Tuesday, 26 January 2016

ماريو الأسد والسيّدة العقرب

ماريو الأسد والسيّدة العقرب





ماريو الأسد والسيّدة العقرب
"أجزم بأنها عقرب"! قلت جذلا، فرد صاحبي بثقة قائلا: "وأنا أظنّها كذلك". ندهنا النادلة "أدا": ما برج مديرة مطعم "باتي"؟. "لحظة، من فضلكما، سأسأل "ماريو"، قالت.. ثم غابت في دخان المطبخ. وبعد لحظات عادت وقالت، كمن يزف خبرا سعيدا: "برج العقرب". فابتسم صاحبي: "ها نحن نصيب مرّة أخرى". تعرّفنا على مطعم "باتي" من سنين خلت، وهناك وقعنا على "السكامبي" الرائع في "بورتوفينو". كانت "باتريزيا" صاحبة الجاليري هناك، هي من أرشدنا إلى "باتي". ظللنا نتذكر تجربة طبق السكامبي هناك لشهور تلت. وكما يعود من يشرب نبيذ كيانتي إلى كيانتي، عدنا إلى بورتوفينو نبحث عن ضالتنا، طبق السكامبي الرائع. ولكن "باتريزيا" لم تزفّ لنا أنباء طيّبة، عندما أخبرتنا أنّ الشيف "ماريو"، الطاهي الحاذق، ترك المطعم وحمل خلطة السكامبي السحريّة معه، وافتتح الـ"بادو" مطعما جديدا. "أصيب صاحب مطعم "باتي" بحادث أقعده"، أردفت "باتريزيا". "وتولت السيّدة زوجه أمر المطعم، فأقامت الدنيا وأقعدتها، وقدّمت وأخّرت حتى كادت تحول المطعم إلى حرب طروادية، وسرعان ما طال الأمر ماريو نفسه، فدبّ الخلاف بين السيّدة وبينه، فآثر السلامة واستقال، وأصبح له مطعم مستقل يحمل اسم "بادو".
في 20 ديسمبر 2013م، كنّا في مطعم "بادو" على وجبة عشاء، نتجاذب أطراف الحديث مع النادلة "أدا" والنادل"إدريس"، الذي تعرّف علينا وحيّانا، وكان قد جاء استجابة لرغبة ماريو حتى يساعده تلك الليلة، فقد وفد عليه عدد من الزبائن أكثر مما كان متوقعا. همس "إدريس"، وهو شاب مغربيّ دمث، كان وما زال يعمل في "باتي": "جئت دون إخطار السيّدة، لأنها لو علمت ستكون نهايتي سوداء"، قال ذلك وابتسامة تعلو محيّاه. وكان "إدريس" يسأل الزبائن، الذين انتشروا حول أكثر من طاولة، بأن لا يفشوا للسيّدة سرّ وجوده هنا (لكونهم من نفس البلد). أردف "إدريس": "الرجل المقعد جوزاء طيّب القلب، ولكن السيّدة امرأته قد استبدّت بالأمر". كنت في بيته صباح هذا اليوم فكانوا في خصام وصراخ كعادتهم، فخرجت لا ألوي على شيء. فقلت لصاحبي: "أجزم بأنّ السيّدة عقرب!". فأجابني: قطعا، إنّها كذلك.
طبق الجمبري المخلّل ببصل تروبيا، طبق بسيط جدّا ولكنّه قطعا أعدّ على جبل الأولمب، لآلهة الأولمب، صنعه ماريو على عينه، يقدمه بدموع من الفرانشاكورتا، وعجّة زوكيني (كوسا) مع قواقع رائعة كذلك. ولكن الوصفة السحريّة، الوصفة التي يتميّز بها ماريو، هي وصفة طبق السكامبي الذي ترشف عصارته رشفا. فعندما يقدّم ذلك الطبق إلى الزبائن يتحول روّاد المطعم إلى أوركسترا من العازفين. يزكّي ماريو نبيذ الشيرفارو، مفخرة معصرة الأنتينوري، تلك القلعة الحصينة التي يقصدها حجّاج النبيذ، ويؤنس لياليها معشر الرجال الظرفاء من أتباع باخوس.
تذكرت حديث "باتريزيا": "لقد حاول سكّان "بورتوفينو" فك شفرة سكامبي "ماريو"، ولكنّ جهدهم ذهب أدراج الرياح كما يقولون، ولمّا سألنا "أدا" بهمس: "ما سرّ وصفة الجمبري العجيب ببصل تروبيا؟"، همست "أدأ" قائلة: "لمحت ماريو يقص الجمبري إلى شرائح ثمّ ينقعها في النبيذ ليلة كاملة..."، ولكنّها لم تتمم كلامها، لأنها سمعت وقع خطى ماريو يخرج من المطبخ. ولكون إفشاء أسرار خلطات ماريو مسألة حياة أو موت، فقد آثرت "أدا" السلامة. وعندما قفلنا عائدين مع "روبيرتو"، السائق الحوت، ضحك ملء فيه كعادته وسأل وكأنه يتحدّث من جبّ: "كيف حال العشاء؟"، فقلنا له: رائع. "أكلتم السكامبي"؟ سأل روبيرتو، "رائع جدا" قلنا. كان روبيرتو الطيّب، ابن الثانية والخمسين، يبدو أصغر من عمره، فسألناه سبب ذلك، فقال: " إنّه جوّ بورتوفينو المعتدل". فقلت: أو لعلّه بفضل زوجتك". فعلق نافيا: إلاّ هذه، إنّها يا صديقي سبب بؤسي"، ثمّ أضاف: "أمّا عن السكامبي، فأنا ابن بورتوفينو، ولقد حاول أهالي هذه البلدة فكّ لغز سكامبي ماريو زمنا طويلا، ولكنّهم باؤوا بالفشل"، قالها وهو يضحك تلك الضحكة التي كانت كأنها تنبعتث من قعر محيط.
في العشاءات التي قضيناها في ضيافة ماريو في بادو، لفتني قلّة الزبائن. كنت أظنّ أن الفصل (الشتاء) كان الحائل بين المعلم والجمهور، ولكنني علمت من جوليانو، صاحب مطعم "بالين كوزين" في سيستري ليفانتري ذات مساء، بأن الطليان بدأوا يؤثرون الوجبات الأرخص، دأب السيّاح الأجانب الذين يملأون بورتوفينو ضجيجا في الصيف، لقد عزّت المطاعم التي تقدّم الوجبات الطازجة حتى إنّ قلّة من الصيادين يكبّدون أنفسهم مشقّة الصيد. "في سيستري ليفانتي، هناك صيّاد واحد لا غير يزوّد مطعمين من غابة المطاعم في البلدة"، قال جوليانو. في المشاوير الصباحيّة التي كنت أقطع فيها العشرة كيلومترات من راباللو إلى بورتوفينو والتي أحسبها أجمل المشاوير التي سرتها في حياتي كلها، كم من المرات لمحت ماريو يقف وقفة الأسد (من مواليد برج الأسد) على باب الـ"بادو" في "سانتا مارجريتا ليجير" في انتظار زبون عبثا، بينا راحت أيدي القوم تتخاطف سندويشات الهمبرغر في الماكدونالد وبج بيرجر. كنت ألّوح له من بعيد وأنا قاصد بورتوفينو أو عائد منها إلى راباللو. وكان ماريو يقف كمحارب روماني في غير زمن الحرب. لقد اشتكى أبو الطيّب كساد سود الشعر في ما مضى فقال: "قد أُفسِدَ القولُ حتّى أُحمِدَ الصَّممُ".
وهكذا قرأت حال ماريو، فسألته: "هل أفسد الطعام، يا صديقي؟"، فأجاب متحسرا:
لم يفسد الطعام، ولا سيما في مطعمي، لكن ذوق العصر في هذا العالم أصيب بالفساد حتى صار الذواقة من الناس يؤثرون الصيام!


http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_article_indetail.php?articleid=54