Saturday, 27 May 2017

بلوتو والعشر الأواخر


قبل أيام من بدء رمضان (عام 2015 في لندن) حاولنا أن نثني الوالد عن صوم الشهر رفقا به، إذ يستمر الصيام قرابة 19 ساعة في اليوم، وأخبرناه أن السفر يستلزم "عدّة من أيام أخر" وسيكون بوسعه أن يقضيها لاحقا، ثم بدأنا التنقيب في مجموعة من الفتاوى التي توافق ما رأيناه بشأن الصيام في السفر، ومدّة الصوم، نتيجة لاختلاف المواقيت باختلاف البلدان، خصوصا وإن هناك بعض الفتاوى التي تذهب إلى ضرورة أن يكون الصيام مقترنا بمواقيت مكة. فقال اجمعوا ما تعثرون عليه من فتاوى، ولكنه وقبل إعلان بدء رمضان بساعات قرّر الصيام بحسب مواقيت لندن.
 فقلنا له أن الرأي ما يراه، فقال: كيف لعميق الإيمان التفريط بصيام رمضان، والتزم بالصيام كاملا، حتى أوشك الآن على بلوغ الضفة الأخرى من الشهر الكريم.
 لم يغيّر إمساكه عن الطعام طيلة تسعة عشر ساعة من برنامجه اليومي، فما زلنا نخرج في الصباح بجولاتنا المعتادة في جنائن ريجنت، وكلّما بلغنا مقهى بينيوجو في الريجنت يقول الوالد: إذا كان هناك شيء ما أفتقده في رمضان فهي قهوة هذا المقهى.
 أما عني فلقد درجتُ طيلة وجودي مع الوالد على ترتيب الأخبار بحسب أهميتها وسردها عليه، وفي الخميس الماضي كان العالم على موعد من اقتراب المركبة "نيو هورايزن" وهي بحجم -آلة البيانو- من أقرب نقطة من بلوتو في الثلاثاء القادم والموافق 17 يونيو 2015، علما انّ المركبة تسير منذ ما يزيد على التسعة أعوام بنحو 50 ألف كيلو متر في الساعة حتى اصبحت على مشارف آخر كواكب (لم يعد في عداد الكواكب اليوم) المجموعة الشمسية (بلوتو).
لقد قطعت المركبة أكثر من ثلاثة مليارات كيلو مترا منذ أن أقلعت في التاسع عشر من يناير عام ٢٠٠٦٦ من مدينة كيب كانافيرال الأمريكية لتمنحنا القدرة على النظر إلى الكوكب الغامض عن قرب والتعرف في 100 ثانية على ما ينبعث منه من مركبات كيميائية وتصوير طوبوغرافيته وتحديد جيولوجية الكوكب الذي تم اكتشافه لأول مرة قبل أكثر من ثمانية عقود عندما شاهد رائد الفضاء كلايد تومبو بلوتو في الثامن عشر من فبراير عام 1930
ولكن كل ما تمكن من رؤيته في ذلك الحين كان نقطة إشعاعية مضيئة.
ولم نتمكن من التوفّر على صورة لبلوتو وقمره شارون إلا في عام 1994 من خلال منظار هابل الفضائي.
 إن هذا الحدث الذي لم يسَعْ النسبة الغالبة من العرب أن تسمع به أو تفكر في أبعاده يمكن لنا تلخيص أحد وجوهه في المسافات الهائلة التي قطعتها المركبة والتي زادت على ثلاثة مليارات كيلو مترا إذا علمنا أن المسافة التي تفصل الأرض عن الشمس هي 150 مليون كيلو مترا، أما المسافة التي تفصل الأرض عن القمر حوالي 380 ألف كيلو متر، وهي مسافة يمكن لسيارة عادية أن تقطعها في أيام خدمتها. وبالرغم من هذا لا يمكننا أن نبصر قمرنا عندما يصبح هلالا، ونختلف في تحديد طلوعه اختلافا كبيرا فتجد ناسا يصومون عيدهم وآخرين يفطرون قبل انقضائه.
 إن هذه الرحلة جزء من مشروع العقل الذي يحاول أن يلتحم بما يحيطه، ولعلّها (وهو أمر أذهب إليه) إحدى الأحداث الكبرى في تاريخ العقل والإكتشافات التي يمكنني أن أورد محطات لأهمها مثل اكتشاف أمريكا عام 1491 والهبوط على القمر عام 1969 وبلوغ نيزك L67.
 سألني أحدهم قبل أيام: كيف للعرب أن تعرف وتدرك مثل هذا الخبر فضلا عن متابعته؟.فقلت له إن اللغة الإنكليزية تدفعك لتكون في مركبة الغرب وسيتسنى لك أن تدرك العالم وربما أن تضعه في راحة كفّك وتتفرّس فيه عن قرب حتى لا يمكث شيء غريبا أو محجوبا.
 كنت أقلّب الهاتف بين أصابعي، عندما أخبرت الوالد أن بوسعي معرفة موعد العيد وتحديد رؤية الهلال بالعودة إلى هاتفي خصوصا ونحن في العشر الأواخر من رمضان.
فقال لي، وكيف يمكنك ذلك
 فأخبرته أن الأمر مرهون ببرنامج يجعل إمكانية تحديد رؤية الهلال ممكنة وفق حسابات فلكية معيّنة، فمثلا بوسعي الآن أن أخبرك أن العيد سيصادف يوم السبت القادم إذا ما أخذنا اشتراط رؤية الهلال عيانا.
فمثلا في يوم 11 تموز وهو يصادف الرابع والعشرين من أيام رمضان سيكون بمقدورنا أن نرى نسبة 222% ، وستنحسر الرؤية لتبلغ 14% في اليوم الذي يليه
أما في يوم 15 تموز فلا يعود هناك قمر لنتمكن من إبصاره
وفي يوم 16 تموز (وسيصادف الخميس) ستكون النسبة معدومة
 في مواجهة مثل هذه الحسابات نكون أمام ساعة كونية أو ربما يمكن أن نصطلح عليها ساعة جرمية نسبة للأجرام وحركتها، وهي جنس من الساعات لا يمكن تكذيبه.
أما في يوم الجمعة 17 تموز فسيكون بوسعنا أن نحيط بما مقداره 2% من نسبة إبصار الهلال
 فقال الوالد، ولكن الرؤية الشرعية تستلزم أن تكون المشاهدة بالعين المجردة كما درج على ذلك السلف، فماذا سيكون جوابك إذا أكّد أحدهم أنه أبصر الهلال في يوم الخميس الموافق السادس عشر من تموز
فقلت للوالد أن من سيزعم ذلك يفتقد إلى الدقة وسيكون زعمه محض إدّعاء
وضمن منطق هذه الحسابات الفلكية والجرمية سيوافق العيد يوم السبت 18 تموز.