Showing posts with label Ourprojecttravelliterature. Show all posts
Showing posts with label Ourprojecttravelliterature. Show all posts

Wednesday, July 5, 2017

محادثات مع غوته


بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي ، قامت « #القرية_الإلكترونية » بترجمة يوميات من حياة شاعر ألمانيا الكبير "#جوته"، المعنونة بـــ «محادثات مع غوته»، من تأليف: «يوهان بيتر إيكرمان*»، وهي عبارة عن يوميّات كتبها "إيكرمان" عن السنوات الأخيرة من حياة «غوته Goethe»، وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في الصفحة نأمل أن تحوز إعجابكم.
---------
محادثات مع غوته - تأليف: يوهان بيتر إيكرمان
ترجمة من الألمانية للإنجليزية: «جون أوكسنفورد»
ترجمة من الإنجليزية: «عمار جمال»
-----
الجزء الرابع
---------
الثلاثاء، 27 يناير، 1824.
تحدث جوته معي عن الاستمرار في كتابة مذكراته، التي تشغل وقته وجهده في الوقت الحالي. وأورد ملاحظة بخصوص أنَّ الفترة الأخيرة من حياته لن تروي بمثل الدقة التي سرد فيها أزمنة الشباب في مذكراته التي جاءت بعنوان "من حياتي: الشعر والحقيقة". وقال: "عليّ مُعالجة هذه الفترة في وقت لاحق بصورة أكثر بأسلوب سجلات الأحداث: بحيث تظهر أفعالي نحو الخارج أكثر من حياتي الداخلية. إنَّ الجزء الأهم من حياة الفرد هو ذلك الخاص بتطوره الذاتي، وقد لخَّصتها في مجلدات مفصلة في "من حياتي: الشعر والحقيقة". بعدها يبدأ الصراع مع العالم، والتي تثير الاهتمام فقط في نتائجها.
"ثم ما هي حياة المثقف الألماني؟ فما قد يكون جيداً بالفعل في حالتي لا يمكنني مشاركته، وما يمكن مُشاركته لا يستحق العناء. إلى جانب ذلك، أين يوجد المُستمعون الذين قد يشعر المرء معهم بالرضا؟
"عندما أعود إلى الفترات الأولى والوسطى من حياتي، والآن في سن الشيخوخة، أفكّر في عدد قليل من أولئك الذين قضوا معي الطفولة، ودائماً أفكّر في الإقامة الصيفية في أماكن الاستحمام. عند وصولك، يمكنك خلق تعارف وأصدقاء من أولئك الموجودين بالفعل في المكان منذ حين، والذين سيغادرون في غضون أسابيع قليلة. الخسارة مؤلمة. ثم تتحول إلى الجيل الثاني، الذي تعيش معه فترة جيدة، وتكون أكثر حميميّة. ولكن هذا الجيل يمضي أيضاً، ويتركنا وحيدين مع الجيل الثالث، الذي يأتي في اللحظة التي نقرر فيها الذهاب، والذي ليس لدينا أمرٌ ذو شأن يجمعنا معه.
"لقد سبق أن كنتُ ممن يبتسم لهم الحظ، حيث لم أشك أو أجد خطأ ضمن مسار حياتي. ولكن في الحقيقة، لم يكن هناك سوى الكدح والرعاية، ويمكنني القول إنه خلال سنوات حياتي السبعين لم أملك شهراً من الراحة الحقيقية، لقد كانت حياتي مثل حجرٍ يتدحرج باستمرار، حيث كان عليّ دائماً النهوض من جديد. سوف أقدّمُ ملاحظات واضحة عما أقوله الآن في سجل أحداث حياتي الذي أقوم بتدوينه. فقد كانت الادعاءات المتعلقة بنشاطي، من الداخل أو الخارج، كثيرة جداً.
"كانت سعادتي الحقيقية تكمن في تأمل الشعر وإنتاجه. ولكن كيف كانت ظروفي الخارجية تشوشه، وتحدّ منه، وتعيقه! لو تمكنتُ من الامتناع عن الحياة العامة، والعيش أكثر في العزلة، كنتُ بالضرورة سأكون أكثر سعادة، وكنتُ لأنجز كشاعر أكثر مما قمتُ به بكثير. ولكن، بعد فترة وجيزة من كتابة مسرحية "غوتس فون برليشنغن" ورواية "آلام فرتر"، تحقَّقتْ لي الحكمة القائلة- ’إذا فعلت أي شيء من أجل العالم، سوف تحذر بشدة من فعل ذلك لمرة ثانية‘. 
"إنَّ الشُهرة واسعة الانتشار، والمكانة السامية في الحياة، هي أشياء جيّدة، ولكن، بالنسبة لمكانتي الاجتماعية وشهرتي، ما زلتُ مضطراً إلى أن أكون صامتاً حيال رأيي في الآخرين، ولا يجوز لي القيام بإطلاق إساءة. لن يكون هذا سوى أمرٍ مُثبطٍ للهمم، إن كان يعني أنني لا أملك أفضلية تعلُّم أفكار الآخرين دون أن يكونوا قادرين على تعلُّم أفكاري".
الأحد، 15 فبراير، 1824.
هذا المساء دعاني غوته لممارسة المشي قبل تناول وجبة الغداء. وعندما دخلتُ الغرفة وجدتُه يتناول وجبة الإفطار: بدا سعيداً وفي حالة ممتازة.
"لقد حظيتُ بزيارة ممتعة"، قال مبتهجاً. "قبل قليل كان معي شابٌ واعدٌ من ويستفاليا، اسمه ماير، يكتب قصائد تنبيء بآمال عالية، إذ حقّق تقدماً لا يُصدَّق وهو لا زال في سنّ الثامنة عشر.
"سعيدٌ أنا"، واصل حديثه مبتسماً "، إذ لستُ في عمر الثامنة عشر الآن. عندما كنتُ في الثامنة عشرة، كانت ألمانيا في سن المراهقة أيضاً، وكان يمكنك القيام بإنجاز شيٍء ما. أما الآن، فقد يتطلب الأمر صفقة كبيرة، وفي الوقت نفسه يتم حظر كل سبيل.
"ألمانيا نفسها تقف عالية جداً في كل جانب منها، حيث بشق الأنفس نملك قدرة دراسة كل ما أنجزته؛ والآن يجب أن نكون يونانيين ولاتينيين، وإنجليزًا وفرنسيين ضمن مساومة جامعة. ليس هذا فحسب، فلدى البعض ولع مجنون في الإشارة إلى الشرق أيضاً؛ وبالتأكيد هذا يكفي لإرباك عقل كًلّ شاب!
"ومن باب المواساة، جعلتُه يرى تمثال رأس الألهة جونو الهائل، كعلامة على ضرورة تمسُّكه بالإغريق، والعثور على السلوى هناك. إنه شاب جيّد، وإذا استطاع الاعتناء ونجح في عدم تبديد طاقاته، فسيكون له شأن. ومع ذلك، كما قلتُ من قبل، أشكر السماء أنني لست يافعاً في هذا الزمن الذي بلغ اكتماله. لم أكن لاستطع البقاء هنا. وحتى في حال لجأت إلى أمريكا، فسأكون قد تأخرتُ كثيراً، إذ لا وجود لكثير من الضوء حتى هناك".
الأحد، 22 فبراير، 1824.
تناولتُ وجبة العشاء مع غوته وابنه. قصّ علينا هذا الأخير بعض القصص الشيِّقة عن الفترة التي قضاها طالباً في هايدلبرغ. حيث كان يقضي كثيرًا من أوقات إجازته مع أصدقائه في رحلة على طول نهر الراين، وسرد لنا على وجه الخصوص عن ذكرى عزيزة مع صاحب منزل، قضى في منزله وعشرة طلاب آخرين إحدى الليالي، حيث قدَّم لهم النبيذ مجاناً، فقط لمجرد أنه شاركهم بهجة حفل طلابي لتناول الكحول "commerz".
بعد العشاء، عرض علينا غوته بعض الرسومات الملونة لمناظر إيطالية، وخاصة من شمال إيطاليا، مع الجبال السويسرية المجاورة، وبحيرة لاغو ماغيور. كانت الجزر البوروميانية تنعكس على صفحة الماء. وبالقرب من الشاطئ توجد قوارب وأدوات صيد الأسماك، مما دفع غوته إلى القول إنَّ هذه هي البحيرة المذكورة في روايته "سنوات تجوال فلهلم". في الشمال الغربي، ناحية مونتي روزا، وقفت التلال المتاخمة للبحيرة في شكل كتل كثيفة سوداء مع مسحة زرقاء خفيفة، مثلما نراها في الوقت الذي يتلو غروب الشمس مباشرة.
أبديتُ رأيي، أنه بالنسبة لي، أنا الذي وُلِدتُ في السهول، فإنَّ المهابة الكالحة لهذه الكُتَل وَلَّدت لدي شعوراً بعدم الارتياح، وأنني لا أرغب أبداً في استكشاف مثل هذه الخبايا البريّة.
"هذا الشعور هو أمرٌ طبيعي"، قال غوته. "إنها الحالة الوحيدة المناسبة للإنسان الذي ولد ضمنها ومن أجلها. كُلّ من لا تدفعه الأشياء العُظمي للسفر، سيكون أكثر سعادة بكثير في المنزل. في البداية، لم تترك سويسرا انطباعاً كبيراً لديَّ، بل جعلتّني مشوشاً ومضطرباً. فقط بعد زيارات متكررة- فقط بعد سنوات، عندما زرتُ هذه الجبال لمجرَّد دراسة معادنها- تمكَّنتُ من الشعور بالراحة فيها".
نظرنا بعد ذلك، في سلسلة طويلة من الصفائح النحاسية، للوحات فنانين حديثين في واحدة من صالات العرض الفرنسية. كانت الابتكارات التي تطرحها هذه اللوحات تشترك تقريباً في أنها ركيكة، ومن بين الأربعين قطعة، وجدنا بالكاد أربعة أو خمسة جيدة. مثل فتاة تُملي رسالة حُبّ؛ امرأة في منزل إيجار، لن يتخذه أحد للسكنى. "اصطياد سمك"؛ "وموسيقيين يقفون قبالة لوحة مادونا. لم تكن المناظر الطبيعية المرسومة بأسلوب نيكولا بوسان سيئة: وعند تمعُّنه في هذه المناظر، قال غوته " لقد أخذ هؤلاء الفنانون فكرة عامة عن مناظر بوسان الطبيعية، واشتغلوا عليها".
لا يمكننا وسم صورهم بالجيدة أو السيئة: فهي ليست سيئة، حيث، من خلال النظر لكل جزء، يمكنك التقاط لمحات من نموذج ممتاز. ولكن، لا يمكنك الجزم بجودتها، لأنَّ الفنانين يريدون عادة الميزة الشخصية الكبيرة من فنّ بوسان. وهذا يشابه ما يحدث بين الشعراء، حيث، على سبيل المثال، يوجد أولئك الذين من شأنهم خلق بنية غاية السوء على نمط شكسبير الجليل". 
انتهينا، بعد الدراسة والتحدُّث لفترة طويلة، بتمثال روخ لغوته، الذي صنعه لأجل مدينة فرانكفورت.
الثلاثاء، 24 فبراير، 1824
ذهبتُ إلى غوته في تمام الساعة الواحدة من نهار هذا اليوم. حيث أراني بعض المخطوطات التي كان قد كتبها للعدد الأول من المجلد الخامس من "عن الفن والعصور القديمة". ووجدتُ أنه كتب تذييلاً لكتابتي النقدية عن "باريا الألمانية"، في إشارة إلى كل من المأساة الفرنسية وثلاثيته الغنائية، وبهذا كان الموضوع، إلى حد ما، مُكتملًا.
"لقد كنتَ على حق تماماً"، قال غوته: "للاستفادة من فرصة كتاباتك النقدية، في التعرّف على المسائل الهندية، طالما، في النهاية، نحن نحتفظ من دراستنا فقط بتلك التي نعمل على تطبيقها عملياً".
وافقتُه الرأي، وقلتُ إنني قد خضتُ هذه التجربة في الجامعة، حيث بين كُلّ ما قيل في المحاضرات، كنتُ قد احتفظتُ فقط، بقدر استطاعتي، من خلال ميل طبيعتي، بما يملك تطبيق عملي. وعلى العكس من ذلك، كنتُ قد نسيتُ تماماً كل ما كنتُ غير قادر على اخضاعه للممارسة. ''سمعتُ محاضرات هيرين حول التاريخ القديم والحديث، وحالياً أجهل كلّ ما له علاقة بخصوص هذه المسألة. ولكن إذا قمتُ بدراسة فترة من التاريخ من أجل علاجها درامياً، فما أتعلمه سيبقى محفوظاً في أمان إلى الأبد".
قال غوته: "إنَّ الأكاديميات تُقدِّم الكثير من الأشياء، والكثير جداً منها لا جدوى منه. ثم يطيل الأساتذة، كُلّ من ناحيته، كثيراً في موضوعه- إلى ما هو أبعد من رغبة سامعيهم. في السابق، كانت محاضرات الكيمياء وعلم النبات تنتمي إلى دراسة الطب، بحيث كان بإمكان الطبيب الاحاطة بها. أما الآن، أصبح كلاهما شديد الاتساع، إذ يتطلب كُلّ واحد منهما حياة؛ ولكن لازالت معرفتهما متوقعة من قبل الطبيب. لا شيء يمكن أن يُثمر من هذا؛ يجب إهمال شيء واحد ونسيانه من أجل الآخر. والحكيم هو من يضع جانباً كل الادعاءات التي قد تُبدِّد انتباهه، ويقتصر على فرع واحد، ويتفوق فيه".
يتبع....
________________
*«يوهان بيتر إيكرمان» Johann Peter Eckermann 1792-1854: عمل كأمين خاص لجوته في الفترة الأخيرة من حياة الأخير. وسرعان ما أصبح كتابه محادثات مع غوته، ذو شعبية تخطت الحدود الألمانية، ولعب دوراً مهما في إحياء الاهتمام والتقدير لأعمال جوته في وقت لاحق.

Thursday, June 15, 2017

مدرج فيرونا




«مدرج فيرونا» من مشروعنا المتجدد الرحلة الإيطالية لشاعر ألمانيا العظيم «جوته» ،يقوم على رعايته وإختيار وترجمة مادته الشاعر والرحالة الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي
إن المدرّج هو أول نصب عظيم من أنصاب العالم القديم تقع عليه عيناي.
وياله من مدرج يحتفظ بمعالمه! حين دخلته، ثم حين جبت في ارجائه وصولاً الى حافته العليا، غمرني شعور خاص بانني انظر في فراغ، رغم عظمة المدرج.
فما ينبغي لهذا المدرج ان يرى فارغاً، بل ان يكون ضاجاً بالبشر، كما كان حاله في الآونة الاخيرة في مناسبة تكريم جوزيف الاول والبابا بايوس السادس. ويقال ان الامبراطور الذي اعتاد استقبال الحشود، ذهل للأمر. ولكن ما كان للمدرج ان يترك الاثر العميق التام إلا في العصور الغابرة، يوم كان الشعب شعباً بحق، اكثر مما هو عليه الحال في يومنا هذا. فمثل هذا المدرج قد صمم، في الاساس، لكي يثير عجب الناس، وان يزرع فيهم الشعور بالهناء.
وحين يقع ما يستأهل المشاهدة على مستوى القاع، ويشرأب كل فرد في الجمع لكي يطل على المشهد، فان الجالسين في المؤخرة يلتمسون شتى السبل كيما يسددوا انظارهم من فوق الجالسين في الصفوف الامامية: فالبعض منهم يقف فوق المصاطب، والبعض يعتلي البراميل، والبعض يجلب عربات ويضع عليها دكة من الخشب بالعرض لتقوم مقام صقالة للفرجة، والبعض يرتقي التلال المحيطة بالمدرج. وتجدهم يؤلفون، على هذا النحو، نوعا من حفرة بشرية في لمح البصر. أما اذا تكرر عرض المشهد في البقعة عينها، فانهم يقيمون سرادقات مؤقتة لمن يستطيع دفع الثمن نقداً، أما الباقون فيتدبرون أمر الفرجة على خير ما يستطيعون. ان مهمة المهندس المعماري تكمن في ان يلبي هذه الحاجة. ويبتدع بفنه المعماري حفرة متدرجة، سلسة قدر الامكان، أما الجمهور فيؤلف زينة المكان. وحين يتحشد اولاء في تراصف شديد، يذهلون من انفسهم. فهم معتادون في غير هذه الاوقات على ان يروا بعضهم البعض غادين ورائحين هنا وهناك في ارتباك، ماضين في سبيلهم دون انتظام أو اتفاق. أما في المدرج فان هذا الوحش الهائل، المتعثر، المتقلب، برؤوسه الغفيرة، وعقوله الكثيرة، يرى نفسه، بغتة، موحداً في جماعة نبيلة، ملتحماً في كتلة، فهو جسد واحد يضج بروح حية واحدة. ويشعر الجميع ببساطة هذا الشكل الاهليلجي باعتباره الطف الاشكال واكثرها راحة لعين الناظر، وان كل رأس من الحشد يقوم مقام مقياس لضخامة نطاق المجموع. أما حين يخلو مبنى المدرج، من البشر فلن تجد معياراً لقياس ضخامته أو صغره.
ولا ريب ان الثناء واجب على اهالي فيرونا للطريقة التي حافظوا بها على هذا الصرح. ان المرمر البني الضارب للحمرة الذي شيد منه المدرج يتأثر بتقلبات الطقس، فتراهم يواضبون على ترميم الدرجات التي اصابها التآكل، وان سائر الدرجات تقريباً تبدو زاهية، جديدة. وهناك عبارة منقوشة على المرمر تمجد ذكرى شخص معين يدعى هيرونيموس مورينيوس على ما كرسه من جهده للحفاظ على هذا الصرح. ثمة جزء صغير من السور الخارجي ترك منتصباً في مكانه، ولا اظن ان بناءه قد أكمل البتة. وهناك قباب لصق ساحة كبيرة تُدعى "ايل برا"، تؤجر لبعض الفنانين، وانه لمن دواعي سرور العين ان ترى هذه الكهوف ضاجة بالحياة من جديد.

Sunday, June 11, 2017

رحلة في البادية إسكندر الحايك ضمن مشروعنا - 2



http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=716

رحلة في البادية إسكندر الحايك ضمن مشروعنا #أدب_الرحلة بتكليف ورعاية كريمة من الشاعر الإماراتي  محمد أحمد السويدي
(2)
 وإذ كنت بعد ظهر ذلك اليوم أفكر في أمر مسيرنا وقد اسودت السماء في وجهي إذا برجل جليل يدخل علي وكانت ملامحه تدل على إنه شيخ إحدى القبائل العربية فرحبت به ودعوته للجلوس فجلس وقال: أنا محمد شيوخ شيخ قبيلة شمر، وقد بلغني أنكم ذاهبون إلى الموصل سالكين طريق الجزيرة.
قلت: نعم، وكيف عرفت ذلك؟
قال: خبركم قد شاع في كل المدينة
قلت: وما رأي الشيخ في هذه الرحلة
 قال: رأيي أن تعدلوا عنها لأن في الجزيرة أهوالاً تفوق الوصف وقبائل رديئة للغاية تلحق الأذى بأي من وقع بين أيديها
قلت: وهل لكم أن تساعدونا للنجاة من شر تلك القبائل؟
 قال: إذا خلصتكم من أيدي العربان كيف تنجون من أيدي اليزيدية؟ فإن جمال باشا والي الموصل اضطر أن يدفع (الخوة) مالاً وافراً لقاء مروره في أرض أولئك الجماعة وهو ممثل الدولة في تلك البلاد، وهم خاضعون لسيطرته.
وحين اجتاز تلك الأراضي كان يقوم بحراسته مائتا فارس من أشجع الناس وأبسلهم وأشدهم بأساً.
ووادي سنجار واد مخيف يقطنه عبدة الشياطين اليزيدية. قلت: كلما قيل لنا أن سفرنا محفوف بالأخطار تشتد رغبتنا في السفرة ولذا اجتياز الجزيرة في أخطارها وغايتنا أن نرى بأم العين ما هو جار في تلك البقاع فلقد سمعنا عنها أشياء كثيرة ومتنوعة ولربما لم تكن كلها حقيقية.
قال: يظهر لي أنك شجاع وأنك تحمل الغير على الشجاعة فدعوت هذا السائح إلى تفقد الجزيرة مبعداً عن مخيلته كل ما يشتم منه رائحة خوف
 قلت: لست بأشجع من هذا السائح فهو الذي يتوق إلى هذه الرحلة لأنه لا يبالي بالموت فهو يعتقد أن المرء مائت عاجلاً أو آجلاً
قال: وهل أنتم مسافرون غداً؟
 قلت: نعم بإذن الله. وأراد الشيخ أن يودعنا وينصرف فألححت عليه ليتناول العشاء معنا فقبل دعوتنا وقد استفدنا منه في السهرة أشياء مهمة تتعلق بأحوال الجزيرة. وشاء أن يساعدنا فبعث معنا بعلامة إلى شيخ قبيلة الجبور وهي القبيلة الكبيرة الأولى التي كنا مزمعين على المرور بها بعد اجتيازنا نهر الخابور (الذي هو فرع من الفرات).
ثم سألته: أين هي قبيلتكم؟
قال: حوالي الموصل في أرض الجزيرة
قلت: وهل نلتقي في الطريق؟
 قال: لا يسعني أن أفيدك لأن أمرنا بالحل والترحال فإذا كانت القبيلة لا تزال هنالك التقينا وإلا فاجتماعنا في الموصل. أما العلامة التي كانت بمثابة توصية بنا والتي بعث بها إلى شيخ قبيلة الجبور فهي مع ملاحظة إنه يجب علينا عند وصولنا إلى حدود القبيلة أن نتوقف ونرسل فارساً رافعاً علماً أبيض (علامة الصداقة) إلى قبيلة الجبور ويقابل الشيخ حمود شيخ القبيلة ويقول له هذه العبارة: إن محمد شيوخ عرب شمر لا يستطيع المرور هناك في أثناء رجوعه لأنه مسافر بطريق البديع وأبو حامضه وهو يقول إن الأسعار لا توافق الآن: انتظروا شهراً آخر. وكان الشيخ حمود قد كلف الشيخ محمد شيوخ يستفهم له عن أسعار السمن والصوف في أثناء مروره
حوالي الساعة الحادية عشرة مساء طلعنا خارج الخيمة فوجدنا جمع غفير من أهالي دير الزور حول الخيام يتفرسون في الحملة ويتعجبون من رحلتنا في الجزيرة ثم ودعنا الشيخ وانصرف.


 



Saturday, June 10, 2017

رحلة في البادية لـ إسكندر الحايك ضمن مشروعنا


رحلة في البادية لـ إسكندر الحايك ضمن مشروعنا #أدب_الرحلة نعيد نشرها بتكليف ورعاية كريمة من الشاعر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي
رحلة لرجلين على ظهر الخيل استمرت مائة وثلاثين يوماً تضمنت كثيراً من المخاطر والغرائب قام بها إسكندر يوسف الحايك بطلب من باسيل كورباه أحد رجال الحكم القيصري الروسي الذي جاء المشرق ليجوب البادية الآهلة بالقبائل العربية لغاية سياسية. بدأت الرحلة من القاهرة إلى بيروت ثم دمشق فدير الزور ونينوى والموصل وديار بكر وبغداد وشبه الجزيرة العربية.
(1) مع متصّرف دير الزور
كانت دير الزور في تلك الآونة متصرفية مربوطة رأساً بالأستانة فلم تكن تابعة لإحدى الولايات. وكانت محطة للعربان يبيعون صوفهم وسمنهم وغنمهم في أسواقها ويستلفون من تجارها المال على الحاصلات.
9 نيسان:
 استيقظت ورفيقي السائح حوالي الساعة الثالثة صباحاً فجلسنا بثياب النوم على ضفة الفرات نمتع الأنظار بمياهه وتناولنا القهوة هنالك وكان الطقس جميلاً والهواء منعشاً وكنا نفكر في أمر مصيرنا في الجزيرة وكنا قد أزمعنا السفر إليها فأخذنا نضرب أخماساً بأسداس معلقين رجاءنا على الخالق عز وجل وطلع النهار فتناولنا طعام الصباح وارتدينا ملابسنا وذهبنا عند الساعة الثامنة إلى السراي نريد مقابلة المتصرف وكان شاباً في مقتبل العمر فرحب بنا كثيراً واستقبلنا بكل بشاشة. وعندها أثبتنا له إننا نبغي السفر إلى الجزيرة ورجونا منه أن يقدم لنا المساعدة اللازمة وكنت أعتقد إننا نكتفي بعشرين فارساً مسلحاً فطلبت إليه هذا العدد فابتسم وقال: إذا كنتم ترومون اجتياز الجزيرة فيلزمكم على الأقل خمسمائة فارس بأسلحتهم الكاملة ولا سبيل إلى إمدادكم بهذا العدد. وأني أنصح لكم بالعدول عن هذه السفرة فإنها محفوفة بالأخطار. قلت: سنذهب إلى الجزيرة وليس ما يثبط عزيمتنا!
 قال: بعثت الدولة بخمسمائة فارس يجمعون الأعشار فسطا عليهم العربان وقتلوا منهم وجرحوا ففر البقية ناجين بأنفسهم ووصلوا إلينا مذعروين يقصون علينا ما كان من أمرهم في تلك الجزيرة فنقلت الخبر إلى أولياء الأمر في الأستانة. وتجهز الدولة الآن حملة قوية لتطويع أولئك القوم ومجازاة الذين ثاروا على الفرسان وفتكوا بهم. قلت: ولكن ذلك لا يمنعنا من القيام برحلتنا.
 قال: أنك لفي خطأ يا صاح وحرام عليك أن تخاطر بحياتك وحياة الذين سيرافقونك على إنه إذا كان لابد من سفركم إلى الجزيرة فأني سأطلب منكم قبل ذلك أن توقعوا وثيقة مآلها أنكم مسافرون على مسئوليتكم الخاصة.
 قلت: أكتب ما تشاء فيوقعها رفيقي بخطه. عندها نادى أحد كتابه وأمره بإنشاء الوثيقة فكتبها الكاتب باللغة الفرنسية وأخذتها إلى رفيقي ليوقعها فوقعها بعد أن دار بيني وبينه جدال طويل بشأن الأخطار المزمعين عليها في تلك الجزيرة وهذه ترجمة تلك الوثيقة:
 أنا الموقع أدناه باسيليوس كورباه من التابعية الروسية أصرح بأنني مسافر إلى الجزيرة على عهدتي الخاصة وقد أقدمت على هذا السفر على الرغم من نصائح متصرف دير الزور الذي أنبأني بكثرة الأخطار المحدقة بي في تلك الجزيرة وإشعاراً بالواقع كتبت بيدي هذه الوثيقة في اليوم التاسع من شهر نيسان من سنة 1914.
الإمضاء: باسيليوس كورباه.
 ثم طلبت من المتصرف أن يتكرم علينا بدركيين يرشداننا إلى الطرقات فوعدني إنه يسعى لإجابة مطلبي وقال لي أن أعود إليه في صباح اليوم التالي. ودعت المنصرف وعدت إلى مركز خيامنا لأشرع بإعداد عدتنا للسفر إلى الجزيرة فوجدت قومنا نائحين باكين وكانوا قد فهموا إننا مزمعين التوغل في الجزيرة مهما كلفنا الأمر فوضعوا نصب أعينهم الموت وحسبوا إنهم لا محال هالكون، فأخذت أشجعهم وأهدئ روعهم بشتى الطرق، على أنني لا أنكر إننا كنا أنا ورفيقي السائح خائفين خوف رجالنا نظراً لشدة الأخطار والأهوال التي كنا مزمعين أن نتعرض لها.
10 نيسان:
 عدت باكراً إلى المتصرف لأعرف ما إذا كان أعد لنا الدركيين فقال لي إنه لم يتوفق إلا إلى دركي واحد وكان ذاك الدركي واقفاً على مدخل السراي وناداه المتصرف وكان اسمه أحمد الغزاوي. فسألته ما إذا كان يريد الذهاب بمعيتنا فأجاب بالإيجاب ثم سألته ما إذا كان يسعه أن يستصحب رفيقاً ثانياً فقال: إن لي صديقاً عزيزاً سأقنعه بمرافقتي قلت على كل حال نحن ننتظرك في خيامنا هذا المساء لأننا عزمنا على السفر في صباح الغد. ودعت المتصرف شاكراً بعد أن سلمته الوثيقة وكان لا يزال يلح علي بالعدول عن رحلتنا هذه. عدت إلى الخيام وباشرت إعداد العدة للسفر مجتزئاً بما نحتاج إليه أشد الحاجة تاركاً جانباً كل ما كان بوسعنا أن نستغني عنه واضعاً جميع ذلك في صناديق سلمتها إلى تاجر من دير الزور وقد طلبت إليه أن يرسلها إلى عميله في حلب نستلمها منه بوصولنا إليها.
 وإذ كنت بعد ظهر ذلك اليوم أفكر في أمر مسيرنا وقد اسودت السماء في وجهي إذا برجل جليل يدخل علي وكانت ملامحه تدل على إنه شيخ إحدى القبائل العربية فرحبت به ودعوته للجلوس فجلس وقال: أنا محمد شيوخ شيخ قبيلة شمر، وقد بلغني أنكم ذاهبون إلى الموصل سالكين طريق الجزيرة.
قلت: نعم، وكيف عرفت ذلك؟
قال: خبركم قد شاع في كل المدينة
 قلت: وما رأي الشيخ في هذه الرحلة
وللحديث بقيّة

Tuesday, May 2, 2017

محادثات مع غوته


بتكليف من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، قامت «القرية الإلكترونية» بترجمة يوميات من حياة "جوته"، المعنونة بـــ «محادثات مع غوته»، من تأليف: «يوهان بيتر إيكرمان*»، وهي عبارة عن يوميّات كتبها "إيكرمان" عن السنوات الأخيرة من حياة شاعر ألمانيا الكبير «غوته Goethe»، وتمت ترجمتها من الألمانية للإنجليزية بواسطة «جون أوكسنفورد»، وترجمها من الإنجليزية إلى العربية: «عمار جمال»، وسوف نقوم بنشرها على حلقات تباعاً هنا في الصفحة نأمل أن تحوز إعجابكم
---------
الاثنين، 9 فبراير، 1823.
وجدتُ غوته هذا المساء وحده في المنزل، كان يديرُ محادثة مع ماير. كنتُ أطالع ألبوماً ينتمي لأوقات في الماضي، يحتوي على كتابة بخطّ اليدِ للعديد من الرجال المشهورين، مثل لوثر، إيراسموس، موشيم، وغيرهم. وقد كتب الأخير الكلمات الرائعة التالية باللغة اللاتينيّة:"الشُهرة هي مصدر الكرب والحزن؛ بينما تكمن السعادة في البقاء في الظلام".
الاثنين، 23 فبراير، 1823.
استمرّ غوته لعدة أيام مريضاً على نحو خطير. بالأمس كان في حالة ميؤوس منها. ومع ذلك، في هذا اليوم جاءت الأزمة التي يبدو أنها أنقذته. لكنه هذا الصباح استمر في القول إنه يائس. لاحقاً، في الظهيرة، قال إنه يخالجه الأمل في التعافى؛ ومرة أخرى، مع مجيء المساء، قال إنه في حال نجا، ولابد من السماح بذلك، لرجل عجوز، سيقوم بمخاطرة عالية جداً.
الثلاثاء، 24 فبراير، 1823.
كان هذا اليوم باعثاً على القلق في ما يخصَ غوته، لأنَّ الظهيرة لم تشهد تحسُّناً مماثلاً لما كان عليه الأمس. وفي نوبة ضعف أخبر زوجة ابنه: "أشعر أنَّ اللحظة التي تصطرع فيها الحياة والموت قد ابتدأت داخلي". ومع ذلك، في المساء، استحوذ المرض على وعيه الفكري الكامل، حتى إنه أظهر خفة لعوبة. "أنت خجول جداً مع العلاجات الخاصة بك"، قال لرحبين. ''كنتَ بخيلاً معي كثيراً: عندما يكون لديك مريضٌ مثلي، يجب على المرء أن يعمل قليلاً بأسلوب نابليون"، ثم شرب كوباً كاملاً من مُستخلص نبات العطاس المغلي، الذي استخدمه هوسكه في اللحظات العصيبة من يوم الأمس، وكانت قد أظهرت بشائر إيجابية. أعطى غوته وصفًا جميلًا لهذا النبات، مطرياً بحماس تأثيره. قيل له إنَّ الأطباء لن يسمحوا للدوق الأكبر برؤيته: فهتف غوته: "هل أنا الدوق الكبير". "لقد سألت عنك كثيرا، وأزعجت نفسي بخصوصك". وفي تلك اللحظة شعر أنه أفضل حالاً، وعندما بدا صدره أقل إرهاقاً، بدأ بالتحدث بسهولة وإدراك واضحيْن، وعندها همس رحبين في أذن شخص جالس دون أن ينبس ببنت شفة: "إنَّ التنفس الأفضل يجلب معه بشكل عام إلهاماً أفضل". غوته، الذي سمع هذا القول، هتف على الفور بنبرة سارة جدا، "كنتُ أعرف ذلك منذ فترة طويلة، ولكن هذه الحقيقة لا تنطبق عليك أيها الضال". جلس غوته مستقيمًا على سريره، مواجهاً الباب المفتوح ناحية الغرفة التي ينجز فيها أعماله، حيث اجتمع أصدقاؤه المقربون دون علمه. بدت لي ملامحه متغيرة قليلا. كان صوته واضحًا وجليَّاً، ومع ذلك كان هناك وقارٌ في لهجته مثل ذلك الذي لرجلٍ يحتضر. حيث قال لأبنائه: "تعتقدون أنني أتحسن، ولكنكم تخدعون أنفسكم". سعينا بطريقة مرحة لإخراجه من مخاوفه، وبدا أنه أخذ الأمر بحسٍّ ساخر. كان عدد أكبر من الأشخاص يدخلون الغرفة باستمرار، الأمر الذي رأيته غير صائبٍ بأي حال من الأحوال، لأنَّ وجود عدد كبير من الناس يفسد الهواء دون مبرر، ويعيق الحاضرين عن المريض. لم أستطع أن أتحدث عن ذلك، لذا نزلت إلى الغرفة السفلى، حيث أرسلتُ نشراتي إلى سموها الإمبراطوري. وقد أيَّد غوته فكرة إعطاء تقرير عن العلاج الذي مُنح له حتى الوقت الحاضر؛ كما قرأ أيضاً قائمة بالأشخاص الذين استفسروا بشأن حالته الصحية، وكان عددهم اليومي كبير جدًا. بعد ذلك استقبل الدوق الكبير، ولم يبْدُ مرهقاً خلال زيارته. وجدتُ عدداً أقل من الأشخاص في غرفة عمله في هذا اليوم. وبعد ذلك لاحظتُ، بفرح، أنَّ ملاحظتي التي كتبتها بالأمس كانت مثمرة بطريق جيدة. والآن بعد أن زال المرض، يبدو أنَّ الناس يخشون العواقب. كانت يده اليسرى متورمة، ويبدو أنَ هناك تهديدات بأعراض داء الاستسقاء. لم نعرف لبعض أيام النتيجة النهائية للمرض. اليوم، للمرة الأولى، استفسر غوته عن أحد أصدقائه؛ ماير، الذي يُعتبر أقدم صديق له. وقال إنه يود أن يُريه الميدالية النادرة التي حصل عليها من بوهيميا، والتي كانت مصدر بهجة له. جئتُ عند الساعة الثانية عشرة ظهراً. وعندما سمع غوته نبأ وصولي، دعاني إلى جانبه. أعطاني يده، قائلا: "أنت ترى شخصاً بُعِث من بين الأموات". ثم كلفني أن أشكر صاحبة السمو الامبراطوري على التعاطف الذي أبدته خلال مرضه. "انتعاشي سيكون بطيئًا جدا"، وأضاف، "ولكن، على الرغم من ذلك، سيكون الأطباء هم من يتلقى شرف المعجزة الصغيرة التي فعلوها لي". بعد بضع دقائق انسحبت. كان لون بشرته جيدًا. إلا أنَّ جسده نحل كثيراً، ولا يزال يتنفس بقليل من الألم. ويبدو لي أنه يتحدث بصعوبة أكبر مما كان عليه الأمر بالأمس. وكان تورم الذراع اليسرى واضحاً جداً. كما كان يبقي عينيه مغلقتين، ويفتحهما فقط عندما يتحدث.

الاثنين، 2 مارس، 1823.
كنتُ هذا المساء في منزل غوته، الذي لم أكن قد رأيته لعدة أيام. جلس على أريكته، وكانت معه ابنته وريمر. كانت صحته أفضل بشكل لافت للنظر. وقد انتعش صوته وعاد لنبرته الطبيعية. كما كان تنفسه حرّاً. ولم تعد يده منتفخة. وظهر مرة أخرى على ما كان عليه في حالته الصحية. كما كان حديثه سهلا. قام من على الكرسي ومشى إلى غرفة نومه وعاد دون أي مجهود. احتسينا معه الشاي؛ ولأنها كانت المرة الأولى، وبَّخت زوجة غوته بمرح بسبب نسيانها وضع باقة زهور منعشة على صينية الشاي. بسرعة، أخذت شريطاً ملوناً من قبعتها، وربطته على جرة الشاي. ويبدو أنَّ هذه النكتة قد منحت غوته سروراً كبيراً. بعدها قمنا بمعاينة مجموعة من المجوهرات المقلدة تلقاها الدوق الأكبر من باريس.
السبت، 22 مارس، 1823.
في يوم احتفال استعادة غوته عافيته، تمّ تقديم مسرحية "تاسو" على المسرح، مع مقدمة كتبها ريمر، وألقتها فراو فون هيجندورف على مسمع الجمهور.
زُيِّن تمثال غوته النصفي بتاج مصنوع من الغاردينيا وسط إعجاب صاخب من المتفرجين المتحمسين. بعد انتهاء الأداء، ذهبت فراو فون هيجندورف إلى منزل غوته. وكانت لا تزال في زي ليونورا، وقدَّمتْ إلى غوته تاج تاسو. حيث أخذه وزيَّن به تمثالًا نصفيًا للدوقة الكسندرا.
الأربعاء، الأول من أبريل ، 1823.
أحضرت لغوته من صاحبة السمو الإمبراطوري عدداً من "مجلة ديس موديس" الفرنسية، والتي نشرت مناقشات بخصوص ترجمة أعماله، وفي هذه المناسبة تحدثنا عن كتاب "ابن أخ راماو" الذي فُقد منذ زمن طويل. حيث يعتقد العديد من الألمان أنَّ الأصل لم يوجد قطّ، وأنّ الكتاب هو من اختراع غوته الخاص. ومع ذلك، أكّد غوته أنه كان من المستحيل بالنسبة له تقليد أسلوب ديدرو المفعم بالحيوية وطريقة عمله، وأنَّ النسخة الألمانية من راماو ليست سوى ترجمة مخلصة جداً للأصل الفرنسي.
الجمعة 3 أبريل 1823.
قضينا جزءًا من هذا المساء لدى غوته، وذلك رفقة السيِّد كودراي، المهندس المعماري الحكومي. تحدثنا عن المسرح، والتحسينات التي طرأت عليه مؤخرا. "لقد لاحظتُ ذلك دون الذهاب إلى هناك"، قال غوته ضاحكاً. " قبل شهرين كان أطفالي يعودون دائمًا إلى منزلهم في حالة من المزاج السيئ، غير راضين بتاتاً عن الترفيه الذي تم تقديمه، ولكنهم الآن يسلكون بصورة مختلفة، يأتون وعلى محياهم إطلالة بهيجة، لأنهم يستطيعون، من حين لآخر، إطلاق صرخة استحسان. بالأمس مُنِحوا هذه ''المتعة في البكاء*" عند مشاهدتهم دراما لكوتزيبو.
الاثنين، 13 أبريل، 1823.
هذا المساء كنتُ وحدي مع غوته. تحدثنا عن الأدب، واللورد بايرون، ومسرحياته ساردانابالوس وفيرنر. ثم عرجنا بالحديث عن فاوست، وهو موضوع يتحدث عنه غوته بشكل متكرر ورغبة. وأعرب عن رغبته ترجمته إلى الفرنسية، بأسلوب فترة ماروت. كما اعتبرها المصدر الذي استمد منه بايرون نبرة "مانفريد". يعتقد غوته أنَّ بايرون قد أحرز تقدمًا في مسرحيتيه المأساويتين الأخيرتين؛ وذلك بسبب أنهما تبدوان أقل قتامة وكراهية لبني البشر. تحدثنا بعد ذلك عن نص "زوبرفلوت"، الذي كتب غوته تكملة له. لكنه لم يجد بعد مؤلفًا موسيقيًا لمعالجة هذا الموضوع بشكل صحيح. كما اعترف بأنَّ الجزء الأول الشهير مليء بالاحتمالات والدعابات التي لن يستطيع الجميع فهمها وتقديرها؛ قائلاً إنه لا يزال يتعين علينا السماح للمؤلف في جميع الأحداث أن يفهم، إلى حد كبير، فن إنتاج آثار مسرحية كبيرة عن طريق التناقضات.
الأربعاء، 15 أبريل، 1823
كنتُ هذا المساء لدى غوته، بصحبة الكونتيسة كارولين إغلوفستين. مزح غوته بشأن الروزنامات الألمانية، وبعض المنشورات الدورية الأخرى. حيث جميعها مُجتاحة بالمشاعر السخيفة، التي تشكِّل الضروريات اليومية والحالة السائدة للأشياء. ألقت الكونتيسة بملاحظة أنَّ الروائيين الألمان هم من ابتدأ الأمر، عن طريق إفساد ذوق القراء العديدين؛ والآن القراء يفسدون الروائيين، لأنه، من أجل العثور على ناشر لمخطوطاتهم، يجب أن يتوافقوا والذوق السيئ السائد للجمهور.
الأحد، 26 أبريل، 1823.
وجدتُ كودري وماير لدى غوته. تحدثنا عن مواضيع مختلفة. حيث ذكر غوته، بين أمور اخرى أنَّ "مكتبة الدوق الكبير تحتوي على مجسَّم لكرة أرضية، صنعها رجل إسباني في عهد تشارلز الخامس، وتوجد على سطحها بعض النقوش الرائعة، على شاكلة، (الصينيُّون شعب يحمل تشابهاً قوياً مع الألمان)".
واصل غوته الحديث: "في الماضي، تم تصوير الصحارى الإفريقية على الخرائط، مع تمثيل للحيوانات البريّة، بينما في الوقت الحاضر، تمَّ التخلي عن هذا العرف، وفضَّل الجغرافيون تركنا مع تفويض كامل".