Showing posts with label Legends. Show all posts
Showing posts with label Legends. Show all posts

Saturday, March 2, 2019

مأساة نيوبي - من كتاب التحوّلات لأوفيد





مأساة نيوبي 
من كتاب التحوّلات لأوفيد

ها هي نيوبي تتقدّم،
يحيط بها موكبٌ حاشدٌ،
تلبس ثوباً فريجيّاً بديعاً،
مُقصَّباً بالذهب.
توقَّفت، جميلةً بقدر ما يسمح الغضب،
وهزّت بحركةٍ من رأسها الملكيّ
شعرها الذي يتموَّج على كتفيها،
ثم أدارت حولها، بشموخٍ، نظراتٍ بهيّةً، وقالت:
"ما هذا الجنون الذي يجعلكم تفضّلون آلهةً بالسّماع، 
على آلهةٍ ترونهم ?
ولماذا تنذر الهياكل لعبادة لاتونا (Latone),
بينما لم يقدّم بعد البخور لإلهتي ?
أبي، أنا هو تانتالوس (Tantalus), 
الذي أُذن له وحده أن يجلسَ إلى مائدة الآلهة.
كانت منفيّةً من العالم، عندما رأتها ديلوس
وقالت مُشفقةً على هذه المتشرِّدة:
"نحن الاثنتان نتشرَّد غريبتين، ـ
أنتِ في الأرض،
وأنا بين الأمواج." 6 
ثم أعطتها مأوى متحرّكاً.
صارت لاتونا أمّاً لطفلين.
وهذا أقلّ سبع مرّاتٍ ممن حملتهم أحشائي.
إنني سعيدة، فمن يستطيع إنكار ذلك ?
وسوف أبقى سعيدة.
من يقدر كذلك أن يشكّ ?
تمنحني الطّمأنينة وفرة خيراتي.
فأنا من العظمةِ بحيث لا تقدر ربّة الحظّ أن تؤذيني،
وحتى لو انتزعت مني قسماً كبيراً من فضلها،
فسوف تترك لي ما هو أعظم.
فما أملكه اليوم، يُبقيني عاليةً،
أعلى من كلِّ خوف.
افترضْنَ أنّ قسماً من أبنائي انتزع منّي،
فإنّ هذه الخسارة لن تقلّصني في اثنين،
كما هي حال لاتونا.
أهناك فرقٌ كبيرٌ بينها وبين امرأةٍ لا أولادَ لها ?
لا تُكملنَ هذه التَّضحية،
ابتعدنَ بسرعةٍ، وانزعْنَ أوراقَ الغار
التي تزيّن شعوركنَّ."

6 منعت جونون، غيرةً، الأرضَ كلّها من أن تستقبل لاتونا، لكي تضع جنينها. وأشفقت عليها ديلوس، التي كانت حتى ذلك الوقت جزيرة عائمة. وهذه الجزيرة التي كانت تُسمّى فريجيا، ثُبِّتت في قرارة البحر، بوساطة أعمدة.

نزعت نساء طيبةَ أوراق الغار،
وتركنَ التَّضحيةَ دون أن تكتمل.
كلّ ما قدرنَ أن يفعلنه،
هو أن يوشوشنَ بصوتٍ خافتٍ 
صلواتهنَّ إلى الإلهة.
غضبت الإلهة من على ذروة كينثوس (Cynthus),
وجَّهت هذه الكلمات إلى ولديها الإثنين:
"هي ذي أنا أمُّكما،
الفخورة بأنني ولدتكما،
أنا التي لا تخضع إلاّ لجونون، بين جميع الإلهات،
أرى أنّ ألوهيّتي توضعُ موضعَ الشَّك،
وأنني أطرَدُ، يا ولديَّ، إن لم تُنجداني
من هياكل كنت فيها مَعبودةً في العصور كلّها.
ولا ينحصر ألمي في هذا وحده،
فقد أضافت ابنة تانتالوس إلى هذا التَّجديف، 
الشَّتيمة.
لقد تجرّأت أن تنتقص منكما، أنتما،
وتضعكما في مرتبةٍ أدنى من أولادها،
وقالت عنّي (لعلّ ما قالته يرتدُّ عليها!)
إنني أمٌّ بدون أولاد.
لقد بدا لسانها الفاسق جديراً بلسان أبيها." 7 
وهمَّت لاتونا أن تضيفَ صلواتٍ إلى ما روته،
فقال فيبوس:
"يكفي.
الشّكوى الطّويلة تؤخِّرُ العقابَ."

7 حُكمَ تانتالوس بعذابٍ أبديّ لأنّه حنث بيمينه.

وقال فيبي (Phébé) الكلامَ نفسه.
وانطلق الاثنان بطيرانٍ سريعٍ عِبرَ الفضاء،
وهبطا، مُختبئين في غيمةٍ، 
على قلعة قدموس.
قربَ الأسوار،
كان يمتدُّ بعيداً سهلٌ واسعٌ
ترتاده الخيولُ باستمرار،
صار ترابه ليّناً من كثرة العجلات،
ومن السّنابك الصُّلبة.
هناك، بين أبناء آمفيون السّبعة،
كان بعضهم يمتطي أحصنة سباقٍ قويّةً،
يشدّون على جُنوبها ـ المغطّاةِ بأرجوان صور،
ويسوسونها بأعنَّةٍ مُثقلةٍ بالذهب.
كان أحدهم، إيسمينوس (Isménus),
بكرُ أمّه،
يُحرِّكُ في ميدان السّباق الدائريّ،
حصاناً يسيطر على شدقه المزبد،
عندما صرخ:
"لقد قُضيَ عليّ!"
فقد استقرّ سهمٌ في وسط صدره.
تركت يده المُحتضرة الأعنَّة
وانزلق ببطءٍ، جانبيّاً، على الكتفِ اليُمنى من حصانه.
سمع سيبّيلوس (Sipylus), الذي كان إلى جانبه
أصواتَ كنانةٍ في الفضاء،
فترك الأعنة هارباً،
كما يفعل ربّانٌ أحسّ باقتراب العاصفة
عندما يرى غيمةً،
فينشر من جميع الجهات أشرعته المطويّة،
لكي لا يترك أيّة نسمةٍ خفيفةٍ تضيعُ منه.
وعبثاً ترك الأعنّةَ،
فقد طارده السّهم المحتوم
ونفذ وهو يرتجّ، في أعلى عنقه،
وخرج رأسه المعدني ظاهراً من الجهة الثانية.
تدحرج على عنق الحصان وقائمتيه
وهو ينطلق بسرعته كلّها،
ولطّخ الأرضَ بدمه الذي كان لا يزال حارّاً.
وبعد أن كان التاعس الحظّ فيديموس (Phédimus) 
وأخوه تانتالوس وريث اسم جدَّيهما، قد أنهيا عملهما المعتاد،
وعادا، يلمعان من الزّيت، بفعل التمارين الرّياضيّة
التي تجمع الشبّان في الميدان الرّياضيّ،
وكانا متعانقين بشدّة،
عندما اخترقهما سهمٌ، أطلقه وترٌ مشدودٌ،
في الوضعيّة التي كانا عليها،
متصلين الواحد بالآخر،
فكافحا صدراً إلى صدر،
انتحبا معاً،
ومعاً انحنيا من الوجع،
وانهارا على الأرض.
معاً، ممدّدين على التراب،
وجّها إلى السماء نظراتهما الأخيرة،
ومعاً، لفظا أنفاسهما الأخيرة.
مزّق ألفينور (Alphénor) صدرَه بضرباتٍ قويّة
عندما شاهد ذلك،
وسارع لكي يرفع بين ذراعيه
أعضاءهما المتثلّجة،
فسقط وهو يقوم بهذا الواجب الوَرع.
فقد اخترق إله ديلوس بسهمٍ قاتلٍ
صدرَه، من جهةٍ إلى أخرى.
انتزع الشابّ السّهمَ،
غير أنّ جزءاً من رئتيه خرجَ مع نصلهِ
وهربَ دمه في الهواء، لحظة هربت حياته.
ولم يمت داماسيكتون (Damasichthon) ،
ذو الشعر الطّويل، من جرحٍ واحدٍ،
فقد أصيبَ أوّلاً حيث تبدأ السّاق،
وحيث يشكّل باطن الرّكبة السّريع الانفعال 
مفصلاً ليّناً.
ثمّ، فيما كانت يده تحاول أن تنتزع السّهمَ المشؤوم،
غاصَ سهمٌ آخر حتى الرّيش، في عنقه.
دفعه الدّم إلى الخارج،
فقد انبجس عالياً جدّاً،
وبدفقةٍ مفاجئةٍ، اخترقَ الفضاء بعيداً.
أما الأخير إليونوس (Ilioneus) 
فقد رفع عبثاً ذراعيه المتوسّلتين
نحو السماء، قائلاً:
"أيّتها الآلهة،
أنتم جميعاً، بقدر ما تُعَدّون
(جاهلاً أنّه لا يجوز التوسّل إليهم جميعاً)،
أنقذوني."
وقد أثر في رامي السّهام الإلهيّ،
عندما لم يعد ممكناً ردّ السهم
لكن، على الأقلّ، كان الجرح الذي رزح تحته،
خفيفاً،
ولم ينفذ عميقاً في قلبه.
أنبأ الأمّ بهذه الكارثة المفاجئة،
ذيوعُ الخبر، وألمُ الشعب، وبكاء الأقرباء.
أذهلها أن يكون الآلهة قاموا بها،
وغضبت لأنهم تجرّأوا على ذلك،
ولأنّ حقوقهم تبلغ هذا الحدّ.
أما آمفيون فقد غرز خنجراً في صدره،
واضعاً بضربةٍ واحدةٍ،
حدّاً لآلامه ولحياته.
واأسفاه، كم تختلف، نيوبي، الآن
عن نيوبي تلك التي أبعدت الشعب، منذ قليلٍ،
عن معابد لاتونا،
والتي كانت تتقدّم في المدينة متغطرسةً.
كانت آنذاك موضوعَ غيرةٍ عند أقربائها،
وهي الآن موضوعَ شفقةٍ حتى عند أعدائها.
أخذت، منحنيةً على أجسامِ أبنائها الهامدة،
توزّع، بلا تبصُّرٍ، على جميع أبنائها
قبلاتِها الأخيرة.
ثمّ أبعدت عنهم ذراعيها الكابيتين، 
رافعةً إيّاهما نحو السّماء، صارخةً:
"تغذّي، يا لاتونا القاسية،
من ألمي، تغذي،
إروي غليلَ قلبكِ من دموعي،
إروي قلبكِ المتوحّش.
ومع هذه المآتم السبعة 
أموت في المحرقة سبع مرات.
استمتعي بانتصاركِ،
انتصري، يا عدوّتي.
لكن، أين هذا النصر ?
حتى في شقائي، ما أزال أغنى منكِ، في سعادتكِ،
حتى بعد هذه الخسارة الكبيرة،
لا يزال النصر إلى جانبي."
سُمعَ في أثناء كلامها دويُّ وترٍ يُشدُّ في القوس،
وحدها نيوبي، من بين الجميع، لم ترتجف أبداً،
فالشّقاء زادها شجاعةً.
كانت تقف أمام أسرَّة الإخوة السّبعة
أخواتهم، بثيابٍ سوداء، وشعرٍ مُشعّثٍ.
أرادت إحداهنَّ أن تنتزعَ السهمَ المُستقرّ في صدرها
فانهارتْ، ميّتةً، منحنيةَ الوجهِ على أخيها.
وحاولت أخرى أن تعزّي أمّها التاعسة،
فأضاعت فجأة الكلامَ وسقطتْ تحت ضربةٍ
طوتها اثنتين على نفسها.
وهذه التي كانت تحاول عبثاً أن تهربَ
انهارت على الأرض.
وتلك تحتضر فوق جسم أختها،
وأخرى تختبئ،
وترى أخرى تتحرّك مرتجفةً.
كانت سِتٌّ منهنَّ قد مُتنَ بجراحٍ مختلفة 
ولم يكن بقي منهنّ إلاّ واحدة.
غطّتها أمّها بكامل جسمها، وكامل ثيابها، صارخةً:
"اتركي واحدة، الصّغرى بينهنّ،
لا أطلب إلاّ الصّغرى، إلاّ واحدة."
وفيما كانت تتوسّل،
ماتت هذه التي تتوسّل من أجلها.
وإذ فقدت عائلتها جميعاً ـ أبناءها وبناتِها، وزوجَها،
سقطت جالسةً بين أجسامهم الهامدة،
يُجمّدها العذاب.
لم تعد الرّيح تحرّك شعرها،
لم يعد الدّم يلوّن وجهها.
وجمدت عيناها وسط وجهها المُقْفر،
فلم يعد في قسماتها أيّ أثرٍ للحياة.
تجمّد لسانها نفسه داخل حنَكِها المُتجمّد،
وتوقَّفت في عروقها كلّ حركة.
لم يعد في إمكان عنقها أن يميل،
ولم تعد ذراعاها تقومان بأيّة حركة،
ولم تعد تستطيع قدماها أن تتقدّما.
لم تعد إلاّ حجراً حتى في أحشائها.
مع ذلك ظلّت تبكي،
أخذتها إلى وطنها، ريحٌ عاصفةٌ
حاجبةً إيّاها بزوبعة.
هناك، وقد وُضِعت في ذروة جبلٍ،
تذوبُ ماءً،
واليوم لا تزال هذه الكتلة من الرّخام، 8 
تذرف الدّموع.

8 في ليديا صخرة ينبجس منها نبعٌ، كان يُسمّى نيوبي. فقد نقلت نيوبي من طيبة إلى ليديا، قمّة سيبيليوس، حيث كان أبوها ملكاً.



http://electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=2593&articlecategoryid=52&languageid=1

كان اسمك هيبوليتوس - من كتاب التحولات لأوفيد





كان اسمك هيبوليتوس
من كتاب التحوّلات لأوفيد
"سمعتِ دون شكٍّ عن هيبّوليتوس
كيف ذهب ضحيّةً لسذاجة أبيه
ولمكر زوجته الدّنيئة.
سيفاجئك الأمر، ولن يكون سهلاً عليّ
أن أقدّم لكِ البراهين.
لكنّ هيبّوليتوس هذا، هو أنا،
وفي الماضي، بعد أن دفعتني عبثاً
ابنةُ بّاسيفائي (Pasiphaé) لكي أدنّس
سريرَ أبي، اتّهمتني تهمةً باطلةً
أنني أردتُ ما كانت تُريده هي نفسها.
وسواءٌ كان الخوف من الفضيحة هو الذي
رجح عندها، أو غيظها من رفضي دعوتها،
فقد حصلتْ على إدانتي، وطردني أبي من المدينة،
على الرّغم من براءتي، كارهاً إيّايَ
صابّاً على رأسي، فيما كنت أبتعد، لعناتٍ رهيبة.
هربت في عربتي إلى تروزين (Troezen) ،
مدينة الملك بيتيوس (Pittheus) .
كنت قد بلغتُ شطآن كورَنْثْة (Corinth) 
عندما هاج البحر، وانتفخت كتلة ضخمة من الماء،
شبيهةٌ بالجبل، وتعاظمت فيما تهدر،
وانشقّت من ذروتها. ثم طلع،
من أحشاء الموج المفتوحة ثورٌ مقرّنٌ،
أخذ يتقيّأ ماء البحر من منخريه،
ومن شَدْقه الواسع، فيما كان
ينتصب حتى صدره وسط الهواء الخفيف.
ارتعب رفقائي، ووحدي احتفظتُ برباطة جأشي،
لأنّ فكري مأخوذٌ كلّه بمنفاي.
غير أنّ أفراسي الجامحة أدارت أعناقها
صوبَ الموج،متنبّهةً، مرتعشةً،
فقد أضلّها الخوفُ من الوحش، وأطاحت
بعربتي في وجه صخور عالية.
كافحت بيدي العاجزتين لكي أشدّ الأعنّة
التي ابيضّت من الزّبد، وانحنيت إلى الوراء
ساحباً نحوي الأعنّة اللّينة،
وعلى الرّغم من كلّ شيء، فإنّ هيجان
أفراسي لم يكن ليتغلّبَ على قواي،
لو أنّ إحدى عَجَلاتي لم تصطدم، حيث كانت
تدور بلا نهاية حول محورها، بجذع شجرةٍ
حطّمها وأدّى بها إلى أن تتطاير شظايا.
هويتُ تحت عربتي، مرتبكاً بين الأعنّة.

كان يمكنكِ آنذاك أن تنظري إلى أحشائي
تتجرجرُ حيّةً على التّراب، وإلى عضلاتي
معلّقةً في جذع الشّجرة، وإلى جزءٍ من أعضائي
مجروفٍ إلى الأمام، بينما الجزء الآخر مشدودٌ إلى الوراء
وإلى عظامي تتكسّر مُدوّيةً،
وأنفاسي الأخيرة تتصاعدُ مع روحي المُنهكة.
كان يمكنك الاّ تري في جسمي ما يمكن أن يُرتق،
فلم يكن جسمي كلّه إلاّ جُرحاً.
كيف تقدرينَ، أيّتها الرّبّة،
كيف تجرؤينَ أن تقارني شقاءك بشقائي ?
لقد رأيت حتى مملكة الظّلمات،
وغسلت جسمي الممزّق في أمواج فليجيتون (Phlégéthon)
وما كنتُ لأستعيدَ الحياة أبداً،
لولا ابن أبوللون وأدويته القويّة،
فقد أعيدت إليّ، على الرّغم من اعتراضات ديس (Dis) ،
بفضل النباتات الشافية، وفنّ بّايون (Paion). 16

16 أعيدت الحياة إلى هيبوليتوس بفضل آسكولابيوس (Aesculapius) ، ابن أبوللون وكورونيس. وبايون هو، كما يقول هوميروس، طبيب الآلهة. ثم اختلط بأبوللون، تحت اسم (Paion) أو (Paian) . أما ديس (Dis) فهو المرادف اللاتيني لبـــلوتون (Pluton)، (هـــــاديـــــس Hadès اليونانيّة). وقد احتجّت هاديس على إحياء هيبوليتوس.

ثم غطّتني إلهة سنثيا (Cynthia) بغيمةٍ كثيفة،
خوفاً من أن يزيد حضوري في الغيرة
التي يمكن أن يولّدها مثل هذا الفضل.
وزادت عمري، وغيّرت قسماتي
لكي تجنّبني كلّ خطر، ولكي يُتاح لي
أن أظهر دون أن يلحق بي الأذى.
وقد تساءلتْ طويلاً إن كانت تخصّص مقاماً لي
في كريت أوديلوس، وأخيراً عدلت عنهما كليهما
ونقلتني إلى هذا المكان.
أرادت أن أتخلّى عن اسمٍ يمكن
أن يسترجع ذكرى أفراسي، قائلةً:
"كان اسمك هيبوليتوس،
فليُصبح الآن فيربيوس (Virbius) ."
مذّاك أعيش في هذه الغابة،
مختبئاً في حماية إلهتي، مساعداً لها،

مصرع ساربيدون - من كتاب الإلياذه لهيميروس





مصرع ساربيدون
من كتاب الإلياذه لهيميروس

وتنحت الجياد الأخرى جانباً ، وانكسر النير ، 470
وتشابكت أعنة التوجيه فيما كان الجواد المعني يسقط إلى جانبها .
ولكن حين رأى أوتوميدون ، الشهير برمحه ، ما يجب عليه أن يفعل 
أشهر السيف المعلق على جانب فخذه القوي 
وبضربة عاجلة ودون تردد قطع سيور الجواد ، 
فاستقام وضع الجياد الأخرى ، وقام هو بسحب أعنة التوجيه . 475
والتقى البطلان في المعركة التي تأخذ بالقلوب . 
ومرة أخرى قام ساربيدون بالطعن برمحه اللامع ، 
فمر رأس الرمح من فوق كتف باتروكلوس اليسرى ، 
وقام باتروكلوس بتوجيه الضربة التالية بالرمح النحاسي . 
ولم تكن الضربة خائبة حين غادرت قصبة الرمح يده . 480
بل أصابت حيث يتغلف القلب الخافق وسط قوس من العضلات .
وسقط ، كما تسقط سنديانة أو شجرة حور بيضاء ، 
أو كصنوبرة شاهقة العلو قطعها الحطابون 
في الجبال بفؤوسهم لصنع خشب السفن . 
هكذا سقط أمام جياده وعربته وهو يجأر ، 485
ويشد على التراب الدامي بيديه . أو كما 
يسقط ثور هائج وعنيف وسط قطيع متجمع بتكاسل ، 
يقتحم القطيعَ أسدٌ ويصرعه . 
فيموت وهو يخور تحت ضربة براثن الأسد . 
هكذا أمام باتروكلوس سقط قائد اللوكيين المدرعين 490
وهو يصرخ منادياً مرافقه الحبيب : 
" يا عزيزي غلاوكوس . إنك لمحارب بين الرجال . وها قد دعت الحاجة 
الماسة إليك لكي تكون ضارب رمح ومحارباً مقداماً .
فإن كنت شجاعاً دع الحرب المريرة محببة إلى قلبك .
اذهب أولاً بين الرجال الذين هم قادة اللوكيين 495
في كل مكان ، وحرضهم على القتال من أجل ساربيدون .
وأنت نفسك أيضاً يجب أن تقاتل من أجل ساربيدون بالرمح البرونزي .
لأنني سأكون مصدر عار وخزي عليك 
فيما بعد ، وطوال أيام عمرك ، إن قام الآخيون 
بتجريدي من درعي هنا حيث أسقط قرب السفن المحتشدة . 500
فتماسك واصمد بقوة وشجع بقية قومنا " . 
وفيما كان يقول ذلك أطبق الموت على منخريه 
وعينيه . وداس باتروكلوس بقدمه على صدره 
وسحب الرمح من جسده فخرج معه الحجاب الحاجز ،
وكان بذلك يسحب حياة ساربيدون مع رأس الرمح . 505



http://electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=2605&articlecategoryid=52&languageid=1

ميديا وبيلياس (Medea, Pelias) - من كتاب التحولات لأوفيد





ميديا وبيلياس (Medea, Pelias) من كتاب التحولات لأوفيد

أرادت ميديا أن تواصل حيلها
فاصطنعت كراهية كاذبة لزوجها
والتجأت ، متوسلة ، إلى بيت بيلياس 8 .
استقبلتها ابنتاه
لأن الشيخوخة ترهقه هو كذلك .
لم تحتج الماكرة الكولشيدية إلى وقت طويل
لكي تفتنهما بمظهر صداقة خادعة .
عدت بين مآثرها ، في المقام الأول ،
المأثرة التي أخرجت إيزون من شيخوخته ،
واسترسلت ملحة على ذلك .
آنذاك أملتا ابنتا بيلياس
في أن أباهما سيتمكن من أن 
يستعيد صباه ، بطريقة مماثلة .
وطلبتا هذا الفضل من ميديا
تاركتين لها هي أن تحدد الثمن بنفسها ،
ولو كان يتخطى المألوف .
ظلت صامتة بضع لحظات ، وبدت كأنها تردد ،
تاركة ، بوقار زائف ، البنتين تتوسلان إليها 
في حيرة من أمرهما .
أخيراً ، وعدت قائلة :
"لكي تكون لكما ثقة أكبر في فني ،
فإن الكبش الأكبر سنا
الذي يسير على رأس نعاجكما ،
سيعود حملا ، بفضل الشراب الذي أعده" .
وفي الحال أحضر إليهما حيوان كثير الصوف
أرهقته سنوات لا عد لها ،

8 بيلياس هو أخو إيزون ، وعم جازون . وهو الذي أرسل جازون للحصول على الجزة الذهبية ، والذي قتل أخاه إيزون ، على وفق رواية ، لا يتبناها أوفيد . وميديا إذن جاءت لكي تعاقبه . هكذا دون توضيح ، ينتقل أوفيد بالقارىء من ميديا الخيرة إلى ميديا المخادعة . وهي مشهورة ، على الأخص ، بصفتها هذه الأخيرة .

ينحني قرناه حول صدغيه المجوفين .
نبشت ميديا بسكين من هيمونيا عنقه المتجعد ،
فلم تتبقع إلا بنقاط قليلة من الدم .
ألقت معا في إناء برونزي
جسم الحيوان ونسوغا قوية الخصائص ،
فقلص السائل أعضاءه ، وقرنيه ، وعمره الكبير .
وها هو ثغاء ضعيف يخرج من وسط الإناء .
ولحظة التعجب من هذا الثغاء 
قفز حمل إلى الخارج ، هاربا بمرح
باحثا عن ضرعين جاهزين لإرضاعه .
أصيبت ابنتا بيلياس بالذهول ،
فيما كانتا تنظران إلى المعجزة التي 
وعدت بها ميديا ، مؤكدة صدقها ،
وآنذاك كررتا عليها بإلحاح ما طلبتاه منها .
ثلاث مرات ، نزع فيبوس النير
عن خيوله الغارقة في نهر هيبيريا (Hiberie)، 9 
وكانت الكواكب تضيء الليل الرابع
بنورها الساطع ، عندما وضعت
ابنة آييتسس (Aeetes) ، الماكرة ،
على اللهب السريع ماء نقيا
وأعشابا لا خصائص لها .
كان نوم يشبه الموت قد خدر أعضاء الملك ،
وأعضاء حرسه ، بفعل تعازيم ميديا ،
وبقدرتها التي يدين بها لسانها للسحر .

9 يشير نهر هيبيرا إلى الغرب ، حيث تغيب الشمس .

كانت ابنتا الشيخ بأمر من الكولشيدية ،
قد اجتازتا معها العتبة ،
ووقفن حول السرير .
قالت لهما :
"لماذا تترددان الآن ?
لماذا أنتما جامدتان ?
استلا سيفيكما ، وأريقا 
دم الشيخ ، لكي أستطيع
أن أدخل دما فتيا
إلى عروقه التي أفرغت .
بين أيديكما حياة أبيكما وعمره ،
فإذا كان في قلبيكما بعض البر الأبوي ،
وإن كنتما لا تكتفيان بأن تحركا
في نفسيكما آمالا باطلة ،
فساعدا أباكما .
اطردا شيخوخته بقوة السلاح ،
اغرزا السيف في صدره ،
لكي يخرج منه دمه الفاسد" .
انقادت الأولى إلى نصائحها ،
فصارت الأكثر حبا لأبيها ،
والأكثر بعدا عن الجريمة ،
هي الأكثر إجراما .
لكن أيا منهما لم تقدر أن تتحمل
منظر الطعنات التي توجهها ،
فحولتا أنظارهما إلى الجهة الأخرى ،
وأخذتا ، بعماوة ، تضاعفان الجراح
بأيديهما المجرمة .
استند الشيخ إلى مرفقه ،
وهو يسيل دماء محاولاً ، وهو نصف مشوه ،
أن ينهض من سريره ، وقال 
وهو يمد وسط السيوف ، ذراعيه الكامدتين :
"ماذا ، يا ابنتاي ، تفعلان ?
ما القضية التي تحرضكما
ضد حياة أبيكما ?"
خار قلباهما ، وخارت يداهما في آن .
كان يهم بقول المزيد ،
عندما أوقفت الكولشيدية كلامه ،
قاطعة عنقه ،
رامية أعضاءه الممزقة في الماء الذي يغلي .

Thursday, February 28, 2019

نرسيس (3) - من كتاب التحولات لأوفيد





نرسيس (3) التحولات لأوفيد

وفيما كان يشرب،
أخذ بصورته التي رآها في الماء،
بانعكاسٍ رجراجٍ،
فما لم يكن إلاّ ظِلاًّ،
حسبَ أنّه جسم.
انتشى أمام نفسه،
وتأمّلَ نجمتين لم تكونا إلا عينيه،
وشعره الجدير بباخوس، وليس أقلّ جدارةً بأبولّون، 12 
وخدّيه النّاعمين، وعنقه العاجيّ،
وفمه البديع،
ولونه الذي يشعُّ بألقٍ عقيقيٍّ
يوشّحه بياضٌ كالثّلج.
أعجبَ بكلّ ما يوحي بالإعجاب.
تشهّى نفسه، دون أن يدري أنه العاشق والمعشوق.
إطراءاته يوجّهها إلى نفسه،
والنّيران التي يحسّها
هي تلك التي يُشعلها هو.
كم مرَّةٍ أعطى قبلاً لا طائلَ وراءها
إلى هذا النّبع الماكر.
كم مرَّةٍ، أغرقَ ذراعيه لكي يُمسك بعنقه
الذي كان يراه وسطَ المياه،
دون أن يقدر على الوصول إليه!
ماذا كان يرى ?
يجهل تماماً.
لكنّ ما يراه يُضْنيه،
والخداع نفسه الذي يُوهمُ عينيه، يوقظهما.
أيُّها الطفل السّاذج،
لماذا تصرُّ عبثاً
على أن تُمسكَ بصورةٍ هاربةٍ ?
ما تبحث عنه لا وجود له،
والشيء الذي تحبّه يتلاشى منذ أن تلتفت إليه.

12 أبولّون وباخوس، في الأسطورة، شابّان أبديّان، لا يتخطّيان حدود المراهقة، وليس لهما كغيرهما لحية وشعر، فقد أعفيا من هاتين الخاصّتين الذكوريّتين الثانويّتين.

ليس الشّبح الذي تراه،
إلاّ انعكاساً لصورتك؛
لا قوام له بنفسه،
يأتي ويظلّ معك،
ومعك سيبتعد، إن قدرتَ أن تبتعد.
غير أنّ دموعَه كدَّرت الماءَ،
ولم تعد صورته واضحة في الماء المُضطرب.
عندما رآها تمَّحي، صرخ:
"أين تهربين ? 
إبقَي،
لا تهجري، أيَّتها القاسية، من يعبُدُكِ.
ليُسمحَ لي أن أنظرَ بعينيَّ
إلى ما لا أقدرُ أن ألمسه بيديّ،
وأن أغذّي بهِ جنوني البائس."
كان هذا الشابّ التّاعس، كلّما صرخ: "وا أسفاه!"،
يُجيبه صوت إلهة الغابة مرجِّعاً: "وا أسفاه!".
وعندما كان يضرب ذراعيه بيديه،
كانت ترجِّع صوت الضّربات.
"وا أسفاه،
أيّها الطّفلُ الذي أحببته عبثاً!":
هذه كانت آخر الكلمات التي تفوّه بها،
ناظراً كعادته، إلى الماء.
وكانت الأمكنة حوله ترجِّعُ الألفاظ ذاتها،
واحداً واحداً.
قال: "وداعاً!".
فردّت إيكو: "وداعاً!".
ترك رأسه المُرهقَ يسقط على العشبِ الأخضر،
أغلق الموت عينيه اللتين كانتا
تعجبان دائماً بجمال سيّدهما.
غابَ الجسمُ،
وفي مكانه نبتت زهرة بلون الزّعفرانِ
تحيط بقلبها أوراقٌ بيضاء. 14

إيكّو (2) - من كتاب التحولات لأوفيد





27w
إيكّو (2)
من كتاب التحوّلات
لأوفيد

كان ابنُ كيفيزوس قد أضافَ سنةً،
إلى سنواته الخمس عشرة،
يجمع بين الطفولة والرجولة
يثير الشهوة في عدد كبير من الفتيان والفتيات.
غير أن جماله الشّهيّ كان يخبىء صلفاً جامحاً،
بحيث لم يقدر أن يُلامسه
لا الفتيان ولا الفتيات.

إيكو (Echo)

فيما كان نرسيس يقود إلى شباكه أيائل رَخْصَةَ العود،
جذب انتباه إلهة الغاب إيكو (Echo) التي ترجّع الصوت،
والتي لا تعرف أن تسكتَ عندما يُوجّه إليها الكلام،
ولا أن تبادر هي بالكلام.
في ذلك الوقت،
كان لإيكو جسمٌ،
ولم تكن تحوّلت الى مجرَّد صوت.
مع ذلك فإنّ فمها الثرثار
لم يكن يفيدها إلاّ في أن يُرجّعَ
الكلمات الأخيرة لكلّ ما تسمعه.
هكذا شاءت لها جونون.
عندما كانت الإلهة تفاجئ إلآهات الغاب
الّلائي كنَّ يستسلمنَ غالباً في الجبال
لمداعبات زوجها جوبيتر،
كانت إيكو تجهد لاستبقائها، بأحاديث طويلة،
لكي توفّر لإلهات الغاب فرصة الهرب.
تنبّهت إلى ذلك ابنة ساتورن، فقالت:
"هذا اللّسان الذي خدعني،
لن تكون لك عليه، بعد الآن،
إلاّ سلطةٌ ضعيفة.
ولن تستخدمي الكلامَ بعد الآن
إلاّ استخداماً قصيراً جداً."
ووضعت تهديدها هذا موضعَ التّنفيذ.
غير أن إيكو بقيت تكرّر الرّنات الأخيرة،
التي يبثّها الصّوت،
وتعيد الكلمات التي سمعتها.
هكذا عندما كانت تلمح نرسيس شارداً
في الحقول المنعزلة،
كانت تقتفي، خفيةً، آثاره
والشّهوة تتأكّلها.
وبقدر ما كانت تتبعه،
كانت تقترب من النار التي تحرقها.
وتلك سُرعةٌ ـ لا تفوقها سرعة الكبريت الحيّ
الذي تُدهنُ به أطراف المشاعل،
حين يشتعل في احتكاكه باللّهب.
أوه! كم مرَّةً أرادتْ أن تدنو منه
لتخاطبه بكلماتٍ مُلاطفة،
ولتوجّه إليه التماساتٍ وديعةٍ.
وكانت طبيعتها تأبى ذلك، ولا تسمح لها بالمبادرة.
غير أنها، وهذا مُتاحٌ لها،
كانت جاهزةً لترصُّدِ الأصوات
وترجيع كلماتها الخاصّة.
مصادفةً،
حدثَ أنّ الشّابّ انفصلَ عن جمعِ رفقائه الأوفياء،
فصرخ:
"أقُربي أحدٌ ?"
ـ "نعم، أحدٌ."
أجابت إيكو.
أخذ، مذهولاً، يطوف بنظره
في الاتجاهات كلّها، صارخاً بصوته كلّه:
ـ"تعالي."
فردّت على هذا النّداء بنداءٍ مماثلٍ.
التفتَ، وإذ لم يرَ أحداً يجيء، قال:
"لماذا تهربين منّي ?"
هكذا كان يستقبل الكلامَ الذي يُرسله.
ألحَّ، وإذ رأى نفسه مخدوعاً
بالصّوت الذي يتناوب مع صوته، قال:
"لنجتمع هنا!"
لم تكن هناك غبطةٌ أعظم تردّ بها إيكو على عبارةٍ كمثل هذه، فكرّرتْ:
"لنتَّحدْ!"
وإذ فُتنتْ هي نفسها بما قالته،
خرجتْ من الغابة،
وأرادتْ أن تطوّق بذراعيها
العنقَ الذي طالما تشهَّتهُ.
هربَ نرسيس، وقال هارباً:
"اسحبي هاتين الذراعين
لا عناق!
أفضّل أن أموتَ
على أن أستسلم لكِ."
ولم تُرجِّع إيكو إلاّ عبارة:
"أستسلم لك."
أحسّت إيكو أنّها احتُقرَتْ،
فذهبت تختبئ في الغابات،
مُغطِّيةً بالأوراقِ وجهها المُثقل خجلاً وعاراً.
ومن ذلك الوقت،
تعيش في مغاورَ منعزلة.
(وللحكاية بقيّة)

نبوؤة العلاّمة تيريزياس (1) - من كتاب التحولات لأوفيد





نبوؤة العلاّمة تيريزياس (1)
من كتاب التحوّلات
لأوفيد

تيريزياس (Tirésias)

يُروى أنّه خطرَ لجوبيتر الذي انتشى بكوثر الآلهة
أن يطرح عنه همومه الثقيلة،
لكي يلهو بحرِّيةٍ، مع جونون،
الخالية هي نفسها من الهموم كلّها.
قالَ لها:
"أكيدٌ أنّ الشّهوة التي تحسّ بها الأنثى
أعمق من تلك التي يحسّ بها الذكر."
أنكرت جونون ذلك،
واتّفقا أن يستشيرا تيريزياس العلاّمة،
ذلك أنه كان يعرف شهوات الجنسين.
فذات يومٍ، ضربَ بعصاه حيَّتين كبيرتين
تمارسان الجنسَ في غابةٍ خضراء،
وحينذاك، يا للمعجزة! انقلب
من رجلٍ إلى امرأة،
وبقي كذلك طوال سبعةِ فصولٍ خريفيّةٍ،
وفي الفصل الثامن رآهما ثانية، فقالَ لهما:
"إن كان للضّربات التي تلقّيتماها
مثلُ هذه القوّة لتغيير جنس من يضربكما،
فإنني أودّ اليومَ كذلك أن أضربكما."
ضربَ الحيَّتين،
وسُرعان ما استردَّ شكلَه الأوّل، ومظهره الطّبيعيّ.
إذن، أخذ تيريزياس حَكماً في هذا النقاش المُمتع،
فأكّدَ رأي جوبيتر.
وإذ اغتاظتْ ابنة ساتورن غيظاً مُفرطاً،
لا يستحقّه هذا الموضوع، كما يؤكّدون،
فقد حكمت على عينيه بالبقاء في ليلٍ أبدي.
لكنّ الأب الكلّيّ القدرة، (إذ لا يحقّ لأيّ إلهٍ أن يُهدّمَ صنيعَ إلهٍ آخر)،
أعطاه، بدلاً من الضّوء الذي فقده،
أن يعرفَ المستقبلَ،
مُخفِّفاً العقابَ بفضلِهِ هذا.

نرسيس (Narcisse)

عاش تيريزياس في مدن أونيا (Aonie),
حيث ذاعَ صيته في كلّ مكان،
يُعطي أجوبةً لا تُخطئ للناسِ الذين يأتون لاستشارته.
ليريوبي (Liriope) ربّةُ الماء ذات الشّعر الّلازورديَ،
هي أوّل من اختبر نبوءاته في قول الحقيقة.

قديماً، احتضنها الإلهُ النَّهرُ كيفيزوس (Céphise) في مَجراه المُتعرِّج
وأبقاها سجينةً وسطَ أمواجه، واغتصبها.
حبلت، وكانت تملك جمالاً نادراً،
وولدتْ طفلاً،
بدا منذ ولادته أهلاً لأن تحبّه ربّاتُ الماء،
سمَّتهُ نرسيس.
جاءت تسأل تيريزياس إن كانت حياته ستمتدّ
في شيخوخةٍ طويلة.
فأجابها العرّاف، شارحُ القدر، قائلاً:
"نعم، إن لم يعرف نفسه."