي وأم أحمد بن حامد وهي عمة الوالد؛ وكذلك ضمّت الرحلة خليفة بن يوسف وسلطان بن يوسف،وفالح الصومالي ومحمد بن عبد الله بن معضد وراعي الصرّة حمد بن قطامي وبو زاهره منصور بن غانم واستقلّوا جميعاً مركباً كبيراً لأحمد بن خلف يسمّى (فتح الباري).
وعلى الرغم من أنّهم استقلّوا وسيلة فارهة، مقارنة بالسفر فوق ظهور الإبل، إلاّ أنّها كانت متعبة إذا ما قورنت بالسفر في أيّامنا هذه، حسبك أنّ جميع المسافرين، رجالا ونساء وأطفالا، كانوا يفترشون سطح السفينة مجلساً وملعباً ومكاناً للنوم.
ولكن السيّد عبد الله الهاشمي كان له رأي آخر عندما هنأ الجد أحمد بن خلف بمناسبة شراءه السفينة فتح الباري:
مترحّل عن بوظبي بالعشيّه متزوّد طيب الثنا وزين لعلام
لا شدّ كور ولا تزّمل مطيّه إلاّ على لنج على اليم عوّام
فتح من الباري وهذا سميّه منحوت من ليحان ساج وبرهام
فلك ويعدي به كروخ قويّه في كل وجهه له تياسير واولام
له فنّة رحب فناها بهيّه مفروشة لكنها كشك الاروام
يشعل بها التريك ناره زهيّه بعيد الضحى فيها وتنزاح الاظلام
يا بوسعيد مبارك ذا الشريّه الله عساها قادمه خير الاقدام
وخرجت أبو ظبي عن بكرة أبيها في توديعهم من منطقة رأس البرّ، وكان فيهم الوالد ولم يكن قد تجاوز العاشرة بعد، وما زال يتذكّر ذلك اليوم، فلقد كان يوماً مشهوداً في الذاكرة الظبيانية.
ويقول العمّ سعيد إنهم كانوا يرتدون العقل المقصّبة، وكان يوماً بهيّاً وكبيراً، ثم يردف وهو يتحسّر: لم يكن هناك من يصوّرنا في ذاك اليوم.
أبحرت السفينة قاصدة ميناء العجير. ولابد أن تكون قد استيقظت في نفس أحمد بن خلف تلك الرحلات الموسمية في مركبه إلى دلما حيث كانت سفنه تمخر عباب الخليج بحثاً عن هيرات اللؤلؤ من جنوب البصرة حتى بحر عُمان، وكان قد اتخذ من مركبه مقراً يقيم فيه ويلتقي الطواويش والنواخذة، ويولم لهم الولائم ولا يقفل راجعاً إلى دبي إلا بعد أن يوشك الموسم على الانقضاء.
كان بعض الطريق إلى العجير يشترك مع الطريق الذي طالما قصده قبل سنوات من ذلك التاريخ إلى دلما.
وكانت تجارة اللؤلؤ في أيام الرحلة فقدت جزءاً من بريقها بعد أن نفضت اليابان سجادة لؤلؤها المستغرس في أسواق العالم، وامتصّت السحر من هيرات اللؤلؤ في الخليج حتى مشارف الهند.
و ‫#‏العجير‬ ميناء تاريخي، أخذ تسميته نسبة إلى قبيلة (عجير) التي سكنت الأحساء قبل الميلاد، ويعتبر أقدم ميناء تجاري على مياه الخليج العربي ويقع شرق منطقة الأحساء. وبعد أن بلغوا هذا الميناء، قصدوا واحات الأحساء إلى الغرب، وانقسموا إلى فريقين: أولهما الوالد أحمد بن خلف وحريمه في السيارة الصالون؛ والآخر، وكان فريقاً كبيراً ينوف على الأربعين حاجاً، ركبوا نوعا من الحمير عالية الظهر تُعرف بالحساوية، وهي معروفة بكبر حجمها وقدرتها الفائقة على التحمّل، وباتوا ليلتهم تلك في منطقة تُعرف باسم "المطيوي" نسبة إلى عين ماء أقيمت من حولها قرية تتوسط الطريق إلى الأحساء، وذبحوا خروفاً وقضوا ليلتهم يترقبون الصباح التالي لينطلقوا صوب الأحساء.
غادر الموكب الكبير صباحاً وبلغوا الأحساء في طالع القلب الذي قيل فيه إذا طلع القلب جاء الشتاء كالكلب وصار أهل البوادي في كرب.. وفي الأحساء وجدوا الأمير سعود بن عبد الله بن جلوي في انتظارهم، فأكرم وفادتهم غاية الإكرام وأقاموا في الأحساء عشرة أيام ينعمون بعناية أميرها الذي حرص على تلبية كل ما يحتاجون إليه بنفسه.
وفي الأحساء التي لابد وأنهم طافوا في أرجائها وربوعها خلال الأيام العشرة، وأدركوا عن قرب حياتها الداخلية، وبينما كان العم سعيد يطوف سوقها، إذا به يرى مطر بن محمد المهيري مع صديق له يبيعون الركاب في السوق، فتعلّق به قائلا: خوي سعيد يابعدي، تقدرون تودوني معاكم الحج؟
فقال له: أبشر. واستأذن الوالد أحمد بن خلف الذي أذن له ورحّب به.
قال العم سعيد: كُتب للمهيري نصيب.
وبعد انقضاء الأيام العشرة، ودّعوا مضيفهم الشهم الأمير سعود بن جلوي واستقلّوا سيارتين نصف لوري. أما أحمد بن خلف وحريمه فلقد استقلّوا سيارة صالون وصاروا ينهبون الأرض في طريقهم إلى الرياض.
كان الشوق إلى بلوغ مكة يقودهم ويجعل كلّ المشاق في الطرق الوعرة التي تمتد نحو أربعمائة كيلو متراً، وكأنها من أجل تحصيل الثواب، فكلما زادت مشقة السفر في طرق غير معبدة كلما زاد أجرهم.
وبعد جهد جهيد بلغوا الرياض، ونزلوا في بيت أعدّ لهم، وعلى مقربة منه بئر. ثم جاءوا لهم ببراميل كبيرة من الماء. وكانوا كلّما استيقظوا صباحا يجدون الماء وقد تجمّد في سطوح البراميل من فرط البرد لدرجة أنهم جاءوا بجرن كبير من خشب الغضا الذي تصف العرب ناره بالمضيئة التي لا تنطفئ وهو يكثر في نجد، ومنها انتقلوا إلى مضارب خيام الملك عبد العزيز في الثّمامة على مشارف عاصمته.
كان الملك عبد العزيز يقدّم الوالد أحمد بن عتيبة إلى ضيوفه وكبار رجالاته بقوله: هذا ابن عتيبة.
قالها لابن عمه سعود الكبير الذي كان لشدة البرد يرتدي غترتين بيضاء وحمراء، ثمّ قال لأحمد بن خلف: هذا سعود الكبير، وكان سعود هذا ابن عمّ الملك وزوج نورة بنت عبد الرحمن بن فيصل.
وما زال العم سعيد يستعيد دهشته ذاتها التي وجد نفسه فيها، وهو يواجه ضخامة الخيام وفخامتها والكهرباء التي جعلتها تتوهّج سواء في رابعة النهار أو في الليل، ولم يكن رآها من قبل.
كان البرد قارسا وشديد الوطأة في تلك الأيام حتى إن بعضهم بدأ يشكو السقم مثل ابن حبتور الذي كانت بنيته تجعل البرد يقيم فيه.
وبعد نحو أربعة أيام في ضيافة الملك عبد العزيز، تابعوا الرحلة نحو مكة وكانوا على حدّ قول العم سعيد (شورهم بيديهم) فاستقلّوا السيارات صوب الحجاز التي تبعد قرابة تسعمائة كيلواً متراً كانوا فيها يصارعون المفازات المضلّلة والدهماء، تدفعهم غاية تقصر عن بلوغها كلّ وسيلة مهما بلغت من المشقة.
وكان للسيارات في هذه الدروب حنين وأنين وكأن سائقها كان يردّد في سرّه قول الشاعر أحمد الكندي لاحقا:
صوبهم في خاطري سيره
فوق جيبٍ يقطع الفيّه
يطرب السوّاق في سيره
لي ضرب دارٍ خلاويّه.
دعاهم داعي الشوق حتى بلغوا مكة في طالع الشولة التي قال فيها العرب: إذا طلعت الشولة أعجلت الشيخ البولة واشتدّت على العائل العولة.
حدّثني العمّ سعيد أنه رأى اليأس يدبّ في نفس العمّة شمسة بنت أحمد (عمّة الوالد ووالدة الشيخ أحمد بن حامد) من تقبيل الحجر الأسود، ولم تكن تكابد الأمر بنفسها، بل كانت في جملة من النساء اللائي عدن يائسات من المشمّ؛ وقد رأين شرطيّا يشرف على الحجر وبيده عصا يهوي بها على كل من أراد استقبال الحجر من الحجيج.
وكان سعيد في تلك الأيام تأخذه الحماسة مآخذ الجسور من الرجال ممن لبسوا القلوب فوق الصدور، وكان فتى القوم بحسب تعبير المتنبي الذي تتضاءل أمام حضور فتوته الصعاب.
وعندما رأى الخيبة والألم يعتصران قلب شمسة ومن معها من النساء سألها عن الأمر، وما إن أخبرته حتى قال لها تعلّقي بحرمي، فتعلقت وقصدا المشمّ .. ومن خلفهما النسوة الأخريات حتى أشرف على الحجر وقال لها استقبليه، فما إن رفع الشرطي عصاه حتى قبض عليها سعيد بيد من حديد وانتزعها منه، وقال لها شمّي الحجر، ففعلت شمسة.
ثم قال للنساء: إليكن بالحجر، فشممنه حتى شبعن، لدرجة أن سعيد حدّث نفسه في تلك البرهة أنهن لن يفرغن من شمّ الحجر أبداً.
كان الشرطي قد أسقط في يده وأصبح خلواً من السلطة التي توفرها العصا، فخاطبه سعيد مغضبا: اتّقِ الله في النسوة يا رجل، لقد سببت الذعر لحجيج الله في بيته، وألقى عليه العصا وغادر مع النسوة، وكان بين من حضر الموقف سلطان بن يوسف الذي كان على نقيض العمّ سعيد يؤثر السلم ويتجنّب أسباب الخلاف، حتى إنه تردد كثيراً، قبل أن يحجم في نهاية الأمر عن شمّ الحجر.
ويذكر العم سعيد يوماً أنّه أفاق ليلاً وهمّ بالخروج من الخيمة عندما تعثّر بــ حمد بن قطامي وكان رجلا يبهش – له ردّة فعل- قال سعيد: فحاول القبض عليّ فصارعته، وضللت أسأله وأنا قابض عليه إن كان في اليقظة أو ما زال في النوم .. قال العم سعيد: كنت أخشى ردّة فعله، فاضطررت لمصارعته –قبضته قبضه لا تنشد عنها- وأرسل ضحكة عالية..
كان سعيد في رحلة الحجّ تلك في فورة الشباب ولم يكن قد اختبر الزواج بعد، وفيه من العزم ما يلين حد المركب الخشن. وكأني بالمتنبي وقد أراد سعيد لا سواه في قوله:
قد هوّن الصبرُ عندي كلَّ نازلةٍ وليّن العزم حدّ المركبِ الخشنِ
وفي المدينة قال العم سعيد: كنّا نأتي إلى باب السلام عند الفجر، فنجد أمماً مجتمعة تحاول الدخول فالباب لا يفتح إلاّ فجراً، فتساءلنا لم اندفاعهم عند فتح الباب وكيف أنّهم لا يراعون حرمة المسجد فعلمنا من الشيخ/عمر أنّهم يتسابقون للصلاة في الروضة المشرّفة وقال لنا إنّ من صلّى في الروضة غفرت ذنوبه، فكنّا بعد ذلك كلمّا فتح الباب ننطلق كالسهام نسابق الحجيج فنكون أول المصلّين في الروضة المباركة، قال العم سعيد: مبخوت اللي يصلّي فيها.
وقال: مكثوا في مكة ثمانية أيام، ومثلها في المدينة حتى أتمّوا المناسك وعادوا أدراجهم إلى الحسا، ومن ثم إلى ميناء العجير.
لم تكن سفينتهم (فتح الباري) قد وصلت بعد، فاستأجروا مركباً من رجلٍ يُقال له حسين بن عميرة، لأن الوالد أحمد كان مستعجلاً في العودة من أجل قضاء بعض شؤونه ومصالحه.
ولكن سفينة بن عميرة حدث فيها عطل، فبادر العم سعيد وخليفة بن يوسف ومحمد بن أحمد إلى إسعاف بن عميره وأخذوا يصيحون: الكوبلين.. الكوبلين
وأخذوا يعالجون العطب حتى تم لهم إصلاحه.
وانطلقوا صباحا، وما هي إلا هنيهات حتى لمحوا سفينتهم (فتح الباري) مقبلة نحوهم، ولكن بعد أن فات الأوان فلحقت بهم إلى البحرين.
وفي تلك السنة، قال العمّ سعيد، وصلنا خبر ولادة خلف بن أحمد.
أقاموا مدة يومين في البحرين، وبالغ الأمير حمد بن سلمان في إكرامهم فصرف للرجال وللنساء الكسى والرواتب.
وكان لذلك الفعل أثره البالغ في نفس الوالد أحمد بن خلف، الذي بادر فور وصوله إلى أبو ظبي إلى إرسال ناقة اسمها (سمحة) من كرام الإبل، هدية لحاكم البحرين حمد بن عيسى، فوقعت في نفسه موقعاً عظيماً وأرسل إلى الوالد أحمد بن خلف سيارة فورد. وكانت من أولى السيارات التي تدخل أبو ظبي.
طال أمد الرحلة نحو أربعين يوما، ودخلوا أبو ظبي في منتصف يناير من عام 1941، وكان الطالع حين العودة النعايم، بعد أن أنعم الله عليهم بحج بيته.
كان العمّ سعيد ثابت الجنان رابط الجأش، وعندما يمدّ بصره وهو يحاول أن يستجمع تلك الأيام، كان يتحدث بعجب عن تلك القوة التي كان يدّخرها وذلك العزم الذي أدركه القاصي والداني. وبعد أن انتقل العمّ سعيد مع من انتقل إلى قطر، صار يصطحب القادمين للعلاج من أبوظبي ودبي إلى الحج مثل درويش بن كرم وغيره، فإنهم كانوا لا ينجزون الأمر إلا والعمّ سعيد في رفقتهم. وكان يعمل بهمة على تخليص أوراق الجمارك والجوازات وحده، ولم تحج والدته في تلك السنة التي حجّ فيها أحمد بن خلف، ولكنه عوّضها في السنوات اللاحقة وقصد بها الحجّ مرات عدّة.
وفي إحدى تلك الرحلات، توفيت فاطمة زوجة ثاني بن حبيش السويدي - رحمها الله- ودفنت في منطقة الأبطح. ويتذكر العم سعيد أنهم فقدوا في عرفة أثر طباخة لهم غابت عن أبصارهم وتاهت، فقال سعيد سأولم لكم بنفسي، قطّعوا اللحم، فلن يعدّ المكبوس سواي. وقبل المغيب نضج الطعام، فقال للنسوة بصوت واثق: اغرفن.
وختاما، فالحج لم تكن طقوسه لتكتمل لولا وجود العمّ سعيد الذي كان يجعل كل شيء متاحا وممكناً وفي متناول اليد، حتى لو كان الحجر الأسود الذي يشرف عليه رجل غليظ القلب يقبض على عصا، أما ما حدث لأول سيارة "فورد" في أبوظبي وما كابدته في طرقها غير المعبدة ... فتلك حكاية أخرى....
  
http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_article_indetail.php?articleid=110

Friday, May 6, 2016

حفيدة أوريكا


لصباحين على التوالي، جلست قبالتي صبية جرمانية، مليحة، مع جدّتها، قلت في نفسي: الآن علمت كيف كان "كانوفا" يصبّ تماثيله، كانت كمصباح راهب متبتل،
حاولت أن أحزر عمرها
فشعرت ببعض التيه، ولم أتيقّن إن كانت ابنة 13 سنة أم 23، فليس سوى الحدس من يحسم أمراً كهذا، بيد أنني تذكرت حكاية صديقٍ لي، عندما كنا ندرس في "لوس أنجلوس" فلقد أقلّ طالبة بسيارته إلى بيتها من باب الشهامة، وصادف أن رأته أُمها وهو ينزلها بباب الدار، فأبلغت الشرطة على الفور، بأنّ رجلاً كث اللحية خطف ابنتها القاصر بسيارته.
فما كان منهم إلا أن قبضوا عليه، وشرعوا يحققون معه كما لو كان من عتاة المجرمين،
ثم أدخلوه اختبارات عدة، واحداً تلو الآخر، حتى شعر أنّالأمر برمّته لا نهاية له، فأضمر أن يفعل شيئا من أجل نفسه
وما أن عرضوا عليه فتيات من أعمار مختلفة، حتى حدس أنّ بوسعه القبض على نجاته بيد من حديد، طلبوا منه تخمين أعمارهن
ولم يكن أمامه لينجو من هذا الفخّ إلا أن يستدرك بحنكته وحدسه فبدأ بتضليلهم بمعلوماته عن أعمارهن، فإذا عرضت عليه فتاة بعمر العشرين ضاعف عمرها، وإذا عرضت عليه امرأة بحبل من الأحفاد قال إنها لم تبلغ العشرين بعد، وإذا عرضوا عليه فتاة في الثالثة عشر، قال أنها في الثلاثين، وربما لو وجد الأمر ممكنا لسألهم أين تخفي أولادها.
عند ذاك، رأوا أن يطلقوا الرجل ذي اللحية على أن لا يخرج قبل أن يوقّع التماساً، وتعهّداً، أن لا يقل القاصرات ولا الأمهات لأن الأمر سيّان عنده.
أمعنت النظر في ملامح الفتاة الألمانية،
وتذكرت جوته، وقلت لا شكّ أن "أوريكا" التي هام بها العجوز جوته والذي كان قد بلغ الثانية والسبعين من عمره، عندما عرض عليها الزواج به فرفضت، والذي راح يتوّسط عند الأمير ليثنيها عن القرار كانت هي الجدة التي تحدّرت منها هذه الحسناء،
حدّقتُ ثانية في وجه جدتها الذي ضرّسته السنوات، ووجه الفتاة الذي يضجّ بالحياة والفتنة، كان وجه الصبية يشرق بالحسن، بينما كان الحسن يغرب في الجدة
، كان في الأولى بشير ميلاد وفي الثانية نذير موت، زهرة تتفتّح وأخرى تذوي،
فقلت في نفسي، هل يكون مآل هذا الربيع إلى ذاك الخريف،
لعلّها مفارقة ستجعل العجوز جوته يغيّر رأيه بالتأكيد.

Thursday, May 5, 2016

إبّشروا بالخير لي جيتوا وديمه



كانت البيوتات التي تستقبل العفاة عند دخولهم إلى أبوظبي، إمّا للشيوخ، أو للعتيبات، أو بيت الشيخ حامد بن بطي.
قال الوالد -ولم يكن مهَدي المغربي من المناصير - ولكنّه كان مسافرا في ركبهم حين أقبلوا قاصدين بيت الشيخة وديمة بنت بطي خالة الشيخ زايد بن سلطان وزوجة بطي بن محمد بن خلفون، عندما حثّهم الشاعر على ضرب كرام الإبل؛ لتحملهم إلى الشيخة (وديمه) وعلى ألاّ يمكثوا للمقيل في المقطع دون طائل، قال:
إضربوها بالعصا لو هي كريمة ما لها مقيلن ورا المقطع حسايف
شيب عيني يوم دبّر في الستيمه والبحر من دونها سوّى حضايب
هاف قلبي مثل عيدان الهشيمه ان سرى وان هبّ نسناس الهبايب
قال سعيد معقّباً: العيدان من عود، والعود يبلى ويتهشّم من شدّة حرارة الشمس، وكانت لــ (وديمة) خادمة تسمّى (حليمة)، أصابتها عدوى كرم سيّدتها، وإيّاها يعني المهدي:
والله يا سفّن بتاتيبه حليمه عند هلنا ما لقينا له وصايف
قال الوالد: كانت وديمه كريمة أكرم من الذاريات، ولم يكن لديها ما
تدّخره، فكانت إذا ألمّ بها الضيوف ترهن بعض مالها من صوغ؛ لقاء مال تكرم به وفادتهم، فقال العم سعيد:
(أبشروا بالخير لي ييتوا وديمه) ، وأضاف أنّ زوجها بطي بن عمير كريم -كذلك- كرم الذاريات والكرم كالمرض المعدي.
قال الوالد: ولقد حفظ المناصير لوديمه صنيعها، فسمّوا عليها وديمة بنت حمد المنصوري، فجاءت كريمة أكرم من الذاريات، ولقد زرنا ابنها محمد بن علي بن عفصان مهنئين بعيد الأضحى - يوم أمس- وهو صديقٌ مقرّب من الشيخ خليفة بن زايد، وقمنا بمهاتفتها بمناسبة هذه الزيارة، وتهنئتها بعيد الأضحى المبارك.
ثمّ سأل الشيخ هزّاع بن خليفة بن سعيد بن شخبوط، الوالد، إن كان جدّه شخبوط قد تعلّم في الصغر أو لمّا كبر؟ ، فردّ الوالد على الفور، بأن جدّه الشيخ شخبوط كان يتلّقى الدروس على يد معلّم اسمه (بالخياز)، وكان من المنتظمين معه في الدراسة الوالد خليفة بن أحمد، وجامع، الذي
كان على استعداد لمصارعة أيّ من زملائه، ولو من الشيوخ أنفسهم.
وكنت قد سألتُ العم سعيد عن الأغنية التي كان يغنّيها للشيخ هزّاع بن سلطان - رحمه الله - عندما استيقظت وديمه، وخادمتها حليمة، والشاعر مهدي وقصيدته:
هل لكم في الخير يا سيرة وديمه في السفن ولاّ على ظهور الركايب
قال الوالد: اسمها موزه الهادومه، معلمة العم سعيد بن أحمد، وكانوا يأخذون دروساً، قرب سدرة عامرةٍ مغرية الثمر، ما أن تمتد أصابعهم إلى نبقها (نبجها) حتّى يأتيهم صوت (أم عتيق نيلى) مزلزلاً مرعداً محذراً، من لمس الثمر والسدرة. - قال الوالد - باقية إلى اليوم في مدينة العين، ومحاطةٌ بسياج يحميها.
قال العمّ سعيد: طلب منّي الشيخ هزّاع يوماً أن أكتب له رسالة وكنت كما قال الشاعر:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنّني عنيت فلم أكسل ولم أتبلّد
فصرتُ أكتب، وهو يملي، إلى أن فرغ فلمّا انتهيت من الكتابة هالني كيف انتهت سطورها الغير منتظمة، فأنا لم أعتد أن أكتب في صفحة بلا سطور، فكانت كتابتي تأخذ شكل سطور دائريّة يبدأ السطر مستقيماً وينتهي في أعلى الصفحة، ولكنّي تمكّنت من وضع الرسالة في الظرف وأحكمت إغلاقها على عجل قبل .. أن يتمكّن هزّاع من رؤيتها.


Monday, April 25, 2016

البندقيّة





أنثى العنكبوت في الغرفة رقم 10
هل يمكنك أن تزور البندقية ولا تلم به؟ إنّه قصر الدوق الذي تقاسم مع ابن خلدون طرفيّ المتوسط، عاشا في ذات العصر، وشهدا معا صعود العثمانيين وسطوع نجم تيمور ودخوله الشام.
وإذا كان ابن خلدون قد فاوض المغول بعد أن أنزلوه من أعلى السور في قفّة ليستقبله تيمور في فازة، فإن الدوج "دندولو" الجد هو الذي رسم للحملة الصليبيّة الرابعة خارطة طريق للقسطنطينيّة بدل القدس، وكفى المسلمين شرّ دهماء أوروبا.
ها هو الحفيد يشيّد من ذاك المجد التليد قصرا، ليكون لائقا لتكريم وفادة ضيوفه من البابوات والملوك وومبعوثيهم والكرادلة.
فكرتُ في ما سيكون عليه حال ابن خلدون لو استقبله الدوج في قصره، لعلّه لن يتردد أن يعرض عليه خارطتة أيضاً لفتح إفريقيا عرفاناً، كما فعل مع المغوليّ.
بعد نحو خمسة قرون من هذا التاريخ، ستسقط البندقية وسيتم ترسيم جديد للحدود، تخضع فيه البندقية للنمسا، ثم يلغي "نابليون" منصب الدوجيّة، فيصبح العصر الذهبي للبندقية أثرٌ بعد عين، وطال البلى بعد ذلك كثير من شواهد المدينة العظيمة، وكان قصر الدوج من بينها.
بحلول عام 1822 كان القصر قد هُجر، وتثلّمت جدرانه وصار آيلا للسقوط. في الوقت ذاته وقف بايرون في الضفّة الأخرى من إيطاليا يراقب فزعا جثة صديقه الشاعر "شيللي" وهي تحترق، قبل أن يقفل عائداً إلى البندقية ليعزّي النفس قليلا بالتسّلل عبر نوافذ البيوت ومشربيّاتها، فالشاعر يقسم أنّه قادر للنفاذ إلى مخدع أي إمرأة فينيشيّة، ولو كانت حفيدة الدوج نفسه.
ولمّا اشترى "دانيل" الرجل الموسر القصر، حوّله إلى فندق أطلق عليه اسم (فندق دانييل) وراقه أن يضيف مفردة الملكيّ ليكون الإسم: فندق دانيلليّ الملكي.
واجتهد الرجل كما فعل الدوج من قبل، في تزيينه وجعله قبلة أنظار الملوك والأمراء فقصده "وليم" ملك بروسيا و"شارلز ديكنز" و"بلزاك" و"بروست" و"جورج صاند" و"الفريد دي موسيه".
فبين جنبات هذا القصر، جمعت أنثى العنكبوت "جورج ساند" قصة حب بضحيّتها المسرحي والروائي الفرنسي "الفريد دي موسيه" وكان حينها في الثانية والعشرين من عمره، حدث ذلك في الغرفة رقم 10 ، التي ما برحت مأوىً محبّباً لكلّ طائفة العناكب.
كتبت "ساند" من هذه الغرفة مجموعة من رسائلها التي تعدّ ظاهرة فريدة في دنيا الأدب.
ولمّا انتابت "دي موسيه" وعكة صحيّة، طلبت "ساند" لحبيبها طبيباً، وما أن بدأ يتعافي حتى اكتشف أن العنكبوت قد تحوّلت عنه إلى طبيبه، فاستسلم الروائي الشاب للأمر الواقع، وعاد حزيناً بعدها إلى باريس.
وإمعانا في النكاية به، تبعته مع طبيبها إلى باريس.
ولمّا سحرها أنف "شوبان" الذي كان يستخدمه لأغراض عدّة، أقلّها اصبعاً إضافيّاً للعزف على أصابع البيانو، دفعت بالطبيب البندقيّ من النافذة، فعاد من حيث أتى يضمّد جراحه.
فكرتُ بهذا كلّه وأنا أتملّى بهو قصر الدوج بمقوّساته ومقرنصاته وأعمدته المنقوشة وبلاطاته اللامعة وسقفه المرتفع، والحيوات التي ملأ عَبَقها تاريخ القصر وغرفه الفخمة، والتي فات الشيخ ابن خلدون أن يظفر ولو بليلة واحدة فقط، من لياليها الحمراء.
‫#‏محمد_أحمد_السويدي_مقالات‬
‫#‏أثنى_العنكبوت‬
‫#‏قصر_الدوج‬