Showing posts with label Press. Show all posts
Showing posts with label Press. Show all posts

Sunday, July 10, 2016

حوار صحفي أجرته - Al Bayan Newspaper

حوار صحفي أجرته
صحيفة ‫#‏البيان‬ مع معالي
محمد أحمد خليفة السويدي
الشاعر والمفكر الإماراتي
ورئيس مجلس إدارة القرية الإلكترونية - أبوظبي
...


تناول الحوار الحديث عن المشروعات والمنجزات الثقافية التي تقوم عليها القرية الإلكترونية
أجرت الحوار الصحفية ‫#‏عبير_يونس‬
نشر اليوم الأحد 10 يوليو 2016
 

Saturday, April 16, 2016

«بعيداً من أريتسو ... قريباً من برونو» محمد أحمد السويدي



مقال جديد لــ ـ#محمد_أحمد_السويدي نشرته ‫#‏صحيفة_الحياة‬
اليوم
«بعيداً من أريتسو ... قريباً من برونو» محمد أحمد السويدي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المدينة الإيطالية «أريتسو»، هي الأم التي لم تكن يوماً رؤوماً قطّ، وفعلت كل ما من شأنه جعل أبنائها ينفرطون كحبّات مسبحة بعيداً منها، إنها مدينة تشبه رحماً يلفظ أبناءه، ما أن تقطع عنها حبلهم السريّ. لقد دفعت إلى الحياة نوابغ كبترارك وأوروتينو وفاساري، ولفظتهم كفم عجوز تلفظ النوى، فمن يلومهم إذا ساروا في الأرض. زرتها وكأني ذهبت أفتّش عن تلك الأسباب التي جعلت نوابغها يتقلبون في البلاد، ودفعني ذلك إلى شعور من التّوجس من سبب ما، لعلّه في الهواء، أو في الجغرافيا، أو لعلّه الماء، أو الشمس. لكنها مدينة لا تفتقر إلى الجمال ولا إلى البهاء، ولا الهواء المنعش، ولا من الخضرة المحدّقة بك، ولا ساحتها، وهي مع ذلك ما زالت في القلب من توسكانيا، مخبوء في أزقتّها القديمة، في جدران بيوتها أو في الشيميرا وجه الأسد وذيل الثعبان ورأس المعزة تنبثق من الظهر، رمز مدينتهم، وحيوانهم الأسطوري الذي جاء على ذكره هومر في إلياذته. دخلتها وأنا أريد ان أتعقّب ما بذره بترارك وصحبه في طريق السالكين إليها، كنت افكّر أن رجالاً كهؤلاء منحوا العالم طريقتهم في الحياة، لا بد أن تكون بقايا منهم علقت في طرقات اريتسو وسبلها الضيقة وساحاتها ومصاطبها. حانت ساعة الغداء، ورحنا نفتّش عن مطعم نلوذ به، فشدّتنا لوحة عريضة، ومدخل نصب كالفخ لطريدة مثلنا، فدخلناه.
لم نكن نعرف قراءة قائمة طعام بالإتروسكانيّة، كما أنّه ليس لنا سابق معرفة بالمكان وروّاده، فقد دفعتنا إليه المصادفة المحضة، وتلك اللوحة البغيضة التي نصبت للسائرين.
كان الناس من حولنا متجهمين غلاظاً، يعكفون على ازدراد الطعام بنهم، تقول ملامحهم إنّنا نتحدّر من جدود إتروسكان. لم نكن نشعر بالجوع الذي دفعنا إلى جحيم دانتي هذا بلا شفقة، فأختار صاحبي طبقاً واخترت طبقاً آخر، وعندما نبّهني أن طلبي مكوّن من ثلاثة أطباق على التوالي، حاولت استدراك الأمر على عجل، فقلت لصاحب المطعم بهمس بعدما سألته الاقتراب: سأكتفي بالطبق الرئيس ولا حاجة لي بالطبقين الأخريين.
حدّق بي الرجل بغلظة، ونفاذ صبر، وقال بإنكليزيّة مهشّمة لا تكاد تفهم ما معناه: لا يمكنك ذلك، فالطباخون كادوا أن ينتهوا من إعداد أطباقك، ولقد انتهوا هم أنفسهم من تناول وجباتهم، وما عادوا يطيقون على أكل المزيد، وأنا كذلك، أما الزبائن فكما ترى منهمكون بتناول الطعام، فأين ستراني اذهب بأطباقك؟ فقلت له لا بأس سأسدد الثمن، وكنت أريد بذلك ألا يبالغ بثورة غضبه، وأن أعمل على تهدئته، ولكنه كان يبدو كمن أعدّ نفسه لمثل هذه الخطوب، فقال وقد بالغ بنفاد صبره أكثر من ذي قبل: الأمر لا يتعلّق بثمن ما طلبت، بل بما طلبت أنت بنفسك، أين سأذهب به، ماذا سأفعل بأطباقك الثلاثة إن لم تأكلها. شعرت في تلك اللحظة بأن الرجل قد خرج من عباءة أريتينو، أو أن لإريتينو أحفاداً ما زالوا يداولون حرفة الإبتزاز، واستعدت على نحو غير متوقّع في موقف كهذا صورة أريتينو، ويده المقطوعة الأصابع، وتماثل الشبه بين لحيتيّ الرجلين، فقلت في نفسي إن لحية أريتينو وحدها لا تكفي.
لقد تحققت أسوأ كوابيسي، وحدث ما كنت أخشاه من حيث لم أحتسب، فقد كنت متوجساً من مصادفة رجلٍ كهذا في مدينةٍ كهذه. ثم استدار ناحية زبائنه وصار يحدّثهم بالإيطالية مما جعلني ملفوفاً بغلالة من الحرج الشديد، وهكذا اضطررنا إلى التظاهر بالأكل. كان الأكل غليظاً كالمطعم وصاحبه. وخرجنا من المطعم عدواً، بل من أريتسو كلها كما خرج من قبلنا بترارك وفاساري، وفارقنا المكان ولسان حالنا يقول، كما يقول الطليان: «لذ فراراً من فوجيا، لا من فوجيا نفسها، ولكن من أهل فوجيا».
عزيزي برونو
في قلب البيازا كامبو دي فيوري (ساحة ميدان الزهور) يقف نصب جيوردانو برونو في صمت وهيبة، في المكان ذاته الذي تحلّق حوله شرذمة من الغوغاء في صبيحة السابع عشر من شباط (فبراير) عام 1600م لمشاهدة تنفيذ حكم محكمة التفتيش. جرّد الفيلسوف المشاغب من ثيابه، وربط لسانه السليط، وشدّ إلى خازوق من الحديد وأحرق فوق كومة من الخشب. إثر أنّه خاطب القضاة عندما تلوا عليه قرارهم قائلاً: «لعلّكم أشدّ جزعاً من هذا الحكم منّي أنا الذي تلقّيته». لم يكن ذنب برونو الذي جناه سوى أنّه ذهب مذهب كوبرنيكوس في أن الأرض ليست مركز الكون كما زعم بطليموس وأن البابا ليس مركز الأرض، وأن الأرض ما هي إلا ذرّة في فضاء لا متناهٍ، كون لا نهائي ليس له مركز أو محيط تنفث فيه الحياة روح واحدة. وخالف أستاذه قائلاً: أن النجوم (وذلك قبل مولد التلسكوب) غير ثابتة وأنّها تغيّر مواقعها على الدوام، وتساءل ما إذا كانت هناك نجوم تسكنها كائنات ذكيّة، فهل مات المسيح من أجلها أيضاً؟ وقال ما أشبه الشعب بالبهيمة والحاكم بالطفل الذي يتحكّم بها فيوجّهها أنّى شاء بما يتفضّل عليها بالنزر القليل من المال، والذي هو في الأصل مالها هي. لم يحتمل الحاكم البابوي هذا التحريض فأسلم برونو إلى محكمة التفتيش بعدما قبض عليه في البندقيّة وذلك بعدما طاف أوروبا ستة عشر عاماً محاضراً في أرقى جامعاتها كأكسفورد والسوربون والكوليج دو فرانس وحمل بعدها أسيراً في مركبة إلى روما وتعرّض في عاصمة الأنوار إلى الكثير من المهانة والإذلال من عبيد البابا ورهطه قبل أن يصدر عليه الحكم بالهرطقة والموت حرقاً.
غاليليو ومناظيره
وبعد ثلاثة وثلاثين عاماً من هذا التاريخ وخوف لقاء المصير نفسه من محكمة التفتيش عينها وقف الشيخ الكبير غاليليو بعدما أبصر ورأى بمناظيره وعدساته أن الكون أكبر ممّا يظنّ البابا نفسه وأعلن أمام المحكمة في روما بأنه نادم أشدّ الندم على هرطقته وزيف ما خيّل إليه أنه رآه، وأن كوبرنيكوس ما هو إلاّ مدلّس كبير. أقف أمام النصب الذي أقيم احتفاء بذكرى الرجل العظيم، والذي جمعت فيه التبرعات من كل أصقاع الدنيا عام 1889 في قلب ساحة الكامبو دي فيوري وأهمس للهيكل الذي يلفّه صمت ووقار: عزيزي برونو أنت من ألي الفضل إلى ما بلغه الغرب من تقدّم لا بفلسفتك وعلمك فحسب بل بحدسك الشعريّ الذي حيّر الزمان. لعلّك تأسى أو لعلّك تبتسم إلى ما بلغناه نحن، فنحن يا سيّدي بعد خمسة قرون خلت على رحيلك ما زلنا بسلامة صدر شبيهة بغباوة طبع نقسم بأن الأرض هي مركز الكون وأن المجرّات الضخمة ما هي إلاّ مصابيح تزيّن صفحة السماء.
خليج الشعراء في طريقه إلى جنوى، وصف بترارك مدن الريفيرا الإيطاليّة بأنها تيجان تكلّل هامات الجبال المنحدرة إلى بحار لازورديّة قال فيها الشاعر الشاب: «إنّها أشبه بالسماء منها بالأرض». فما وسع بايرون إلاّ أن هبّ إلى تلك الشطآن يجرّب فيها مواهبه في العشق والسباحة والشعر، فكتب في أحد مغاورها قصيدته «القرصان»، وكذلك شيللى الذي اختار أن يلقى هناك منيّته على غرار التراجيديا الإغريقيّة التي كان مولعاً بها، فاحتفظ بنسخة من «سوفوكليس» وجدت في جيب بنطاله عند غرقه، أمّا مونتيل الحائز جائزة نوبل في الآداب عن عام 1975، فآثر أن يوزّع أشعاره على أصحاب البقالات والمحلات وكأنه يعود بالشعر إلى رحمه الأول.
ومن كوكبة النجوم تلك اشتّق اسم الخليج. يحفّ بالخليج عقد من القرى أهمهّا وأجملها بورت فينيري، وهي مفردة مركبة ومنحوتة من كلمتين: الأولى ميناء، والأخرى ربّة الحب فينوس. هكذا اختار الرومان الأوائل هذا المكان الرومنطيقي منتجعاً يليق بالربّة، وأقاموا لها معبداً على هامة جبل، ما زال العشّاق منذ القدم وإلى اليوم يسترقون القبلات بين صخوره المشرفة على وجهها الكريم. وكان أهلها يرون أنه عند بوتوفينيري ينتهي العالم. لكنّ الكنيسة سرعان ما استلهمت خطوط حمار وحش أفريقيّ مسحت به ظهر معبد فينوس ونسبته إلى القدّيس بطرس. وهو يبدو اليوم مثل جرم صغير فقد ذاكرته، ولا يسع الزائر إلاّ الشعور بمغناطيس فينوس الطاغي في كلّ مكان، وغياب أي أثر لبخور القدّيس. ثمّ لا سبيزيا، التي كانت يوماً ما مدينة تعبق من بيوتاتها وأزقتها رائحة البحر والسراخس والأصداف والطحالب العالقة على الصخور والتي منحت البحر صفاءه الخالص قبل أن تتحوّل لاحقاً إلى ميناء صاخب، ومركز للأسطول الحربي الإيطاليّ، ففسد بذلك سحرها القديم.
ولقد أنكرتنا كما أنكرناها، فالميناء والأسطول ملكان أفسدا القرية وذهبا ببهائها. ومدينة ليرشي، وهي المدينة التي أقام فيها الشاعر بيرسي شيللي، وربما فيها تحسّس موقع القلب في صدره قبل أن يفقده في رحلته الأخيرة. كما أقام بها لاحقاً الروائي دي إتش لورنس. ثمّ لوفيرنو التي أبحر منها شيللي في صبيحة يوم الثامن من تموز (يوليو) عام 1822 مع زمرة من صحبه ولم يصل منهم أحد إلى ليريشّي. مات شيللي غرقاً، وعُثر على جثته بعد أيام عند فياريجيو وقد تحلّلت على نحو جعل بايرون ينفر منها فزعاً فسبح إلى سفينته البوليفار بعدما حرق جسد الشاعر وانتزع صديقه تريلاوني من الجسد المحترق القلب.
رماد شيللي
كتبت الصحافة البريطانية بعدما بلغها نبأ وفاته: طوى الموت شيللي، الشاعر الرقيق، احتفظت زوجته ماري برماد قلبه، طوال حياتها، وبعد وفاتها دفن مع ابنهما فلورنس شيللي. كان شيللي قد رثى قبل عام من موته بقصيدته أدونيس صديقه كيتس الذي قضى بمرض السلّ في روما، ورحّب في مقاطعها الأخيرة بالموت، ففي الموت راحته لأنه سيلتقي بالميت الحي (كيتس): نور الله يشرق دائماً، وظلال الأرض تزول، والحياة كقبة مزدانة بكثير من الزجاج المعشّق تلقي ظلالها على شعاع الأبدية الأبيض فتغير لونه حتى يسحقها الموت فيهشّمها أيها الموت إن كان هذا ما تطلبه فلم تتوانَ؟ لم تتراجع؟ ولم تحزن قلبي؟ الآن، وأكثر من أي وقت مضى، يبدو شيئاً نفيساً أن تموت، أن تتوقف أنفاسك في منتصف الليل بلا ألم، بينما أنت تدفع روحك خارجك في نشوة ما بعدها نشوة، وانجذاب يفوق كل وصف.
كيف للجنة أن تكون إذا لم تعد فيها بورتو فينو، لن تكون كذلك أبداً، كنت أتطلّع إلى مينائها والحياة التي تدبّ فيه، ومن ذلك المكان الذي يشرف عليه كنت أرنو إلى سفن صغيرة راسية على الرصيف تخرج الحبال من خواصرها إلى قضبان حديد لتثبيتها، وكان المشهد عرساً من الألوان يشعرك بأن نبتون يرقص طرباً. رأيت رجلاً بقميصه الأحمر وهو منهمك بجمع القواقع على حافة زورقه، قلت لصاحبي وأنا أرمقه: ستكون هذه وجبتنا اليوم في «بورتو فينو».
* شاعر من الإمارات
النسخة: الورقية - دولي: الجمعة، ١٥ أبريل/ نيسان ٢٠١٦ (٠١:٠)
 

Saturday, April 9, 2016

قادنا دافنشي إلى موناليزا بالصنادل المجنحة



استجاب «هيرمس» لنجوى، رقّ لها قلبه، فأعارنا صنادله المجنـّحة، بعد إقامة تشاكلت لياليها فبدت طوالاً كليل العاشقين. إنتعلنا الصنادل ميممين نحو إيطاليا، التي استقبلنا فيها ليوناردو دافنشي حارس ميلانو عند باب حجرة طعام دير القديسة ماريا ديلي غراتسي ليكشف لنا بعض أسرار «العشاء الأخير»، وفيفالدي يقف أمام كاتدرائية سان ماركوس يستعد وأوركستراه لعزف فصوله الأربعة، وجولييت تطلّ من شرفتها في فيرونا وتسائلنا عن اخبار روميو، والسيّدة مونتاجو تحضّر لنا الإسبرّسو على الطريقة الجنويّة، وبايرون يعدّ سفينته البوليفار ليأخذنا في رحلة الى خليج الشعراء برفقة شيللي، أمّا «كاروزو»، فوعدنا أن يغنّي لأجلنا ثانيةً في مدينته نابولي «أو سالا ميو».
في عام 1502، اقتنى ليوناردو دافنشي عدسات مكبّرة، دلّت على بداية ضعف بصره، وبعد عام ذهب يفتّش عن فتاة توافق مشروعه الجديد الذي لم يمنحه اسماً بعد، أو ظلّ يسّميه تجاوزاً: سيّدة من فلورنسا.
بدأ دافنشي، وقد ناهز الخمسين، يقلّب أفكاراً راودته عن الموت وراح يكتب: «تنزع الروح إلى أن تبقى ملازمة لجسدها، فهو الذي يمنحها الحسّ وآلية الحياة». وقال: «لكل أذى ما، ذكرى مؤلمة يخلّفها، إلا أعظمها، وهو الموت، الذي يقتل الذكرى جنباً إلى جنب مع الحياة». وقال أيضاً: «أيها القابع في سباتك، ما النوم؟ النوم صورة الموت، فالأحرى بك أن تبتدع من الأعمال ما يخلّدك بعد موتك، بدلاً من أن تفني حياتك نائماً متشبهاً بالميتين». وكان يردّد على أصحابه: «الحياة المادية هي موطن الروح، والموت هو إقصاؤها، إنها تخرج «على غير إرادتها»، ولا يبدو أنها متجهة إلى السكنى بالأعالي».
كان دافنشي قد رأى الموت بأمّ العين في غزوات «سيزاري بورجيا»، الإبن غير الشرعي لبابا الفاتيكان إسكندر السادس. رأى مصارع الرجال بشكل مكثّف في ذلك العام الذى بدأ فيه بصره يخبو. رأى آلاته وخرائطه وسلاحه كيف راحت تحصد الأرواح، وانتهى بعد عام في فلورنسا يتابع ما انتهت اليه دولة آل بورجيا وما انتهى إليه سيّده، فشرع يفتّش عن وجه لمشروعه الجديد كعادته، ووجد ضالّته في امرأة متزوّجة، لعلّها ليزا جيرارديني ذات الأربع والعشرين سنة، زوجة تاجر الحرير الفلورنسي. وكانت أمّاً لثلاثة أطفال، مات آخرهم (طفلة) عام 1499م. وشرع في الرسم عام 1503م. أطلق الفلورنسيون على اللوحة اسم «الجيوكاندا» (المرحة)، وكان يعرض على زائريه في مرسمه في فرنسا في سنيه الأخيرة ثلاث لوحات: الأولى لوحة «القدّيس يوحنّا»، والثانية «العذراء والطفل مع القدّيسة آن»، ولوحة ثالثة يقدّمها بعنوان «سيّدة من فلورنسا»، يجمع النقّاد على أنها الموناليزا، الاسم الذي لحق بها، وظلّ يلاحقها في زمن السرّ الدائم حتّى الآن. هل اختار ليوناردو دافنشي ليزا جيرارديني من فلورنسا نموذجاً لملاك الأرواح؟ تلك اليد الخفيّة التي ستستلّ روحه بعد سنين، هذا ما صرت إليه كلّما اقتربت متأملاً اللوحة، عيناها الضّيقتان، نظرتها المحدّقة، ابتسامتها الغامضة، عطلها من الحليّ، زيّها الضارب إلى السواد، والدروب الموحشة الموحلة لتوسكانيا خلفها، والألوان التي تشعرك بدنوّ ساعة غروب الأجل، وتعللّه الدائم، بأنه لم يفرغ منها بعد (قبل أن تفرغ منه)، والقاعة الثالثة عشرة التي تسكنها في فضاء قصر اللوفر الأولى. وأظنّه نظر إليها يوم السبت الثالث والعشرين من نيسان (أبريل) عام 1519، بعدما فرغ من إملاء وصيّته، وظلّ ينظر إليها إلى أن فاضت روحه بعد بضعة أيام، في الثاني من أيار (مايو) بعدما استعدّ العالم فيه والفنّان لولوج البحر العظيم.
هل سبق لك أن رأيت الموناليزا وجهاً لوجه؟ سألت كلّ من شاهد زوجة تاجر الحرير الفلورنسي عمّا انتابه لحظة لقائها العين بالعين؟ أجاب بعضهم: أنّه شعر بسحر غامض يسري في جسده، ولم يجد له تفسيراً. بهتّ، قال أحدهم، «خيبة أمل كبيرة» قال آخر، بعضهم قال: خيّل لي أنّها قدّيسة تنزّلت من السماء، قال شاعر كبير: رأيت رجلاً! وآخرون قالوا: لم تحرّك فينا ساكناً، فالفتاة ليست على حظ وافر من الجمال، إن لم تكن هناك جملة من العيوب: فالأنف طويل نسبيّاً، والحواجب نسيتها ريشة الفنّان، والعينان ضيّقتان يعوزهما الكحل، وقال آخرون: كلّها جبين، أو خفيفة الشعر، إلى غير ذلك من مثالب. مادالينا زوجة التاجر أجنولو دوني، جلست الجلسة ذاتها في التاريخ نفسه والمدينة نفسها أمام الشاب رافائيل الذي كان متأثراً بدافنشي حتّى سرق فكرته، وأنجز لوحته الشبيهة بالمادونا على عجل، من دون أن يثير جلبة. واللوحة تمنحك صفاء في الألوان قلّ نظيره، كما أن مادلينا بدت مزيّنة بقطع المجوهرات على خلاف الموناليزا. لا يكترث المهتّمون اليوم بموناليزا رافائيل المغمورة، بل بالحسناء العاطل، ولكنّهم يسألون: أليست العذراء عند الصخور، أوالمادونا في أكثر من لوحة له، أو القدّيسة آن، أو ليدا المغرية، أكثر جمالاً؟ ويعجبون، كيف قضى السنوات الباقية من عمره - وكان قد ناهز الخمسين - في لوحة أنفق عليها من ماله وروحه، إذ راح يسخّر لها فريقاً من العازفين والمهّرجين، ليذهب عن نفسها الغمّ والحزن أو الوحدة والملل، وهي ماثلة في وضع ثابت لا يرفّ لها جفن. لقد أسهب فاساري في وصف جفنيْ الموناليزا، ولكن كل الاختبارات الحديثة التي أجريت على اللوحة لم تعثر لهما على أثر. فهل تراه رآها أو نقل ما سمعه عنها؟ وهل طاولت الترميمات وعوامل الأكسدة طوال الخمسمئة سنة الماضية نهار اللوحة فبدّلته إلى (غروب)، إذ شكا الناس ذلك منذ مطلع القرن السابع عشر، وسوء ما آلت إليه اللوحة، إثر الأخطاء التي ارتكبها المرمّمون؟ وعلى رغم حماسة بعضهم للموناليزا، إلا أنها لم تعدّ عملاً خارقاً أو استثنائياً. لكنّ بزوغ نجمها بدأ في منتصف القرن التاسع عشر، في شمال أوروبا تحديداً، إثر موجة الافتنان بعصر النهضة في إيطاليا في شكل عام، وبعبقريّة ليوناردو دافنشي المتعدّد المواهب بخاصة. وكان اختيار السيّدة الفلورنسيّة قصر اللوفر سكنى لها في باريس منعطفاً آخر لتلك الشهرة، إذ اختارت هذه النبيلة ودافنشي نفسه المنفى وطناً. ثمّ ساهم الأدباء في إعلاء شأنها بما دبّجوا بها من عبارات المديح والثناء. قال عنها الروائي والناقد الفنّي تيوفيل غوتيه: «عنقاء الجمال ذات الابتسامة المحيّرة»، وأثنى عليها الشاعر ييتس بطريقته، وكذلك أوسكار وايلد، وسومرست موم، وفورستر الذي نعتها في روايته «غرفة ذات إطلالة» بقوله: «تلك التي لا نحبّها، لأنها تضنّ علينا بما يجيش في صدرها من حديث».
في الحادي والعشرين من آب (أغسطس) 1911، حلّقت الموناليزا في سماوات المجد، عندما خطفها لصّ في الحادية والثلاثين من العمر يدعى فينزنسو بيروجيا، رسّام ومرمّم وصاحب سوابق يعمل في اللوفر، كان يريد اختطاف «الآلهة مارس وفينوس» لمانتينا، لكنّ اللوحة كانت أكبر من أن يحتملها كاهله، فاكتفى بالموناليزا الأصغر حجماً والأخف حملاً. ولفّ الحسناء التي استسلمت للثعلب في قماش، وخرج من دون أن يثير أدنى ريبة. ولم يفلح البوليس في الكشف عن هويّة الخاطف، وطاول التحقيق كثيراً من المشتبه بهم، بمن فيهم بيكاسو الذي شوهد غير مرّة يحوم حول اللوحة. وفي أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 1913 أرسل فينزنسو رسالة إلى تاجر التحف الفلورنسي ألفريدو جيري يعرض فيها ردّ السيّدة الفلورنسيّة إلى وطنها لقاء نصف مليون ليرة، فأعلن التاجر قبوله العرض. وفي الثاني عشر من كانون الأول (ديسمبر) استقلّ بيروجيا بصندوقه الخشبيّ القطار إلى فلورنسا، واستأجر لدى وصوله غرفة في فندق متواضع، عُرف باسم الجيوكندا في ما بعد. وفي لحظة اللقاء الحاسمة فتح الصندوق أمام تاجر التحف الذي كاد يتوقّف قلبه، وأخرج زوجاً من الأحذية القديمة، وبعضاً من الملابس الداخليّة البالية التي تبعث على الغثيان، ثمّ جلا العروس التي طال غيابها. اعترف الفريدو بالمشاعر التي انتابته ساعة رآها، وكيف راح بيروجيا يعرض اللوحة ويتقمّص دور دافنشي نفسه. «أميرتكم ردّت إليكم»، قال بيروجيا كمن حقّق مجداً مؤثلاً، وها أنا أنتظر الثواب. عندها انقضّ رجال الشرطة من كلّ مكان وألقوا القبض على الثعلب فينزنسو وأودع السجن. ومنذ ذلك اليوم تصطفّ طوابير الزوّار الآتية من كلّ فجّ عميق أمام الغرفة 13 في الدور الأول من القصر لتقديم واجب الاحترام للنبيلة الفلورنسيّة، حمداً على سلامة الإياب.
#محمد_أحمد_السويدي

Sunday, March 13, 2016

من هدريان إلى القابضين على الهواء .. مشاهدات في إيطاليا

الأحد ، 13- مارس 2016.‬ .
من هدريان إلى القابضين على الهواء .. مشاهدات في إيطاليا -
مقال لــ‬.

ترى هل دار في خلد هذا البنّاء العظيم كم من القرون وكم من العظماء سيأتى على صرحه هذا، وهل كان يدري عندما سئل: لم لا يخلّد إسمه على أي من أعماله العديدة؟ فأجاب: سيكون ذلك مبعث سعادتي، ولكنني أكثر سعادة في نسبتها إلى المؤسسين الأوائل الذين لهم الفضل في ترسيخ دعائم الإمبراطوريّة. هل كان "هدريان" يعلم أن هذا القول ستحفظه القرون؟

بقية المقال اضغط هنا:
http://www.alhayat.com/…/من-هدريان-إلى-القابضين-على-الهواء-…
المقال ـــــــــــ



إنّ كان ثمّة مكان يحتلّ الصدارة في قائمة الأماكن التي ينبغي عليك زيارتها في إيطاليا، فهو مبنى الآلهة (البانثيون) واسطة عقد روما وأحسن بناء احتفظ بشكله من أبنية العالم القديم، والذي لا تحتاج إلى الكثير من الوقت لتصبح مسكوناً بجماله. إن السير بضع خطوات في رواقه والدخول في فراغه يشعرك بمتعة غامرة تتخطى حدود العصور. هنا يختزل التاريخ ألفَيْ عام من الزمان بكل التفاصيل، ويزدحم أعلام ارتبط عبورهم بالمكان أو تردد حديثهم عنه بكثافة: هدريان، أنطونيوس، ماركوس، لوكيوس، دافنشي، مايكل أنجلو، رافائيل، جوته، قائمة ليس لها نهاية.
الكلمات المنقوشة على مدخل صرح البانثيون «شيّده ماركوس أجريبا بن لوكيوس»، والتي تعزو هذا البناء إلى «أجريبا»، مُضلّلة. فمعبد أجريبا الذي شُيّد في سنة 27 قبل الميلاد، أتى عليه حريق روما عام 80، ثم شَيّد الإمبراطور «دوميتيان» معبداً لعلّه لم يُرضِ «جوبيتر»، إذ أرسل عليه صاعقة من السماء أحرقته عام 110، ثمّ جاء البنّاء العظيم الإمبراطور «هدريان» عام 126، ووضع بنفسه تصميم المكان وأمر بنقل الأعمدة الجرانيتية الكورنثيّة التي تزيّن مدخله، ويبلغ وزن الواحد منها ستين طنّاً. وقد تم نقل تلك الأعمدة من جبل كلوديانوس في شرق صعيد مصر عبر النيل إلى الإسكندريّة، ثم حُملت عبر البحر الأبيض المتوسط إلى ميناء أوستيا في إيطاليا، وبعد ذلك تم نقلها عبر نهر التيبر. ولقد وصف تحفته هذه بقوله: كانت رغبتي أن يحاكي صرح الآلهة هذا عالمنا الأرضيّ والفضاء الكونيّ، فالقبّة السماويّة تكشف السماء من خلال بؤبؤ ضخم يبيّن اختلاف الليل والنهار. إن هذا الصرح المفتوح والمغلق بطريقة غامضة في آنٍ بمثابة ساعة شمسيّة، ودائرة السقف التي صقلتها أيدي الحرفيين الرومان المهرة تشكّل ساعاتها؛ هناك يستقرّ قرص الشمس معلّقاً مثل درع من ذهب. وما إن حلّ عام 609 حتّى وهب الإمبراطور «فوكاس» الصرح ودرعه إلى البابا «بونيفيس» الرابع الذي كرّسه للقدّيسة مريم وكلّ الشهداء. وفي 663 انتزع الإمبراطور البيزنطي «كونستانس» الثاني بلاط السقف الذهبي وصفائح الذهب التي تزّين الأبواب. وفي القرن الرابع عشر صار سوقاً للدواجن، وفي 1632 أذاب «أوربان» الثامن بقايا أروقة المعبد البرونزيّة لصنع المظلّة المرفوعة فوق المذبح العالي في كنيسة القدّيس بطرس. واعتقدت العامّة في القرون الوسطى أن المبنى كان مسكوناً بأرواح شرّيرة، وأن مريم البتول هي التي طردت الشيطان، الذي ضاق ذرعاً بالحبس حتّى فرّ من فتحة السقف. وقال مايكل أنجلو الناقد الحذر في فن المعمار عام 1500م عندما شاهده لأول مرّة: «هذا من صنع الملائكة». وقام بايرون بتدبيج قصيدة رائعة فيه، وكتب هنري جيمس لأخته بعد أن شاهده أول مرّة، بأنه مبعث أسى كلّ من ليس وثنيّاً. واختاره رافائيل مكاناً لمثواه الأخير، وتبعه سائر ملوك إيطاليا. ولمّا رآه جوته فتن به وقال: ترى كيف يتسنى لنا، نحن الصغار، المعتادين على الصغار، أن نضارع مثل هذا الكمال السامي؟
ترى هل دار في خلد هذا البنّاء العظيم كم من القرون ستأتي على صرحه هذا؟ وكم سيشهد من العظماء؟ وهل كان يدري عندما سئل: لم لا يخلّد اسمه على أي من أعماله العديدة؟ فأجاب: سيكون ذلك مبعث سعادتي، ولكنني أكثر سعادة في نسبتها إلى المؤسسين الأوائل الذين لهم الفضل في ترسيخ دعائم الإمبراطوريّة. هل كان «هدريان» يعلم أن هذا القول ستحفظه القرون؟ كان هدريان أحد أعظم الأباطرة الخيّرين كما أسماهم «ميكافيللّي»، عندما لاحظ الأخير أن الأباطرة الذين وصلوا إلى العرش من طريق التبنّي هم أفضل شأناً من أولئك الذين وصلوا إليه من طريق الوراثة. كان «أغسطس» يرى أن الولايات توابع لإيطاليا تفيد منها مالاً وثراء، وكان يحكمها حكماً صالحاً لتدر الخير على إيطاليا. أما هدريان فلم يعد يرى روما جابية الضرائب لإيطاليا، بل كانت الحاكم المسؤول عن دولة يستمتع كل جزء من أجزائها بقسط من عناية الحكومة مكافئ لما تستمتع به سائر الأجزاء. لقد رأى هدريان قبل موته الدولة كلها بعينيه وجمع شتاتها ووحدها، وكان قد وعد أنه: «سيدبر شؤون هذه المجموعة من الأمم تدبير من يدرك أنها ملك الشعب لا ملكه الخاص»؛ وقد أنجز ما وعد.

خبز وزيت
إنّ تكبّد عناء السفر إلى «ليجوريا» في إيطاليا لتناول قطعة من الفوكاشيا أعدّتها يدا أنبري (عنبر) هو عناء قليل... إذا ما قورن بمتعة مذاق الخبز، إنّه خبز الآلهة.
أما الفوكاشيا فهي خبز اشتقّ اسمه من لفظ الموقد، وهو في شمال إيطاليا يوازي البيتزا في الجنوب، والاختلاف بينهما في التخمير؛ ففي الأولى تبقى الخميرة مدّة أطول فيصير الخبز قابلاً للتشرّب بزيت الزيتون، بينما يبقى السطح أصلب في الثانية. والفوكاشيا مشهورة في الشمال، وألذّها تلك التي تعدّ من الطحين الصافي. وتفتخر ريكّو بإعداد أطيب الفوكاشيا، وخصوصاً في مطعم مانيولينا الذي كنّا ضيوفه. أمّا اسم المطعم فهو اسم السيّدة التي عاشت في هذه القرية عام 1885، وكانت تعدّ لمن ألمّ بها ذلك الخبز مع جبنة السترانسينو الطيّبة، خصوصاً أولئك الذين فاتتهم وجبة العشاء أو طرقوا بابها بعد منتصف الليل.
والسترانسينو من أجبان الشمال الإيطالي الفاخرة، ويصنعونها من حليب البقر بعد عودته من أعالي جبال الألب، وقد كدّه التعب فينتج حليباً دسماً تشوبه حموضة. وتعتبر «ليجوريا» عقداً واسطته جنوة المشهورة بالتقتير والبخل، ولها ذراعان: شمالي متّصل بالريفيرا الفرنسيّة، وجنوبي ينتهي عند بورتو فينيري. ومن أشهر قراها «راباللو» و»ريكّو». وإذا يمّمت لوجوريا... عرّج على ريكّو وأقرئ عنّا مانيولينا السلام، وتذوق أطيب فوكاشيا تخرج من الفرن ساخنة كدموع العاشقين.

مطعم «جاكومو أرنكاريو»
هرباً من سياط برد يناير ولسعات زمهرير الشولة، دلفنا إلى مبنى متحف الـ 900 بواجهاته الزجاجية العملاقة وأطلقنا العنان لأقدامنا في صعود لولبيّ على درج مطعم «جاكومو أرنكاريو»، واخترنا طاولة تطلّ على ساحة «دومو» في ميلانو. ولعلّ في ميلانو واحدة من الغرائب التي لا يمكن أن تعثر عليها في مكان آخر، فهي عاصمة إقليم لامبارديا في الشمال الإيطالي، وتقع في قلب وادي البو في وسط الطريق إلى نهر البو جنوباً والبحيرات وجبال الألب شمالاً، إلا أنها تُعدّ أكبر سوق تتركّز فيه تجارة السمك في إيطاليا، فيؤتى إليها بالسمك من كلّ بحرٍ وفجّ عميق قبل أن يوزّع على المدن الإيطالية الأخرى.
وأنت في ميلانو، لا يفوتنّك العجل الميلاني المسمّن برفاهية، والمهدى إليهم من النمسا، أو الرز بالزعفران، وهو ضرب من الرز لا يشاركها به أحد، فهو يُزرع في تيمونتي وتمونتوا، ويساوي وزنه ذهباً وهو الأمر الذي يتمدّد خارج المجاز اللغوي، عندما يُقدّم إليك متوّجاً بشريحة من الذهب.
كانت الحياة تدب في ساحة دومو التي نواجهها بوجل يليق ببرد يناير الذي يعرف طريقه إلى مسالك الجسد فيهزّه هزًّا عنيفاً وكأنه يُذوِّب بعضاً من جسمه فيه، أو يوزّع جسمه في جسوم كثيرة تشكّل ماراثون البرد الميلانيّ. في هذا المطعم طلبنا طبق التونة ترتار، وسلطة القباب والأفوكاتو ولحمة الفيسوني، وهو عجل عرفت الرفاهية طريقها إلى لحمه فصار لا يحتاج إلا لثلث ما تحتاجه اللحوم الأخرى من وقت لينضج.
تبادلنا حديثاً مع نادل طاولتنا (دانييل)، كان يقدم ساقاً ويؤخر أخرى ويداه تصفّ الأطباق عندما حانت لحظة قال فيها: إنه من برج الميزان، ثمّ عدّل طبقاً آخر على الطاولة قبل أن يسحب يده ويردف قائلاً: إنه برج الباشوات. وصمت لبرهة قبل أن تنفجر إحدى الجالسات معنا بضحكة مدويّة لم تتمكن من حبسها، فانطلقت من عقال فمها حتى أرسلت عيناها الدموع. أردت أن أتبيّن السبب في هذا الضحك الذي لا يبدو أنها ستكفّ عنه، خصوصاً بعد أن بدأت كلماتها تصلنا مقطّعة الأوصال وكأنها في قيامة غير منجزة، فقالت زميلتها: إنها تقول: إذا كنت يا دانييل من برج الباشوات حقاً، فما عليك إلا أن تثبت ذلك بعمل خصم على فاتورة الحساب.
لقد عمل دانييل في بقاع وجغرافيات تتوزّع مشارق الأرض ومغاربها، ولم يبقَ له من باشويته سوى الميزان، فقلت: لعلّ الجوزاء كانت تسكن قبة السماء حينما وُلد، فانحرف عنه المجد.
قال أحد الأصدقاء لدانييل وقد تساءل ما الذي يدعو إلى كلّ هذا الضحك: إنّ صديقتنا الضاحكة تسألك إن كنت مستعداً لتخصم من فاتورة الحساب على ما درجت عادة الباشوات؟. عندها رمقنا دانييل وتنقّل ببصره هنا وهناك، ثم أدار لنا ظهره من دون أن ينبس بكلمة واحدة، وخاصمنا خصاماً عتيداً كخصام الباشوات.

إلى ليجوريا
ليجوريا حيث السحران الماري والمونتي (البحر والجبل)، وما بينهما الريفيرا الإيطاليّة، وهي أصغر مقاطعات إيطاليا العشرين. فإذا كانت جنوة واسطة العقد، فبورتو فينو هي لؤلؤة الغوّاص، كانت في ما مضى قرية صغيرة نائية، واليوم هي محط رحال أثرياء إيطاليا وسياسيّيها، في فندق «السبلنديدو» حيث يطل عليك من الجدران أشهر نجوم هوليوود في الخمسينات: ليزا مانيلي، وهمفري بوغارت، وشارلتون هيستون، وديفيد نيفن، وغيرهم. ومن هناك يمكنك الحصول على أجمل إطلالة على البحر. وأمّا الطريق المفضي إلى الفندق فطالما قطعناه سيراً، غادين من راباللو أو رائحين إلى سانتا مارغريتا ليجور، في أجمل النزهات على ضفاف البحر. وإذا كانت بورتو فينو الغنيّة بالأسماك والأصداف والقواقع تنصب الكثير من مطاعمها فخاخاً للسيّاح الأجانب الذين لا يميّزون بين غثّ الوجبات من سمينها، فأطباقها الذائعة الصّيت متوافرة في الصفوة من مطاعمها المخبوءة بين الأزقّة، والتي لا يهتدي إليها الاّ الضالعون في تقصّي ما تجود به قرائح الطهاة الطليان. وحسبك ماريو الأسد، الذي كان ينفث سحره في مطعم «باتّي» حيناً من الدهر. إن طبق السلطان إبراهيم «رد مالوت»، مع زيتون «تاجاسكا» المحلّي الشهير والباذنجان، يؤذّن في الناس ليحجّوا إلى ليجوريا من كل فجّ عميق.