ميديا وبيلياس (Medea, Pelias) من كتاب التحولات لأوفيد
أرادت ميديا أن تواصل حيلها
فاصطنعت كراهية كاذبة لزوجها
والتجأت ، متوسلة ، إلى بيت بيلياس 8 .
استقبلتها ابنتاه
لأن الشيخوخة ترهقه هو كذلك .
لم تحتج الماكرة الكولشيدية إلى وقت طويل
لكي تفتنهما بمظهر صداقة خادعة .
عدت بين مآثرها ، في المقام الأول ،
المأثرة التي أخرجت إيزون من شيخوخته ،
واسترسلت ملحة على ذلك .
آنذاك أملتا ابنتا بيلياس
في أن أباهما سيتمكن من أن
يستعيد صباه ، بطريقة مماثلة .
وطلبتا هذا الفضل من ميديا
تاركتين لها هي أن تحدد الثمن بنفسها ،
ولو كان يتخطى المألوف .
ظلت صامتة بضع لحظات ، وبدت كأنها تردد ،
تاركة ، بوقار زائف ، البنتين تتوسلان إليها
في حيرة من أمرهما .
أخيراً ، وعدت قائلة :
"لكي تكون لكما ثقة أكبر في فني ،
فإن الكبش الأكبر سنا
الذي يسير على رأس نعاجكما ،
سيعود حملا ، بفضل الشراب الذي أعده" .
وفي الحال أحضر إليهما حيوان كثير الصوف
أرهقته سنوات لا عد لها ،
8 بيلياس هو أخو إيزون ، وعم جازون . وهو الذي أرسل جازون للحصول على الجزة الذهبية ، والذي قتل أخاه إيزون ، على وفق رواية ، لا يتبناها أوفيد . وميديا إذن جاءت لكي تعاقبه . هكذا دون توضيح ، ينتقل أوفيد بالقارىء من ميديا الخيرة إلى ميديا المخادعة . وهي مشهورة ، على الأخص ، بصفتها هذه الأخيرة .
ينحني قرناه حول صدغيه المجوفين .
نبشت ميديا بسكين من هيمونيا عنقه المتجعد ،
فلم تتبقع إلا بنقاط قليلة من الدم .
ألقت معا في إناء برونزي
جسم الحيوان ونسوغا قوية الخصائص ،
فقلص السائل أعضاءه ، وقرنيه ، وعمره الكبير .
وها هو ثغاء ضعيف يخرج من وسط الإناء .
ولحظة التعجب من هذا الثغاء
قفز حمل إلى الخارج ، هاربا بمرح
باحثا عن ضرعين جاهزين لإرضاعه .
أصيبت ابنتا بيلياس بالذهول ،
فيما كانتا تنظران إلى المعجزة التي
وعدت بها ميديا ، مؤكدة صدقها ،
وآنذاك كررتا عليها بإلحاح ما طلبتاه منها .
ثلاث مرات ، نزع فيبوس النير
عن خيوله الغارقة في نهر هيبيريا (Hiberie)، 9
وكانت الكواكب تضيء الليل الرابع
بنورها الساطع ، عندما وضعت
ابنة آييتسس (Aeetes) ، الماكرة ،
على اللهب السريع ماء نقيا
وأعشابا لا خصائص لها .
كان نوم يشبه الموت قد خدر أعضاء الملك ،
وأعضاء حرسه ، بفعل تعازيم ميديا ،
وبقدرتها التي يدين بها لسانها للسحر .
9 يشير نهر هيبيرا إلى الغرب ، حيث تغيب الشمس .
كانت ابنتا الشيخ بأمر من الكولشيدية ،
قد اجتازتا معها العتبة ،
ووقفن حول السرير .
قالت لهما :
"لماذا تترددان الآن ?
لماذا أنتما جامدتان ?
استلا سيفيكما ، وأريقا
دم الشيخ ، لكي أستطيع
أن أدخل دما فتيا
إلى عروقه التي أفرغت .
بين أيديكما حياة أبيكما وعمره ،
فإذا كان في قلبيكما بعض البر الأبوي ،
وإن كنتما لا تكتفيان بأن تحركا
في نفسيكما آمالا باطلة ،
فساعدا أباكما .
اطردا شيخوخته بقوة السلاح ،
اغرزا السيف في صدره ،
لكي يخرج منه دمه الفاسد" .
انقادت الأولى إلى نصائحها ،
فصارت الأكثر حبا لأبيها ،
والأكثر بعدا عن الجريمة ،
هي الأكثر إجراما .
لكن أيا منهما لم تقدر أن تتحمل
منظر الطعنات التي توجهها ،
فحولتا أنظارهما إلى الجهة الأخرى ،
وأخذتا ، بعماوة ، تضاعفان الجراح
بأيديهما المجرمة .
استند الشيخ إلى مرفقه ،
وهو يسيل دماء محاولاً ، وهو نصف مشوه ،
أن ينهض من سريره ، وقال
وهو يمد وسط السيوف ، ذراعيه الكامدتين :
"ماذا ، يا ابنتاي ، تفعلان ?
ما القضية التي تحرضكما
ضد حياة أبيكما ?"
خار قلباهما ، وخارت يداهما في آن .
كان يهم بقول المزيد ،
عندما أوقفت الكولشيدية كلامه ،
قاطعة عنقه ،
رامية أعضاءه الممزقة في الماء الذي يغلي .

No comments:
Post a Comment