Saturday, 10 June 2017

بيرسيفوني


بيرسيفوني
 صعد بلوتو عربته التّي تجرّها أحصنة سود، وراح يطوف أرجاء صقليّة إذ لمحته فينوس من ذروة الجبل حيث تقيم فسألت ابنها كيوبيد أن يصوّب سهمه الذهبي إلى قلب هذا الإله، فلبّى رسول الحب الطلب، واختار بين ألف سهم واحدا هو الأكثر رهافة، وأسند سلاحه إلى ركبته حانيا طرفيها اللّدنين، فاخترق قلب بلوتو برأس القصبة.
 وبينما كانت بيرسيفوني تلهو بمرح مع رفيقاتها الحوريّات عند البحيرة العميقة * ، لمحها الإله فخطفها في لمح البصر، ولم تجد صرخات الآلهة المرعوبة شيئا في نداء أمّها شيئا.
 اندفع الخاطف بعربته إلى الأمام واستثار أحصنته مناديا كلاّ منها باسمه، وانطلق عبر البحيرات العميقة والغدران والحقول.
 نهضت كياني إحدى ربّات الماء فوق اللجّة حتّى زنّارها، وارادت صدّ الباغي فمدّت يديها من الجهتين وسدّت الممرّ أمام الخاطف فلم يستطع بلوتو أن يكتم غضبه فحثّ أحصنته الرهيبة هازّا بيده القويّة صولجانه الملكيّ، قاذفا به في أعماق اللجّة. فتحت له الأرض بفعل هذه الضربة ممرّا حتّى الأعماق السفلى وغابت العربة في الشقّ.
 لم تعد كياني تجهر بصوتها، ذرفت دموعا غزيرة وذابت في المياه، لانت عظامها، وفقدت أظافرها الصلابة وأخذ جسمها في التحوّل إلى ماء.
 راحت سيريس * تبحث عن بيرسيفوني ابنتها عبثا في جميع أنحاء الأرض، وجميع البحار ليل نهار حتّى كدّها التعب وهدّها العطش فصادفها كوخا يغطّيه القصب دقّت على بابه المتواضع فإذا بعجوز تفتح لها الباب، وعندما رأت الآلهة تطلب الماء قدّمت لها شرابا عذبا وعصيدة من الشعير، وفيما كانت تأكل وتشرب ما قدّم لها وقف أمامها طفل صغير رثّ الهيئة فظّ الألفاظ وراح يضحك واصفا إيّاها بالشرهة فقذفت الإلهة ساخطة في وجهه فضلة الإناء وهو ما فتر يتكلّم فتناثر الشعير الممزوج بالسائل فبقّع وجهه وسرعان ما حلّ محلّ ذراعيه قائمتان وأضيف ذيل إلى أعضائه المتحوّلة، وصغر جسمه حتى صار غير قادر على الإيذاء، صار سحليّة مرقّشة. ناحت العجوز وأخذت كلّما أرادت القبض على المخلوق نأى عنها فرقا.
 استمرّ بحث سيريس إلى أن وصلت إلى ضفاف نهر كياني، كانت كياني ستقصّ عليها كلّ شيء لو انّها لم تتحوّل الى بحيرة، وعبثا أرادت أن تتكلّم فلم يعد لها فم ولا لسان، مع ذلك أبرزت علامة أكيدة، ففي هذا المكان تركت بيرسيفوني حزامها الذي تعرفه أمّها جيّدا يسقط في اللّجة المقدّسة، ها هو يعوم على صفحة الماء.
 أدركت الأم أن ابنتها ذهبت ضحية اختطاف، وراحت الآلهة تصب جام غضبها على الأرض والحقول لاعنة ايّاها واصفة انّها ناكرة للجميل. أنذاك, رفعت ربّة ماء رأسها وقالت وهي تردّ شعرها المنسدل على جبينها: أيّتها الربّة، ضعي حدّا لتعبك، تعالي أقصّ عليك خبري: انشقّت الأرض من أمامي، ومنحتني طريقا غصت عبرها في الأعماق، وفي لجّة ستيكس ذاك النهر الجاري في العالم السفليّ رأيت بعينيّ ابنتك بيرسيفوني، كانت حزينة، ولم يكن الرعب قد فارقها بعد، لكنّها مع ذلك ملكة آلهة العالم السفليّ وزوجة نبتون الذي يسيطر على الجحيم.
 ظلّت أم بيرسيفوني جامدة كما لو أنّها صخرة وهي تصغي إلى كلمات ربّة الماء، ثمّ صعدت عربتها واندفعت في الفضاء إلى السماء. هنالك وقفت أمام جوبيتر مكفهرّة الجبين وقالت له: أتوسّل إليك يا جوبيتر أن تردّ ابنتي، لقد عثرت عليها بعد أن بحثت طويلا، سأصفح عن اختطافها شريطة أن يردّها نيبتون. فأجاب جوبيتر: ابنتك هي إبنتي كذلك، وليس في صهر كهذا ما يخجلنا إن منحته رضاك، كفى أنّه أخ لإله السموات، لكن بشرط: الاّ تكون شفتاها مسّتا هنالك أيّ طعام من عالم الجحيم، ذلك هو قرار ربّات القدر.
 غير أن سيريس أصرّت على إعادة ابنتها من الجحيم، وهذا ما عارضته الأقدار، ذلك أنّ الفتاة قطعت صومها، فأخذت سبع حبّات من قشرة رمّانة شاحبة وعصرتها بين شفتيها، ولم يرها أحد سوى إسكالافوس، فكانت وشايته الفظّة بها حائلا دون عودتها إلى الأرض. انتحبت سيريس وحوّلت الشاهد إلى طائر شنيع. أنبتت منقارا في رأسه، وعينين ضخمتين وأجنحة تميل إلى الشقرة، وتضخّم رأسه وطالت أظافره وتقوّست، حتّى صار طائر البوم المشؤوم.
 غير أن جوبيتر الموّزع بين أخيه وأخته الحزينة قسّم السّنة إلى قسمين متساويين، والآن تمضي الآلهة التّي تمتدّ سلطتها على المملكتين معا، نصف السّنة مع امّها، ونصفها الآخر مع زوجها. ذلك أن جبين الآلهة المتجّهم في مملكة بلوتو، يتلألأ فرحا كشمس تبدّت بين الغيوم.