Saturday, 5 March 2016

في عالم العطور


في عالم العطور



إذا كان اللسان يميّز بين الملوحة، والحموضة، والمرارة، فالأنف متفوّق بتمييز ما يقرب من عشرة آلاف نوع من الروائح، ففي الجزء العلويّ خلف قناتي الأنف تنتشر بحجم طابع بريد آلاف البصيلات الشميّة المستعدّة لاستقبال الجزيئات المنبعثة من مختلف الروائح (الأشياء)، وهي ترتبط بجينات مبرمجة لفكّ شفرة كلّ رائحة على حدة، لترسلها عبر الألياف العصبيّة في الأنف على شكل موجات كهربائية إلى مركز الشمّ في الدّماغ. فإذا كان الجين المرتبط برائحة ما معطوباً أو تالفاً في الشريط الجيني، فسوف يتعذّر عليك شمّ تلك الرائحة، إنّ هناك من لا يستطيع تمييز رائحة الكافور اللّاذعة على سبيل المثال لخلل جينيّ.
إن لمفعول هذه الروائح طيفاً واسعاً من التأثير وردّة الفعل لدى الإنسان، فمن انبعاث الذكريات مروراً باللذّة، إلى الفرح أو الغمّ أو الغثيان، كلُّ ذلك بمقدور هذه الخلايا عمله إذا ما تعرّضت للروائح.
في عالم العطور استطاع الإنسان في منتصف القرن الماضي أن يصنّع الروائح المختلفة كيميائيا، فشانيل خمسة هو أولّ عطر صناعي سُوِّقَ على نطاق واسع
وقد قسّم الخبراء الطّيب إلى ثلاث طبقات، أوّلهنّ النّوطة العالية وهي الجزيئات الخفيفة المنبعثة من العطر لتضرب بصيلات الشمّ، تعقبها النّوطة الوسطى وهي طبقة كامنة في التركيب العطري تحتاج إلى وقت أطول لفكّها، ثمّ النّوطة القرار تلك التي تحتاج إلى أكثر من نصف ساعة أحيانا للوصول إليها.
والعطور الكلاسيكيّة إمّا أحاديّ الزّهر وهي تلك العطور التي تطغى فيها رائحة واحدة كالورد، وإمّا ذات الطّاقة من الزهور، وهناك العطور الشرقيّة التي يطغى فيها العنبر، والعطور الخشبيّة التي قد تحوي الصندل والعود وخشب الأرز والباتشولي، وهناك العطور الجلديّة التي تنبعث منها رائحة العسل، أو الخشب، أو التبغ، وكذلك العطور القبرصيّة، ذات النّوطة التي أعلاها حامض ووسطها زهري، وقرارها طحلب كالبرغموت، والباتشولي، وطحلب البلوط، وآخرها العطور السرخسيّة التي تنبعث منها الخزامى، وطحلب البلوط، والكومارين، وهناك تصنيفات مغايرة حديثة وأكثر حداثة ولكنني آثرت التصنيف الكلاسيكي الذي يعود إلى مطلع القرن العشرين.
يطلق على خبير العطور لقب –أنف- ، ومهمّة الأنف في هذه الصناعة هو تعطيل الحواسّ الأربع لشحذ الحاسّة الخامسة (حاسّة الشمّ) على تقرّي وفكّ شفرة الطيب، هذا شأن الخبير، أمّا روجا دوف فبالإضافة إلى كونه أنفا كبيرا، إلّا أنّه مايسترو عطور كذلك، يحسن اختيار وقيادة أوركستراه العطريّة، وعلى الرّغم من الأربعة عشر رقما ونيّف التي تحمل اسمه، إلّا أن العطر رقم واحد هو أحبّها إلى قلبي.
إنّ العسل الدافئ المرسل من تحت تنّورة نديّة، اللاذع كالفلفل، هو عطر ورد مايو (روز دي ماي) المقطوف من غراس (مدينة في الجنوب الفرنسيّ)، وهو أوّل نغمٍ عالٍ يصلك من أوركسترا روجا دوف العطر واحد. وإن كان الظفر بكيلو واحد من زيته يحتّم تقطير ما يزن أربعمائة كيلو من الورد نفسه، فشمّك قطرة من ذاك العطر تشعرك أنّك الساحر جرينويل بطل قصّة عطر. وحده روجا دوف يعلم كم أضاف من البيرجاموت ومن البرتقال لهذا المزيج. وإن استغرقت قليلا في الشمّ لفكّ شفرة العطر فثمّ الياسمين الغراسي الذّائع الصّيت، والصّندل الميسوري المجلوب من أدغال الهند. وحتّى لا تضيع موسيقى هذا النشيد، يلقي روجا دوف مراسيه ومثبّتاته الشهيرة كزيت المرّة اليمنيّ وزيت الإيلانج الفلّبيني، ويختم مزيجه بقطرة من مثبّت آخر هو زيت طحلب البلّوط.