Tuesday, 8 March 2016

مداوروش

مداوروش




قادتنا المصادفة المحضة إلى الحكاية التالية:
قرأت وأنا في روما يوميّة جوته التي دوّنها في يوم 18 نوفمبر عام 1786 عن حكاية النفس التي طالما احتفظ بمحفورات طباعية ملوّنة عنها في غرفته، بيد أنه شاهد الأصل على هيئة لوحة جصيّة سقفية نفّذها فنان عصر النهضة رافائيل في فيلا فرنسيني.
وكدأبي في مثل هذه الأمور قلت لأتحرّى هذا العمل، فأنا لا أفوّت شاردة ولا واردة لرافائيل.
فقصدت في يوم 15 يناير فيلا فرنسيني وشرعت بالنظر في أجنحتها إلى أن بلغنا صالة الاستقبال فبهتُّ لمشهد هذا العمل الباذخ والساحر. فرحت أفتّش عن مصدر الحكاية التي استمدّ منها رافائيل إلهامه، وأشدّ ما أدهشني أنني اكتشفت أن الفيلا كانت مملوكة في الأصل للتاجر الذّائع الصّيت اتشيجي والذي كنت قد كتبت عنه فصلاً قبل سنوات، فقلت كيف لمثل هذه الفيلا أن يغمرها النسيان وكانت موائدها لا تكاد تنقطع وأطباق الذهب والفضّة تُرمى إلى النّهر للدلالة على فرط بذخ الرجل؟
كيف سُلب اسمه وحلّ اسم آخر وهو راعي رافائيل وباني الفيلا؟
كيف يمكن أن تُنسب لمن أتى بعده وأصبح الرجل نسياً منسيا؟
وفي جانب آخر من الحكاية وفي يوم 2 فبراير كنت على موعد مع رئيس الجمهورية الجزائرية عبد العزيز بو تفليقة وبحضور الأخضر الإبراهيمي، فسألني الرئيس: هل ستذهبون في الغد إلى عنّابة؟
فقلت: لأجل أبوليوس.. نعم، سنذهب
ثم أخذت أسرد على فخامته وعلى الأخ الأخضر حكاية أبوليس الذي عاش بين عامي (125م - 180 م) وقد ترعرع في مداوروش في سوق أهراس شرقي الزائر، وهو كاتب وخطيب وفيلسوف وعالم طبيعي وكاتب أخلاقي وروائي ومسرحي وملحمي وشاعر غنائي.

كتب رواية التحوُّلات أو (الحمار الذهبي) باللغة اللاتينية القديمة في 11 جزءًا، روى فيها مغامرات شاب يُدْعَى لوسيوس، شاءت الصدف أن يُمسخ حمارًا بعد أن أراد أن يتحوّل إلى طائر. فصار يتنقَّل من مكان إلى مكان، وهو يُمعْن النظر في غباء البشر وقسوتهم. وأخيرًا تنجح الإلهة المصرية إيزيس في إعادته إلى هيئته البشرية. وتحتوي الرواية عدة حكايات قصيرة خارج الخط الروائي الأصلي، أشهرها قصة كِيُوبيد وأبسيك وهي التي صوّرها روفائيل في قصر راعيه تشيكي.
فقال الإبراهيمي إنه سمع بهذه الفيلا ولكنّه لم يكن يعرف أنها تعود إلى اتشيجي.
وفي اليوم التالي حطّت بنا الطائرة في مطار عنّابة واستقبلنا الوالي، ثم قصدنا لاحقا سوق أهراس ومداوروش، وهي المدينة التي شهدت ولادة الرجل الذي جعلنا جوته نتلقّف المفتاح للعثور على حكايته، بينما نفض رافائيل غبار الزمن عن الرواية ومنحها بهاءً عالياً يليق بها، فلا يمكنك الآن أن تتطلع إلى حكاية النفس من غير أن ترفع رأسك إلى سقف فيلا اتشيجي.