قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي
ترجمة: علي كنعان
الحلقة رقم (9)
X
مرافق الجثمان
ربما كان من الأفضل أن أتحدث بأقل ما يمكن عن الرحلة التي قمت بها إلى السويد في صيف تلك السنة. لقد قال نورستروم إنها أسوأ قصة أخبره بها حتى ذلك الوقت، مع أنه المدوِّن الرصين لمعظم مغامرات شبابي. واليوم، لا يمكن أن تؤذي أحدا غيري ولا بأس أن أسردها هنا.
طلب إلي البروفيسور بروزيليوس، أبرز أطباء السويد في تلك الأيام، أن أذهب إلى سان ريمو لأرافق إلى الوطن أحد مرضاه، وهو فتى في الثامنة عشرة كان قد أمضى الشتاء هناك في مرحلة متقدمة من السل. وقد أصيب مؤخرا بعدة نوبات نزف. كانت حالته خطرة إلى درجة أني وافقت على أخذه إلى أهله إذا رافقه عضو من أسرته أو ممرضة سويدية مقتدرة على الأقل، لأن احتمال موته في الطريق كان موضع اعتبار. وبعد أربعة أيام وصلت أمه إلى سان ريمو. وكان على رحلتنا أن تتوقف في بازل وهيدلبيرغ لنأخذ الباخرة من لوبيك إلى استوكهولم. وصلنا إلى بازل مساء بعد رحلة مقلقة جدا. وفي الليل أصيبت الأم بنوبة قلبية كادت تقتلها. وكان الاختصاصي الذي استدعيته صباحا قد اتفق معي أنها لن تكون قادرة على السفر بأي شكل قبل أسبوعين. وكان الخيار مطروحا بين أن ندع الفتى يموت في بازل أو أواصل السفر معه وحدي. ومثل كل أولئك المشرفين على الموت، كان تواقا أن يصل إلى أهله. ولقد قررت أن أواصل السفر معه إلى استوكهولم، سواء كان ذلك صوابا أو خطأ. وبعد يوم من وصولنا إلى فندق فيكتوريا في هيدلبيرغ أصيب بحالة أخرى من النزف الرئوي الشديد، وكان لا بد من قطع كل أمل بمواصلة السفر. وقد أخبرته أن علينا أن ننتظر حيث نحن يومين من أجل أمه. لم يكن راغبا أن نؤجل سفرنا يوما واحدا. وراح يتأمل مواعيد القطارت بلهفة في المساء. وكان ينام باستغراق حين ذهبت لألقي عليه نظرة بعد منتصف الليل. وفي الصباح وجدته ميتا في سريره، من نزف داخلي بكل تأكيد. أبرقت لزميلي في بازل ليعلم أمه بخبر الصبي وينقل إلي تعليماتها. ورد البروفيسور قائلا إن حالتها خطيرة إلى درجة أنه لم يجرؤ على إخبارها. وبما أني كنت مقتنعا بأنها تريد أن يدفن ابنها في السويد، قمت بالاتصال مع متعهد لدفن الموتى من أجل كل الترتيبات. أخبرني المتعهد أن القانون يقضي بتحنيط الجثمان لقاء ألفي مارك. كنت أعلم أن الأسرة ليست غنية، فقررت أن أحنطه بنفسي. لم يكن ثمة من وقت لإضاعته، فقد كنا في نهاية يوليو والحرارة في شدتها القصوى. وبمساعدة رجل من معهد التشريح قمت بتحنيط عاجل في الليل بكلفة مئتي مارك تقريبا. كان ذلك أول تحنيط أقوم به في حياتي، وأنا ملزم أدبيا أن أقول إنه لم يكن ناجحا، وأبعد ما يكون عن النجاح. وتم لحم التابوت الرصاص في حضوري، وجرى توضيب غلاف البلوط الخارجي في صندوق تعبئة عادي حسب أنظمة سكة الحديد. ما تبقى سيقوم به المرافق، وهو المسؤول عن نقل الجثمان بالقطار إلى لوبيك، ومن هناك بالباخرة إلى استوكهولم. والمبلغ الذي استلمته من الأم للسفر إلى الوطن لم يكن كافيا تقريبا لدفع فاتورة الفندق. وعبثا اعترضت على الغرامة الباهظة لقاء السجادة والفراش في الغرفة التي مات فيها الصبي. وحين اتفقنا على كل شيء، لم يكن المبلغ المتبقي معي ليزيد عن أجرة سفري إلى باريس. لم أكن قد غادرت الفندق أبدا منذ وصولي، وكل ما رأيته من هيدلبيرغ كان حديقة فندق أوروبا تحت نافذتي. وخطر لي أن علي في أقل تقدير أن ألقي نظرة على آثار القلعة القديمة الشهيرة قبل أن أغادر هيدلبيرغ التي كنت آمل ألا أعود إليها أبدا. وبينما كنت أقف بجانب حاجز شرفة القلعة متطلعا إلى وادي نيكر تحت ناظري، اندفع نحوي جرو دشهند بأقصى سرعة يمكن لسيقانه الصغيرة الملتوية أن تحمل جسمه النحيف الطويل، وراح يلعقني من وجهي بكامله. لقد اكتشفت عيناه الماكرتان سري من النظرة الأولى. وسري أني كنت دائما أتوق لامتلاك مثل هذا الكلب الصغير ڤالدمان، كما يسمون هذا النوع من الكلاب الساحرة في موطنها الأصلي. ورغم حالتي الصعبة فقد اشتريت ڤالدمان حالا بخمسين ماركا، وعدنا بزهو إلى فندق فكتوريا والكلب يهرول لصيقا بكعبي بلا مقود، واثقا تماما أني صاحبه ولا أحد غيري. وكان ثمة مبلغ إضافي في الصباح من أجل السجادة في غرفتي. بلغ صبري مداه، فقد كنت أنفقت من قبل ثمانمئة مارك على السجاد في فندق فكتوريا. وبعد ساعتين، أهديت السجادة في غرفة الصبي إلى إسكافي رأيته في الصباح جالسا يصلح زوجا من الأحذية أمام بيته الفقير الممتلئ بالأطفال البائسين. بدا مدير الفندق محتقنا بالغيظ، لكن الإسكافي حصل على السجادة. انتهت مهمتي في هيدلبيرغ، فقررت أن آخذ قطار الصباح إلى باريس. وفي الليل، غيرت رأيي وأزمعت الذهاب إلى السويد، مهما حصل. كانت ترتيبات غيابي عن باريس مدة أسبوعين قد أبرمت، وسيقوم نورستروم بالإشراف على مرضاي أثناء غيابي، وكنت قد أبرقت لأخي أني سآتي لأقيم معه في بيتنا القديم مدة يومين، ومن المؤكد أن فرصة كهذه لإجازة في السويد لا يمكن أن تتكرر أبدا. وأول ما فكرت فيه أن أنصرف من فندق فكتوريا. كان الوقت متأخرا جدًّاعن اللحاق بقطار الركاب إلى بارلين، فقررت أن آخذ قطار البضائع مساء، وهو ذاته الذي سينقل جثمان الصبي إلى لوبيك، ثم نواصل السفر في الباخرة السويدية ذاتها إلى استوكهولم. وبينما كنت جالسا لتناول عشائي في مشرب المحطة، قال لي النادل إن اصطحاب الكلاب "ممنوع" في المطعم. وضعت قطعة من خمسة ماركات، وڤالدمان تحت الطاولة، ولم أكد أبدأ بتناول عشائي حتى صاح من الباب صوت جهير:
"مرافق الجثمان!"
وشخص جميع شاغلي الموائد بأبصارهم من أطباقهم ليتصفح كل منهم الآخر، لكن لم يتحرك أحد.
"مرافق الجثمان!"
وصفق الرجل الباب بعنف ليعود بعد لحظة مع رجل آخر تعرفت عليه بأنه مساعد متعهد الدفن. تقدم مني صاحب الصوت الجهير وزمجر في وجهي:
"مرافق الجثمان!"
نظر إلي كل شخص باهتمام.
قلت للرجل أن يتركني وشأني، فأنا أريد أن أتناول عشائي. لا، علي أن آتي حالا، فناظر المحطة يريد أن يتحدث معي بأمر أشد إلحاحا. وناولني كومة من الوثائق عملاق ذو شاربين منتصبي الشعر كالنيص ونظارتين بإطار ذهبي وزعق في أذني بشيء ما حول العربة التي يجب أن تختم، وعلي أن آخذ مكاني فيها حالا. أخبرته بألمانيتي المثلى أني حجزت مسبقا في مقصورة الدرجة الثانية. قال إن ذلك "ممنوع"، وعلي أن أحجز مع التابوت في العربة حالا.
"ماذا تعني بحق الشيطان؟"
"ألست أنت مرافق الجثمان؟ ألا تعرف أن نقل الجثة "ممنوع" في ألمانيا بدون مرافق، وأنهما لا بد من احتجازهما معا في عربة مغلقة؟"
أريته بطاقة الدرجة الثانية إلى لوبيك، وأخبرته أني مسافر مستقل، متجه إلى السويد في إجازة، ولا شأن لي بالتابوت على الإطلاق.
وزمجر بغضب: "هل أنت مرافق الجثمان أم لا؟"
"لست أنا بالتأكيد. وأنا مستعد أن أطلق يدي في أي عمل، لكني أرفض أن أكون متعهد دفن الموتى، فأنا لا أحب هذه الكلمة".
تطلع ناظر المحطة إلى رزمته من الأوراق متحيرا، وأعلن أنه ما لم يظهر المتعهد في أقل من خمس دقائق، فإن العربة التي تحمل التابوت ستحول إلى خط جانبي وتبقى في هيدلبيرغ. وفي حين كان يتكلم، اندفع أحدب قصير القامة بعينين قلقتين ووجه منكوش بالجدري إلى مكتب ناظر المحطة وفي يده كومة من الوثائق.
"أنا متعهد الدفن"، أعلن بوقار لا تخطئه العين.
كنت على وشك أن أعانقه، وأنا أكن دائما مودة خفية للحدب. قلت إني مسرور أن يقوم تعارف بيننا، فأنا ذاهب مثله إلى لوبيك بالقطار ذاته، وسآخذ الباخرة ذاتها إلى استوكهولم. كان علي أن أنتظر لدى مكتب ناظر المحطة حين قال إن سفره ليس إلى استوكهولم، ولكن إلى سان بطرسبورغ مع الجنرال الروسي، ومن هناك إلى نجني-نوڤغورد( 1).
وزمجر: "يا لها من ورطة! هناك جثتان منقولتان إلى لوبيك في هذا القطار! وما لدي إلا تابوت واحد في العربة، لا يمكنك أن تضع جثتين في تابوت واحد، هذا "ممنوع"، أين التابوت الآخر؟"
أوضح الأحدب أن تابوت الجنرال الروسي قد تم تحميله الآن من النقالة ليوضع في العربة، إنها غلطة النجار الذي لم ينته من توضيب الصندوق الثاني إلا في آخر لحظة. من كان يحلم أنه سيجهز صندوقين للنقل في اليوم نفسه!
الجنرال الروسي! وفجأة تذكرت ما قيل لي عن جنرال عجوز مات بالسكتة في الفندق المقابل لفندقنا يوم وفاة الصبي ذاته. ولقد تذكرت أني رأيت من نافذتي سيدا عجوزا ذا نظرة ضارية ولحية رمادية طويلة على كرسي المرضى في حدائق الفندق. وقد أخبرني البواب أنه كان جنرالا روسيا شهيرا، من أبطال حرب القرم. وأنا لم أرَ في حياتي قطّ مظهر رجل أشد ضراوة منه.
وفي حين رجع ناظر المحطة إلى التمعن في وثائقه المتشابكة، أخذت الأحدب جانبا، ربت على ظهره بمودة وأعطيته خمسين ماركا وخمسين أخرى أردت اقتراضها من قنصل السويد في لوبيك إذا قبل أن يتولى أخذ تابوت الصبي كما تعهد بالجنرال الروسي، فقبل اقتراحي فورا. وقال ناظر المحطة إنها حالة لا سابقة لها، وهي تطرح نقطة قانونية حساسة، وكان يشعر أنه "ممنوع" أن تُنقل جثتان معا ومتعهد واحد بينهما. وعليه أن يستشير رسميا مكتب إدارة أوبرليش للسكك الحديد الإمبراطورية، وسوف يستغرق الحصول على جواب أسبوعا في أقل تقدير. ولكن ڤالدمان هو الذي أنقذ الموقف. فقد لاحظت مرارا خلال نقاشنا نظرة ودية نحو الجرو من عوينات ناظر المحطة المؤطرة بالذهب، ومد يده الضخمة مرارا ليمسد بلطف على أذني ڤالدمان الحريريتين الطويلتين. وقررت في محاولة يائسة أخيرة أن أستثير مشاعره. وبدون أن أتفوه بكلمة أودعت ڤالدمان في حضنه. ولما راح الجرو يلعق وجهه كاملا وشرع يسحب شاربيه النيصيين، لانت ملامحه الخشنة شيئا فشيئا واستحالت إلى ابتسامة بريئة لقاء عجزنا. وبعد خمس دقائق، أنهى الأحدب توقيع دزينة من الوثائق كمتعهد للتابوتين، واندفعت مع ڤالدمان وحقيبتي الغلادوستينية بين حشد مقصورة الدرجة الثانية وقد بدأ القطار يتحرك. حاول ڤالدمان أن يلعب مع سيدة بدينة بجانبنا، فتطلعت إلي بنظرة صارمة وقالت "ممنوع" أن تأخذ الكلب في مقصورة من الدرجة الثانية، فهل هو "مروض؟"، طبعا "مروض"، ولم يكن قطّ غير ذلك. لكن ڤالدمان حول اهتمامه إلى السلة في حضن السيدة البدينة، وراح ينبح باهتياج. وكان ما يزال ينبح حين توقف القطار في المحطة التالية. نادت السيدة البدينة الحارس وأشارت إلى الأرض. قال الحارس "ممنوع" أن تسافر مع كلب بلا كمامة. فتحت فم ڤالدمان عبثا لأبين للحارس أنه يكاد يكون بلا أسنان، وعبثا وضعت قطعة من خمسة ماركات في يد الحارس، وكان على ڤالدمان أن يؤخذ فورا إلى صندوق الكلاب. صممت على الانتقام، فأشرت إلى السلة في حضن السيدة البدينة، وسألت الحارس إذا لم يكن السفر "ممنوعا" مع قطة بلا بطاقة. نعم، إنه "ممنوع". ولما نزلت إلى الرصيف كان الحارس والسيدة البدينة لا يزالان يتجادلان. كان مأوى سفر الكلاب في تلك الأيام زريا بصورة مخجلة، زنزانة معتمة فوق العجلات تماما، متخمة بدخان المحرك، فكيف لي أن أضع ڤالدمان هناك؟ أسرعت إلى عربة الأمتعة، وتوسلت إلى الحارس أن يتولى رعاية الجرو، فقال إنه "ممنوع". كانت الأبواب الانزلاقية في العربة المجاورة مسحوبة جانبا بحذر، ما يكفي لإخراج رأس متعهد الموتى وفي فمه غليون طويل. وبرشاقة هر تسلقت داخل العربة ومعي ڤالدمان والحقيبة.
سأدفع خمسين ماركا عند الوصول إذا أمكنه أن يخبئ ڤالدمان في عربته حتى لوبيك! وقبل أن يتمكن من الرد، أقفلت الأبواب من الخارج بالمزلاج وأخذ القطار يتحرك. كانت العربة الكبيرة فارغة تماما إلا من الصندوقين اللذين يحتويان التابوتين. كانت الحرارة هائلة، لكن ثمة متسع للمرء أن يمد ساقيه. نام الكلب مباشرة على معطفي، وقدم متعهد الدفن زجاجة من البيرة الحارة من سلة مؤونته، أشعلنا غليونينا وجلسنا على الأرض نتداول في الأمر. كنا في أمان تماما، فلا أحد رآني أقفز إلى العربة مع الكلب، وكنت واثقا أن لا حارس أبدا اقترب من العربة. ولما تباطأ القطار بعد ساعة للموقف التالي، قلت لمتعهد الموتى أن لا شيء يمكن أن يفصلني عنه إلا قوة مطلقة، وكنت أعني أني سأبقى حيث أنا حتى نصل لوبيك. مرت الساعات في حديث طلي واصله المتعهد بشكل أساسي، فقد كنت أتكلم الألمانية بصورة سيئة مع أني كنت أفهمها تماما. قال صديقي إنه قام بمثل هذه الرحلة مرات عديدة، حتى إنه كان يعرف اسم كل محطة توقفنا فيها، مع أننا في حبسنا داخل العربة لم نر أبدا أي شيء من العالم الخارجي. كان متعهدا لدفن الموتى منذ أكثر من عشر سنين، وكان عملا سارا ومريحا، وهو يحب السفر ورؤية بلدان جديدة. سافر إلى روسيا ست مرات من قبل، وهو يحب الروس، وهم يريدون دائما أن يدفنوا في بلادهم ذاتها. إن كثيرا من الروس كانوا يأتون إلى هيدلبيرغ ليستشيروا أطباءها المشهورين. إنهم أفضل زبائنهم. ومهنة زوجته تعهد دفن الموتى. ونادرا ما يجري أي تحنيط ذي أهمية بلا مساعدتهما. وقال، وهو يشير إلى الصندوق الآخر، إنه يشعر بالحيرة نوعا ما لأنه لم يدع لا هو ولا زوجته إلى الرجل السويدي. وهو يظن أنه كان ضحية لمكيدة ما، فثمة كثير من الغيرة المهنية بينه وبين زميليه الآخرين. وهناك غموض معين حول الأمر كله، ولم يكن قادرا حتى على اكتشاف الطبيب الذي قام بالتحنيط. فهم ليسوا جميعا متساوين بمهارة القيام به. إن التحنيط عمل دقيق ومعقد جدا، وليس لأحد أن يتكهن أبدا بما يمكن أن يحدث أثناء رحلة طويلة في طقس حار كهذا. هل ساعدت في تحنيطات عديدة؟
لم أفعل إلا مرة واحدة، قلت بارتعاش.
"بودي لو أمكنك رؤية الجنرال الروسي"، قال متعهد الدفن بحماسة، مشيرا بغليونه إلى صندوق التعبئة الآخر. وتابع "إنه مدهش تماما، لا يمكن أن تحسب أنه جثة أبدا، وحتى عيناه مفتوحتان على اتساعهما. وأعجب لماذا أولاك ناظر المحطة هكذا معاملة خاصة. صحيح أنك نوعا ما أصغر من أن تكون متعهد دفن موتى لكنك، وإلى أقصى ما يمكن أن أرى، محترم بما يكفي. كل ما تحتاجه هو أن تحلق وتمسح ثيابك بالفرشاة لأنها مغطاة كلها بشعر الكلب، ومن المؤكد أنك لا تستطيع أن تظهر غدا في حضرة القنصل السويدي بمثل هذه اللحية، وأنا واثق أنك لم تحلق من أسبوع، فأنت تبدو كمثل قاطع طريق أكثر من متعهد دفن محترم. يؤسفني أني لم أحضر موسى الحلاقة معي أو أني سأحلق لك بنفسي في المحطة التالية".
فتحت حقيبتي وقلت له إني سأكون ممتنا جدًّا إذا أمكنه أن يريحني من المحنة، فأنا لم أحلق لنفسي أبدا إذا أمكنني تجنب ذلك. تفحص موسى الحلاقة بعيني خبير، وقال إن أمواس الحلاقة السويدية هي الأفضل في العالم، وهو بذاته لا يستعمل غيرها. إن له يدا خفيفة جدا، لقد حلق لمئات الناس ولم يسمع كلمة شكوى إطلاقا.
وأنا لم أحظَ أبدا بأفضل من هذه الحلاقة في حياتي، وقلت له ذلك وأنا أخصه بالإطراء حين بدأ القطار يتحرك من جديد.
ولما غسلت الصابون عن وجهي قلت: "لا شيء يشبه السفر في بلدان أجنبية، فواحدنا يتعلم كل يوم شيئا ما جديدا وممتعا. فكلما رأيت هذه البلاد أكثر، أتأكد من المزايا الأساسية بين الألمان والشعوب الأخرى. فأعراق اللاتين والأنغلوسكسون تتخذ بثبات وضع الجلوس للحلاقة، وفي ألمانيا أنتم تستلقون منبسطين على ظهوركم. إنها مسألة ذوق بصورة كلية، فلكل طريقته في قتل البراغيث، كما يقولون في باريس".
وأوضح متعهد الدفن: "إنها العادة، لا تستطيع أن تجعل الجثة تجلس، فأنت أول رجل حي أحلق له في حياتي". بسط رفيقي منديلا نظيفا على صندوق أمتعته وفتح سلة مؤونته. دغدغ أنفي خليط من رائحة السجق والجبنة والكرنب المخمر، فنهض ڤالدمان حالا، ورحنا نراقبه بعيون جائعة. كانت بهجتي عظيمة حين دعاني لأشاركه في عشائه، حتى إن ذائقتي فقدت اشمئزازها من الكرنب المخمر. ولقد تملك قلبي حين قدم ڤالدمان شريحة كبيرة من سجق بلوڤرت. ولقد دام تأثيره الحريف حتى لوبيك. ولما أنهينا زجاجتنا الثانية من نبيذ موسيل بدأنا، صديقي الجديد وأنا، نكشف واحدنا للآخر أسرارنا القليلة الباقية. نعم، إن سري الوحيد الذي احتفظت به لنفسي- هو أني طبيب. فالتجربة في كثير من البلدان حذرتني من أن أي إلماحة إلى تمييز طبقي بين مضيفي وبيني يمكن أن يحرمني من فرصتي الفريدة في رؤية الحياة من زاوية متعهد دفن الموتى. ما أقل معرفتي بالسيكولوجيا وأنا مدين بها لبراعة فطرية من أجل أن أكيف نفسي مع المستوى الاجتماعي لمحاوري. حين أتناول عشائي مع دوق، أشعر معه أني في بيتي تماما وأني مساو له. وحين أتناول عشائي مع متعهد الدفن، أصبح بعيدا بمقدار أن أكون بنفسي متعهد دفن موتى.
وقال مضيفي وهو يرمقني بغمزة مرحة من عينه: "لا تبتئس، فرتس، ولا تكن مغموما هكذا! أعرف أن يدك خاوية من النقود، ولا بد أن ظلما ما قد وقع عليك. لا تهتم، خذ كأسا آخر من النبيذ ودعنا نتحدث في الشغل. لم أكن متعهد موتى لأكثر من عشر سنين من غير أن أتعلم مع أي نوع من الناس سأتعامل! الذكاء ليس كل شيء، أعرف أنك ولدت تحت طالع ميمون وإلا فلا يمكن أن تجلس هنا بجانبي. وهنا فرصتك، فرصة حياتك! أوصل تابوتك إلى السويد بينما أوصل تابوتي إلى روسيا وارجع إلى هيدلبيرغ في أول قطار. سأجعلك شريكي. وما دام البروفيسور فريدريش على قيد الحياة فسوف يكون هناك عمل لاثنين من متعهدي الموتى وإلا فلن يكون اسمي زكريا شڤاينفوس! السويد لا تنفعك بشيء، فما من طبيب مشهور هناك، وهيدلبيرغ ممتلئة بهم، هيدلبيرغ هي المكان اللائق بك".
شكرت صديقي الجديد بحرارة وقلت إني سأعطيه جوابي في الصباح عندما تصحو رؤوسنا قليلا. وبعد دقائق معدودة سرعان ما غلبنا النوم كلينا على أرض الجنازة. كانت ليلتي ممتازة، ولم يكن ڤالدمان كذلك. ولما درج القطار في محطة لوبيك كنا في وضح النهار. كان موظف من القنصلية السويدية ينتظر ليشرف على نقل التابوت إلى متن الباخرة المتجهة إلى استوكهولم.
هل كان في مقدوره أن يكون قاسيا إلى حد أن يترك جرو أخي المحبوب مقطوعا في لوبيك بين غرباء كلية؟
لا، لا يمكن أن يكون بمثل هذه القسوة. وبعد خمس دقائق كان ڤالدمان محبوسا في حجرتي وقد قمت بتهريبه وعلى مسؤوليتي بالذات عند وصولنا إلى استوكهولم. كانت السفينة مريحة، وأنا أحب البحر، وقد تغديت على مائدة القبطان، وكل من على متن السفينة كان في غاية اللطف معي. وبدت المضيفة متجهمة حين جاءت لترتيب حجرتي في الصباح، لكنها دخلت في حلفنا حالما شرع المذنب يلعق وجهها كاملا، وهي لم ترَ جرواً بمثل هذه الروعة قطّ. ولما ظهر ڤالدمان خلسة على السطح الأمامي، أخذ البحارة جميعا يلعبون معه، وتطلع القبطان إلى الجهة الأخرى كي لا تقع عينه عليه. كنا في وقت متأخر من الليل، حين توقفنا في محاذاة رصيف الميناء في استوكهولم، وقفزت من قوس السفينة وڤالدمان بين ذراعي. لقد استدعيت البروفيسور بروزيليوس في الصباح، وقد أراني برقية من بازل تفيد أن الأم تجاوزت الخطر وأن دفن الصبي سيؤجل حتى وصولها في بحر أسبوعين. وكان يرجو أن أبقى في السويد، فالأم ستكون راغبة بالتأكيد أن تسمع مني عن لحظات ابنها الأخيرة، ومن الطبيعي أن أساعد خلال الجنازة. أخبرته أني سأقوم بزيارة أخي قبل الرجوع إلى باريس، فأنا في عجلة شديدة لأعود إلى مرضاي.
لم أغفر لأخي أبدا أن يزعجني بما ورثنا من متاع الآنسة أغاتا الرهيبة، وكنت قد كتبت له رسالة غاضبة حول الموضوع. ويبدو لحسن الحظ أنه نسي كل ما يتعلق بذلك. قال إنه مسرور برؤيتي، وهو وزوجته كلاهما كانا يأملان أن أمكث في البيت القديم مدة أسبوعين على الأقل. وبعد وصولي بيومين، عبر عن دهشته كيف لطبيب مشهور مثلي أن يكون بعيدا عن مرضاه كل هذا الوقت، وفي أي يوم سأغادر؟ وزوجة أخي صارت جليدية. لا شيء يمكنك أن تفعله مع الناس الذين لا يحبون الكلاب إلا أن ترثي لهم وتبدأ مع جروك نزهة سير، والحقيبة على الظهر. ولا شيء أحسن للجرو من نصب خيمة في الهواء الطلق تحت أشجار التنوب الحبيبة على سجادة من الطحلب الطري بدلا من سجادة من سميرنا. وأصيبت زوجة أخي بصداع ولم تنزل للإفطار صبيحة سفري. أردت أن أذهب إلى غرفتها لتحية الوداع. لكن أخي نصحني ألا أفعل. ولم ألح على ذلك بعد أن أخبرني أن الخادمة قد وجدت تحت سريري قبعة زوجته الجديدة الخاصة بيوم الأحد، شبشبها المطرز، لفاعها من الريش، مجلدان من الموسوعة البريطانية ممزقان إلى قطع، بقايا أرنب، وقطها الصغير المفقود وكان رأسه شبه مقطوع. أما سجادة سميرنا في غرفة الاستقبال، ومساكب الزهر في الحديقة والبطيطات الست في البركة... تطلعت إلى ساعتي وقلت لأخي إني أود دائما أن أكون في الوقت المناسب في المحطة.
صاح أخي بالسائق العجوز وهو ينطلق بعربة أبي: "أولي، بحق السماء احرص ألا يتأخر أخي عن قطاره".
رجعت بعد أسبوعين إلى استوكهولم، فقد أخبرني الدكتور بروزيليوس أن الأم وصلت من القارة في ذلك الصباح، وأن الجنازة ستقام في اليوم التالي، ولا بد أن أحضر طبعا. ومما روّعني أنه مضى يقول إن الأم المسكينة مصرة على رؤية ابنها قبل دفنه، وسيفتح التابوت بحضورها في الصباح الباكر. ومن الطبيعي أني لا يمكن أن أقوم بتحنيط الجسم بنفسي لو مر مثل ذلك الاحتمال في رأسي. كنت أدري أني حاولت جهدي، لكن العمل كان سيئا، ومن المحتمل أن فتح التابوت سيكشف المنظر المروع. وأول ما خطر لي أن أنطلق وآخذ قطار الليل إلى باريس. والفكرة الثانية أن أبقى حيث كنت وأقوم بأداء اللعبة. وما من وقت لدي لأضيع. وبمساعدة كبيرة من البروفيسور بروزيليوس نجحت بمشقة بالغة في الحصول على إذن بفتح التابوت لكي أقوم بتطهير عاجل للبقايا إذا اقتضت الضرورة، وكنت مقتنعا بأن الحالة كذلك. وبعد منتصف الليل بقليل، نزلت إلى المدفن تحت الكنيسة يرافقني حارس المقبرة والعامل الذي سيفتح التابوتين. ولما فك غطاء الرصاص الداخلي للتابوت، تراجع الرجلان بإجلال صامت أمام هول الموت. أخذت القنديل من الحارس وكشفت عن الوجه. سقط القنديل على الأرض، وانكفأت إلى الخلف وكأنما لطمت بيد خفية.
وغالبا ما تعجبت لسرعة خاطري في تلك الليلة، فلا بد أن أعصابي كانت من فولاذ في تلك الأيام.
قلت بسرعة وأنا أغطي الوجه من جديد: "كل شيء على ما يرام، ثبتوا الغطاء، لا حاجة لأي تطهير، فالجسد في حالة تامة من الحفظ".
دعوت البروفيسور روزيليوس في الصباح الباكر، وأخبرته أن المنظر الذي رأيته ليلا سينتاب الأم طوال حياتها، ويجب عليه أن يمنع فتح التابوت مهما كلف الأمر.
قمت بالمساعدة في الجنازة. ولم أقم قطّ بأي مساعدة أخرى منذ ذلك اليوم. حُمل التابوت على أكتاف ستة من زملاء الصبي في المدرسة. وقال الكاهن في عظة مؤثرة إن الله بحكمته الخفية شاء ذلك، وهكذا كان لا بد أن يختصر بالموت القاسي هذه الحياة الفتية المفعمة بالوعد والبهجة. وكان العزاء، على الأقل لهؤلاء الواقفين في الحداد حول مثواه قبل الأوان، أنه عاد ليرتاح بين أبناء شعبه ذاته في ثرى مولده. وهم سيعرفون على الأقل أين سيضعون أزهارهم للذكرى الحبيبة، وأين سيصلون. ورددت جوقة منشدين قبل التخرج من أوبسالا الترنيمة التقليدية:
"طاهر الذيل في الحياة، بريء من الإثم".(2 )
ومن ذلك اليوم وأنا أكره هذه الأنشودة الجميلة لهورس.
تقدمت أم الصبي من القبر المفتوح، وأبوها العجوز يسندها، ووضعت على التابوت إكليلا من زنابق الوادي.
وأنشجت باكية: "كانت زهرته المحبوبة".
وتقدم المشيعون الآخرون واحدا واحدا بباقاتهم من الأزهار وألقوا نظرة نحو القبر وعيونهم طافحة بالدموع في تحية الوداع الأخيرة. وأنشدت الجوقة الترنيمة القديمة المعتادة:
"ارقد بسلام، الكفاح انتهى".
وراح حفارو القبور يهيلون التراب على التابوت، وانتهت المراسم.
ولما مضوا كلهم، ألقيت بدوري نظرة على القبر نصف المطمور.
"نعم، ارقد بسلام، أيها المقاتل العبوس المزمن، الكفاح انتهى! ارتح بسلام! وإياك أن تنتابني بعد اليوم بعينيك الشاخصتين، وإلا فمآلي إلى الجنون! لمَ حدقت إلي بغضب إلى هذا الحد، لما كشفت الغطاء عن وجهك ليلة أمس في المدفن تحت الكنيسة؟ أحسبت أني كنت مسرورا برؤيتك أكثر من مسرتك برؤيتي؟ أحسبت أني من لصوص القبور وقد فتح تابوتك انتهاكا ليسلبك تلك الأيقونة الذهبية على صدرك؟ أتظن أني من جاء بك إلى هنا؟ لا، لم أكن أنا. كل ما أعرفه أن الشيطان ذاته في هيئة أحدب سكير هو سبب مجيئك إلى هنا! ومن غير مفستو( 3)، المهرج الأبدي، يستطيع أن يؤدي تلك المسرحية الهزلية التي جرى تقديمها هنا؟ وأحسب أني سمعت ضحكته الساخرة تجلجل في ثنايا إنشادهم المقدس، وأنا بذاتي – غفر الله لي- لم أكن بعيدا عن الضحك حين أنزلوا تابوتك في القبر. ولكن ما يهمك أنت لمن يكون ذلك القبر؟ أنت لا تستطيع قراءة الاسم على الصليب الرخام، وما يهمك أيا يكن ذلك الاسم؟ ليس في وسعك ن تسمع أصوات الأحياء فوق رأسك، وما يهمك في أي لسان يتكلمون؟ أنت لا ترقد هنا بين غرباء، إنك تستلقي جنبا إلى جنب مع أقرباء. وهكذا كان الصبي السويدي الذي وضعوه ليرتاح في قلب روسيا، بينما كان نافخو الأبواق في فرقتك السابقة يزعقون بمهمتهم الأخيرة بجانب قبرك. إن مملكة الموت بلا حدود، وليس للقبر جنسية. أنتم الآن كلكم واحد والناس كلهم سواء، وسرعان ما تبدو الشيء ذاته تماما. القدر ذاته ينتظركم جميعا في أي بقعة وضعوكم لترتاحوا، ولتنسوا وتصيروا إلى رماد، فذلك هو قانون الحياة. ارقد بسلام، فالكفاح انتهى".
-------------------------
(1 ) هي اليوم مدينة غوركي. (م)
(2 ) Integer vitae scelerisque purus : من أناشيد هورس، الشاعر الروماني.
(3 ) Mephistopheles أو Mephisto: "الشيطان" في أساطير القرون الوسطى، وهو البطل الخفي في مسرحية مارلو: دكتور فاوستوس.
--------------------
هذه الملحمة الإنسانية لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويدي
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا

No comments:
Post a Comment