Thursday, 17 March 2016

عنقود من الذكريات

 


في عام 1963 وصل محمد الحبروش إلى لندن للمرة الأولى، ومكث فيها سنتين يتعلّم اللغة الإنجليزية، ثم انتقل لإكمال تعليمه في بغداد، التي شهدت - قبل فترة وجيزة من وصوله - انقلابا عسكريا كبيرا انتهى بمقتل أول رئيس للجمهورية في العراق.
كان وصوله متزامنا مع الوعود بمجتمع مدني في عراق كان قد خرج قبل سنوات قليلة من مجموعة من الأحلاف الإقليمية والدولية.
وفي عام 1964، ذهب أول وفد تجاري ظبياني إلى لندن، ونزل في فندق راسل. وكان الوفد برئاسة السيّد خليفة بن يوسف، وعضوية كل من: عبد الجليل الفهيم، وأحمد المسعود، وراشد بن عويضة، وعيسى بن محفوظ، وهامل الغيث، وإسماعيل عبّاس إسماعيل. ولقد أخبرنا الأخ مانع العتيبة بأنه كوفئ من الأخ خليفة بن يوسف على الترجمة بخمسة جنيهات، وبعشرين من المسعود. أما سلطان بن شخبوط الذي استقبل أعضاء الوفد في الهيلتون وعرّفهم على الشيخ خليفة بن سلمان، فقد دفع له 50 جنيها فاقتسمها مع محمد الحبروش بالنصف. 
وتجدر الإشارة هنا إلى أن أجرة القطار في تلك الأيام كانت تساوي جنيهاً.
وقبل أيام، وفي زيارة قام بها السيد محمد بن عبد الجليل للوالد، وفي مشروع استعادة وتدوين الذاكرة الظبيانية، أكّد لنا أنه كان من ضمن الوفد الذي التقى الحبروش في فندق راسل.
أما الحبروش ذاته فكان عمله مترجماً ووسيطا بين ممثلي الشركات الذين تقاطروا إلى اللقاء بتجار أبو ظبي، خصوصا وأن الوعود التي حملتها الإمارة الغنية بالبترول كانت كبيرة ومبشّرة.
وبالفعل تم الاتفاق مع عدد من الشركات في مجالات مختلفة. وفي المقابل، لم يكترث الوفد بضرب آخر من الشركات، وتحديدا تلك التي تعمل في مجال مستحضرات التجميل.
وفي ذلك اليوم ذاته، جمعني لقاء مع الأخ عبد الله بن حمد العطية، وسألته عن يوم ميلاده، فلم يكن يعرفه على وجه التحديد في التاريخ الميلادي، ولكنه يعرف وبشكل لا يرقى إليه الشكّ أن ولادته كانت في الأول من رجب عام 1371هـ، ثم أردف أنه لا يخرج عن أحد البرجين، إما الحمل أو الثور.
فقلت له، تريّث يارجل، فلقد بلغت مرادك وقادك حظّك إلى من يستطيع أن يعيد إليك تاريخ ميلادك بلا زيادة أو نقصان.
ثم قمت بعملية تحويل التاريخ الهجري إلى الميلادي، فتبيّن أنه من مواليد 17 مارس 1953، وليس هناك من صلة تجمعه بالحمل أو الثور، بل إنه من مواليد برج الحوت، ومن أجل هذا غاص العطية عميقا وغاب عن نفسه ولم يدرك يوم مولده إلا في لندن 2015.
ثم قال وهو يتطلّع إلى عينيّ بثبات: لقد كنت محظوظا يامحمد، على العكس مني.
ــ وكيف ذاك؟
ــ لقد ولدتني قابلة في البيت، أما أنت فلقد كانت ولادتك في مستشفى (حمدة) الذي أصبح من أعلام الذاكرة القطرية، والمستشفى تم افتتاحه عام 1958، أي قبل مولدك بعام.
ثم قال وهو ينقل بصره إلى البعيد وكأنه في مهمّة ليستحضر أمرا عظيما: أطلق القطريون على المستشفى اسم (حمدة) نسبة إلى الدكتورة إقبال حمدي التي توفيت منذ أعوام قليلة، كان ذلك في 16 سبتمبر من عام 2012 بعد أن قضت الأشهر الأخيرة معتكفة بالمسجد الحرام، قبل عودتها إلى مصر ووفاتها.
وتُعدّ الدكتورة إقبال كامل حمدي أشهر طبيبة ولادة في قطر، وكانت قد وصلتها قادمة من مصر عام 1958، وكان القطريون في الدوحة إذا أرادوا أن يقصدوا المستشفى يقولون: "بنروح مستشفى حمدة"، وهو ذاته مستشفى الدوحة الذي غلب عليه اسم الدكتورة، فنسي الناس الاسم الأصلي، بعد أن تمّ تحويله إلى مستشفى للنساء والولادة بمبادرة من الشيخ علي عبد الله الذي اقتنع بالحجج التي ساقتها الدكتورة إقبال.

أما اسم حمدة، فكان بسبب أن المستشار البريطاني كان يناديها باسمها العائلي: حمدي.
ولأن الوالد ذكر في صدد ميلاد ابنته البكر، الأخت موزة، أنه كان قبل عام من مولد العطية، وكان ذلك تحديدا في أغسطس من عام 1952، فهي تكبر العطيّة بعام.
لقد احتاج العطية إلى ما يزيد على ستين عاماً ليدرك أنه لم يكن في يومٍ حملا، وليس بالطبع من مواليد برج الثور. ولم نحتج في زمن الإنترنت والتواصل الاجتماعي إلا لدقائق فحسب لنخرجَ الحوت من أعماق الماء.
قلت له وأنا أزف إليه الخبر اليقين في تحديد تاريخ ميلاده: خذ الحوت بقوة يا عبد الله، فأنت منذ اليوم من مواليد أبراج الماء.