قصة سان ميشيل لأكسِل مونتي
ترجمة: علي كنعان
الحلقة رقم (8)
IX
العودة إلى باريس
كنت بعيدا طوال ثلاثة أشهر بدلا من شهر واحد. لقد شعرت بشكل مؤكد أن كثيرا من مرضاي سيتعلّقون بصديقي الدكتور نورستروم الذي كان يعتني بهم أثناء غيابي. لكني كنت مخطئا، فقد عادوا جميعا إلي، بعضهم بحالة أفضل وبعضهم أسوأ، وهم جميعا يتكلمون عن زميلي بتقدير كبير جدا، لكنهم يتكلمون عني بتقدير مماثل. ولم أكن لأبالي إطلاقا لو أنهم التزموا معه، كانت يداي ممتلئتين على أي حال، وكنت أعرف أن عمله كان يتضاءل أكثر فأكثر حتى إنه كان عازما على الانتقال من بولفار هوسمان إلى شقة متواضعة في شارع بيغال. كان نورستروم دائما صديقا مخلصا، وكان يساعدني في الخروج من الورطات العديدة في بداية عملي، يوم كنت ما أزال أتلمس طريقي في الجراحة، وكان جاهزا دائما أن يشاطرني المسؤولية عن العديد من معايبي. وعلى سبيل المثال، أتذكر جيدا حالة البارون ب. وأحسب أن من الأفضل أن أخبرك بهذه القصة لأجعلك تدرك أي نوع من الرجال كان صديقي. كان البارون ب. من أقدم أعضاء المستعمرة السويدية، وهو في صحة سيئة ويخضع لإشراف نورستروم لسنوات. وجراء تهيبه المشؤوم اقترح نورستروم يوما علي أن أزوره للاستشارة. أبدى البارون محبة كبيرة لي. فمن المعتقد دائما أن الطبيب الجديد هو طبيب جيد حتى يثبت خلافا لذلك. كان نورستروم يريد عملية عاجلة، وكنت ضدها. كتب البارون إلي أنه يشعر بالتعب من وجه نورستروم الكئيب، وطلب إلي أن أتولى أمره. وكان طبيعيا أن أرفض، لكن نورستروم أصر على الانسحاب وأن أتولى الأمر. تحسنت حالة البارون بسرعة، وجاءتني التهاني من جميع النواحي. واتضح لي بعد شهر أن نورستروم كان مصيبا في تشخيصه، لكن الوقت الآن متأخر جدًّا من أجل العملية، وبات الرجل محكوما بالهلاك. فأرسلت إلى ابن أخيه في استوكهولم أن يأتي ليأخذه إلى بلاده ليموت في بيته. ولم أنجح في إقناع السيد العجوز إلا بمشقة بالغة. فهو لم يشأ أن يغادرني، فأنا كنت الطبيب الوحيد الذي فهم حالته. وكتب إلي ابن أخيه بعد شهرين أن عمه ترك لي في وصيته ساعة ذهبية قيمة جدًّا لقاء ما فعلته معه. وغالبا ما كنت أجعلها تدق كل ساعة لتذكرني بنوع المادة التي كانت مصنوعة منها شهرة الطبيب.
وبعد ذلك بمدة تغيرت العلاقة بيني وبين الدكتور نوعا ما. فقد كان مرضاه يستدعونني أكثر فأكثر للاستشارة، وفي الغالب أكثر مما ينبغي. وكنت قد رأيت أحدهم يموت دون توقع إلى حد ما بعد ظهر ذلك اليوم، ومن سوء حظ نورستروم أن المريض كان واحدا من أشهر أعضاء المستعمرة. كان نورستروم منزعجا جدًّا من تلك الحادثة، فأخذته للغداء معي في مقهى ريجنس لأخفف عنه ولو قليلا.
قال نورستروم، وهو ينظر إلي باكتئاب من خلال زجاجة سان جوليان: "بودي أن توضح لي سبب نجاحك وفشلي".
قلت: "إنها مسألة حظ فوق كل شيء. وهناك اختلاف مزاجي أيضا بيني وبينك يمكِّنني أن أمسك بربة الحظ من شعرها، بينما تجلس أنت ساكنا وتدعها تطير منك، ويداك في جيبيك. وأنا واثق أنك تعرف أكثر مني بأحوال الجسم البشري في الصحة والمرض؛ ومن الممكن تماما أني أدرى منك بشأن العقل الإنساني، مع أن عمرك ضعف عمري. لماذا أخبرت البروفيسور الروسي الذي عهدت به إليك أنه مصاب بالخنّاق الصدري، ولماذا شرحت له كل أعراض مرضه القاتل؟"
"لقد أصر على معرفة الحقيقة، وكان علي أن أخبره لكي يطيعني".
"أنا لم أخبره بأي شيء من ذلك، وهو يطيعني على أي حال. كان يكذب حين أخبرك أنه يريد أن يعرف كل شيء وأنه لا يخاف من الموت. لا أحد يريد أن يعرف كم هو مريض، وكل شخص يخاف من الموت لسبب وجيه. وحالة هذا الرجل الآن أسوأ بكثير. إن وجوده مشلول بالخوف، وهذه كلها غلطتك".
"أنت دائما تتحدث عن العقل والأعصاب وكأن جسمنا ليس مكونا من أي شيء آخر. إن سبب الخنّاق الصدري هو قصور في الشريان التاجي".
"اسأل البروفيسور هتشارد عما حدث في عيادته خلال الأسبوع الأخير، بينما كان يعرض علينا حالة خنّاق صدري! انتابت المرأة فجأة نوبة رهيبة حتى إن البروفيسور نفسه ظن أنها ستكون القاضية. لقد استأذنته أن يحاول إيقافها بعلاج عقلي، قال إنه بلا جدوى لكنه وافق. وضعت يدي على جبينها وأخبرتها أن العارض سينتهي حالا، وبعد دقيقة اختفى الرعب من عينيها، سحبت نفسا عميقا وقالت إنها تشعر بارتياح تام. طبعا أنت ستقول إنها حالة خنّاق زائف، التهاب صدري كاذب؛ وفي وسعي أن أثبت لك العكس. وبعد أربعة أيام حدثت لها نوبة أخرى مشابهة تماما بكل أعراضها، وقد ماتت في أقل من خمس دقائق. أنت تحاول دائما أن تشرح لمرضاك ما ليس في مقدورك أن تشرحه لنفسك. وأنت تنسى أن الأمر كله مسألة إيمان وليس معرفة، إنه كالإيمان بالله. الكنيسة الكاثوليكية لا تشرح أبدا أي شيء، وتظل السلطة الأقوى في العالم؛ والكنيسة البروتستانتية تحاول إيضاح كل شيء فتنهار إلى شظايا. كلما قلت معرفة مرضاك بالحقيقة، كان ذلك أجدى لهم. لم يكن مقصودا أبدا أن عمل أعضاء جسمنا ينبغي أن يخضع لرقابة العقل. حين تجعل مرضاك يفكرون بمرضهم، فأنت تعبث بقوانين الطبيعة ذاتها. قل لهم إن عليهم أن يفعلوا كذا وكيت، خذوا هذا الدواء أو ذاك لكي تصبحوا أحسن، وإذا تعمدوا ألا يطيعوك، فعليهم أن يذهبوا إلى طبيب آخر. لا تقم بزيارتهم إلا إذا كانوا في حاجة ماسة إليك، ولا تتكلم معهم أكثر من اللازم وإلا فإنهم سرعان ما يكتشفونك وأننا لا نعرف إلا القليل. الأطباء كأفراد العائلة الحاكمة ينبغي لهم أن يظلوا في معزل إلى أبعد حد ممكن، أو أنهم سيسيئون لامتيازاتهم، فنحن جميعا نبدو أحسن ما نكون في ضوء خافت. انظر إلى عائلة الطبيب ذاتها، إنها تفضل دائما أن تستشير شخصا آخر! وأنا في الواقع أعتني، خلسة، بزوجة واحد من أشهر الأطباء في باريس، وفي هذا اليوم أرتني آخر وصفة منه وسألتني إن كان فيها أي نفع لها".
"أنت محاط دائما بالنساء من حولك. كم أتمنى أن تحبني النساء بقدر ما يبدو أنهن مولعات بك، وحتى طاهيتي العجوز وقعت في حبك منذ أن عالجتها من حصى الشاطئ".
"كم أتمنى لو أني مرتاح من حبهن، وكم يسرني أن أعهد إليك بكل هؤلاء الإناث العُصابيات. أعرف أني مدين لهن بمقدار هائل من شهرتي، كطبيب من أحدث طراز –كما يقال- لكن دعني أخبرك أنهن مصدر إزعاج كبير، وحتى خطر في الغالب. تقول إنك تريد أن يحببنك. حسنا، لا تقل لهن ذلك، ولا تعرهن الاهتمام الزائد عن الحد، ولا تدعهن يتلاعبن بك على هواهن. النساء ميالات للطاعة أكثر من فرضها بكثير، وإن كن لا يدركن ذلك بأنفسهن، على ما يبدو. هن يتظاهرن بأنهن مساويات لنا، لكن يعرفن بكل تأكيد أنهن لسن كذلك – وهذا من حسن حظهن، لأنهن لو كن مساويات لنا فلا بد أن نحبهن أقل بكثير. وأنا إجمالا أقدر النساء أكثر من تقديري للرجال، لكني لا أقول لهن ذلك. إن لديهن شجاعة أكبر، ويواجهن المرض والموت أفضل منا بكثير، وهن أكثر رحمة وأقل غرورا. إن فطرتهن إجمالا ترشدهن في حياتهن بأمان أكثر من ذكائنا، وهن لا يخدعن أنفسهن كما نفعل في الغالب. الحب يعني المرأة أكثر مما يعني الرجل، إنه يعني لها كل شيء. وهو لديها في مسألة الحواس أقل مما يدرك الرجل بشكل عام. فالمرأة يمكن أن تقع في حب رجل بشع، وحتى رجل عجوز إذا استثار خيالها. والرجل لا يمكن أن يقع في عشق امرأة ما لم تثر غريزته الجنسية التي تدوم في الرجل العصري، خلافا لغرض الطبيعة، أطول من طاقته الجنسية. لذلك، ليس هناك من عمر محدود للوقوع في الحب، ريشليو( 1) كان لا يقاوم وهو في الثمانين من العمر ويكاد لا يقف على ساقيه، وجوته كان في السبعين حين توله بعشق أوريك ڤون ليڤيتسو.
"الحب ذاته قصير العمر كالزهرة. وهو يموت ميتته الطبيعية لدى الرجل في الزواج، ويستمر غالبا لدى المرأة حتى النهاية متحولا في حنان أمومي خالص إلى بطل أحلامها الخائب. لا تعرف النساء أن الرجل بحكم الطبيعة ميال لتعدد الزوجات. ومن الممكن ترويضه بالخضوع القسري لدستورنا المهذب من الأخلاق الاجتماعية، لكن غريزته التي لا يمكن إتلافها تكون هاجعة وحسب. فهو يبقى الحيوان ذاته الذي خلقه الباري، جاهزا لمتابعة العمل كالمعتاد، بغض النظر عن التأخر غير الضروري.
"ليست النساء أقل ذكاء من الرجال، وربما كانت القاعدة أنهن أشد ذكاء منهم. لكن ذكاؤهن من طراز مختلف. لا يمكن إنكار حقيقة أن وزن دماغ الرجل أكبر من دماغ المرأة. إن تلافيف الدماغ الواضحة بشكل مسبق لدى الطفل حديث الولادة هي مختلفة تماما في الدماغين. وتصبح الاختلافات التشريحية أشد وضوحا حين تقارن الفص الخلفي للدماغين، حتى إن هيوشي يعزو إليه أهمية نفسانية عظيمة جدا، بسبب الضمور الزائف لهذا الفص في دماغ المرأة. إن قانون الاختلاف بين الجنسين هو قانون الطبيعة الثابت الذي يجري خلال الخلق كله ليؤكد أكثر فأكثر أعلى أنماط التطور. لقد قيل لنا إن كل شيء يمكن إيضاحه بحقيقة أننا احتفظنا بالثقافة كلها كاحتكار جنسي لأنفسنا، وأن النساء لم يكن لهن أي فرصة عادلة. ألسن كذلك؟ إن وضع المرأة، حتى في أثينا، لم يكن أقل من وضع الرجل، وكل فرع من فروع الثقافة كان تحت تصرفهن. وفي العروق الأيونية والدورية كن يتميزن دائما بحريتهن، وحتى في لاكونيا( 2) كن في أعظم حالة. وفي الإمبراطورية الرومانية، وخلال أربعمئة سنة من الثقافة الراقية، كانت النساء حائزات على مقدار كبير من الحرية. ويكفي أن نتذكر أنهن كن يتصرفن كلية بملكياتهن الخاصة. وكان تعليم النساء في العصور الوسطى أعلى بكثير مما هو لدى الرجال. فالفرسان كانوا في استعمال السيف أمهر من استعمالهم القلم، وكان الرهبان متعلمين، لكن كان هناك كثير من أديرة الراهبات أيضا، وكان للنزيلات حظوظ مساوية لزملائهن في التعليم. انظر إلى مهنتنا ذاتها، فالنساء فيها لسن وافدات جديدات! فقبل اليوم، كانت هناك أستاذات في مدرسة ساليرمو، ولويز بورجوا طبيبة ماري دو ماديشي، زوجة هنري الرابع، كتبت كتابا رديئا عن القبالة، ومارغريت لا مارش كانت رئيسة الحكيمات في أوتيل ديو سنة 1677، ومدام لا شابيل ومدام بواڤان ألَّفتا كتبا لا حصر لها عن أمراض النساء، وكلها مادة بائسة. وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، كان هناك كثير من النساء بين أساتذة الجامعات الإيطالية في بولونيا، باڤيا، فيرارا، ونابولي. لكنهن لم يفعلن أي شيء للارتقاء باختصاصهن العلمي. وهذا سببه أن علم التوليد وعلم أمراض النساء كانا متروكين في أيدي النساء، وهكذا ظل هذان الفرعان من مهنتنا لأمد طويل في حالة جمود يائس. ولم يبدأ التقدم إلا بعد أن أصبحا في أيدي الرجال. وليس هناك حتى اليوم من امرأة تلجأ إلى طبيبة من جنسها حين تتعرض حياتها أو حياة طفلها إلى خطر طارئ.
"انظر إلى الموسيقا ! كل سيدات عصر النهضة كن يعزفن على العود، وبعد ذلك على القيثارة والبيان القيثاري وموتَّرة المفاتيح.(3 ) وكانت فتيات الطبقة الراقية طوال قرن يبذلن جهدهن في العزف على البيانو، لكني حتى اليوم لا أعرف أي قطعة موسيقية ممتازة كانت من تأليف امرأة، ولا أعرف أي امرأة يمكن أن تنال إعجابي في عزف السونيتة البطيئة( 4) من أوبرا(5 ) بيتهوفن 106. ومن النادر أن نجد سيدة شابة لم تحاول الرسم، لكن في حدود علمي ما من صالة عرض في أوروبا تضم لوحة من المرتبة الأولى عليها توقيع امرأة باستثناء روزا بونهور، التي كان عليها أن تحلق لحيتها وترتدي ملابس رجل.
"أحد أعظم شعراء الأزمنة الغابرة كان امرأة. وكل ما تبقى من إكليل الأزهار حول جبين الساحرة وريقات قليلة من تويجات الزهر، معطرة بربيع سرمدي. يا لها من بهجة خالدة ويا له من أسى أبدي أن تلك الأغنية الساحرة المتباعدة لا يتردد صداها في مسامعنا مترقرقا من شاطئ الإغريق! أي سافو الجميلة، هل بوسعي أن أسمع يوما صوتك من جديد؟ من يدري إن كنت لا تزالين تغنين بعض المقاطع المفقودة من الأناشيد، سليمة تحت حمم هركيولانيوم( )؟
ودمدم نورستروم: "لا أريد أن أسمع أي شيء آخر عن ساحرتك سافو، ما أعرفه عنها وعن المولهين بها يكفيني ويزيد. لا أريد أن أسمع أي شيء آخر عن النساء. إن ما لديك من النبيذ أكثر من أن يكون صالحا لك، لقد تحدثت بكثير من الهراء، دعنا نمضي إلى بيوتنا!"
وفي منتصف المشوار في البولڤار، أراد صديقي جعة الربيع، فجلسنا إلى طاولة خارج مقهى.
"مساء الخير، يا عزيزي"، قالت سيدة لدى الطاولة المجاورة لصديقي. رد عليها نورستروم بصوت غاضب لتتركه وشأنه: "هلا تركتني آخذ كأس جعة، فأنا لم أتناول عشائي بعد".
قلت لها: "مساء الخير، كلو. كيف حال فلوبيت؟"
"إنها تعمل في الشوارع الخلفية، فهي غير ناجحة على البولڤار حتى ما بعد منتصف الليل".
وحالما تكلمت ظهرت فلوبيت وجلست بجانب رفيقتها متشابكتي الذراعين.
سألتها: "هل عدت إلى الشراب من جديد، فلوبيت؟ أتريدين أن تذهبي إلى الشيطان تماما؟"
أجابت بصوت أجش: "نعم، فالوضع لا يمكن أن يكون أسوأ من هنا".
وهدر نورستروم وهو ينظر إلى البغيين برعب: "أنت لا تهتم كثيرا بمعارفك".
قلت: "لدي من المعارف أسوأ من هاتين، وفوق ذلك أنا مستشارهما الطبي. وكلتاهما مصابتان بالسفلس، والتسمم الكحولي سيقوم بالباقي، وسوف تنتهيان في سانت لازار أو في البالوعة قريبا. إنهما في أقل تقدير لا تتظاهران بأن تكونا أي شيء غير ما هما فعلا. لا تنسَ أن عليهما أن تشكرا رجلا ما لما هما عليه، وأن ثمة رجلا آخر يقف على زاوية الشارع المقابلة ليأخذ منهما المال الذي أعطيناهما إياه. إن هؤلاء البغايا لسن سيئات بقدر ما تظن، فهن يبقين نساء حتى النهاية بكل خطاياهن، ولكن أيضا مع بعض فضائلهن الباقية إلى ما بعد انهيارهن. ومن الغريب أن أقول إنهن مؤهلات للوقوع في الحب، بأسمى معاني الكلمة وبصورة مثيرة للشفقة أكثر مما لم ترَ قط. لقد كان لبغي حب معي، فصارت جبانة وخجولا كفتاة صغيرة، حتى إنها كانت تتورد خجلا تحت مساحيقها الحمراء. وحتى هذه المخلوقة الكريهة لدى الطاولة المجاورة، كان بالإمكان أن تكون امرأة لطيفة لو واتتها الفرصة. دعني أخبرك بقصتها.
"هل تتذكر"، قلت له ونحن نهبط البولڤار وذراعانا متشابكتان: "هل تتذكر مدرسة البنات في باسي التي تشرف عليها الأخوات ستيه. تيريز حيث أخذتني في السنة الماضية لأرى الفتاة السويدية التي ماتت بالحمى التيفية. كانت هناك حالة أخرى في المدرسة ذاتها، استدعوني لأراها بعد ذلك بوقت قصير، وكانت فتاة فرنسية جميلة جدًّا في حدود الخامسة عشرة. وبينما كنت أغادر المدرسة في إحدى الأمسيات، بادرت تكلمني بالطريقة المعتادة امرأة كانت تذرع الرصيف المقابل. ولما قلت لها بخشونة اتركيني بحالي، توسلت إلي بصوت ذليل أن تقول لي بضع كلمات. كانت تراقبني وأنا خارج من المدرسة كل يوم طوال أسبوع، ولم تكن لتجرؤ أن تتكلم إلي ما دمنا في ضوء النهار. خاطبتني بالسيد الدكتور وسألتني بصوت مرتعش كيف حال الفتاة الصغيرة المصابة بحمى التيفوئيد، أهي حالة خطرة؟
"لا بد أن أراها قبل أن تموت"، شهقت بالبكاء ودموعها تنهمر على وجنتيها المصبوغتين، "لا بد أن أراها، أنا أمها". الراهبات لا يعرفن، فقد وضعت الطفلة هناك وهي في الثالثة من العمر، والمال يدفع من خلال البنك. وهي ذاتها لم ترَ الطفلة من ذلك الوقت إلا حين كانت تراقبها من زاوية الشارع كل خميس عندما كانوا يخرجون بالفتيات للنزهة بعد الظهر. قلت لها إني قلق جدًّا على الطفلة، وسأخبرها إذا ساءت حالتها. لم تشأ أن تعطيني عنوانها، ورجتني أن أدعها تنتظرني في الشارع كل مساء لمعرفة الخبر. وكنت أجدها هناك طوال أسبوع وهي ترتعد قلقا. وكان علي أن أخبرها أن حالة الطفلة تزداد سوءا، وكنت أعلم جيدا أن لا مجال في أن أجعل تلك البغي البائسة ترى طفلتها على فراش الموت، وكل ما أمكنني فعله أني وعدتها بأن أخبرها حين تقترب النهاية، وعلى هذا الأساس وافقت أخيرا أن تعطيني عنوانها. وفي ساعة متأخرة من مساء اليوم التالي توجهت بعربة إلى عنوانها في شارع سيئ السمعة، خلف الأوبرا الهزلية. واجهني سائق العربة بابتسامة ذات مغزى واقترح أن يرجع ليأخذني بعد ساعة. قلت له: يكفي ربع ساعة. وبعد تفحص سريع قامت به رئيسة الدار سمحت لي بالدخول لأواجه دزينة من سيدات نصف عاريات في سترات قصيرة من قماش شفاف أحمر، أصفر أو أخضر. أيمكن أن أحدد اختياري؟ قلت إن اختياري جاهز، وأنا أريد الآنسة فلوبيت. بدت الرئيسة آسفة جدا. فالآنسة فلوبيت لم تنزل بعد، وكانت مؤخرا مهملة جدًّا لواجباتها، وهي لا تزال تتهيأ في غرفة نومها. طلبت أن تأخذني إليها حالا. الأجرة عشرون فرنكا تدفع مقدما وهدية تذكارية لفلوبيت إذا استمعت معها، وهذا أمر مؤكد لأنها صبية فاتنة، متأهبة للعمل تماما ومرحة جدا. هل أرغب بزجاجة شمبانيا تؤخذ إلى غرفتها؟
"كانت فلوبيت جالسة أمام مرآتها تعمل جاهدة أن تغطي وجهها بالحمرة. قفزت عن كرسيها واختطفت شالا لتخفي عريها الفظيع وحدقت إلي بوجه مهرج: بقع من الحمرة على وجنتيها، عين سوداء بالكحل والأخرى حمراء بالدموع.
"لا.. لم تمت، لكنها في حالة سيئة جدا. الراهبة التي تقوم بالمناوبة الليلية مرهقة، وقد أخبرتها أني سأحضر إحدى ممرضاتي من أجل هذه الليلة. امسحي ذلك الطلاء الرهيب عن وجهك، رتبي شعرك بالزيت أو الڤازِلين أو بأي شيء تحبينه، اخلعي هذا الثوب الشفاف الفظيع وارتدي لباس الممرضة الرسمي الذي ستجدينه في هذه الصرة. لقد استعرته منذ قليل من إحدى ممرضاتي، وأظنه مناسبا، فأنت من القياس ذاته. سأعود لآخذك خلال نصف ساعة". حدقت إلي معقودة اللسان وأنا أمضي هابطا الدرج.
"بهذه السرعة! "قالت الرئيسة وهي تنظر إلي في غاية الاندهاش. قلت لها إني أريد الآنسة فلوبيت أن تبيت الليلة معي، وأنا سأعود لآخذها. ولما وقفت بالعربة أمام الدار بعد نصف ساعة ظهرت فلوبيت من الباب المشرع بلباس الممرضة الطويل محاطة بجميع السيدات في ثيابهن الشفافة وكأنهن بلا أي لباس.
وقهقهن معا في جوقة: "أنت محظوظة، يا فتاتنا العزيزة، أن تروحي إلى حفلة الرقص المقنَّعة في آخر ليلة بالكرنڤال، أنت تبدين أنيقة ومحترمة تماما، كم نتمنى من سيدك لو يأخذنا جميعا معه!"
وتبسمت الرئيسة وهي تصحب فلوبيت إلى عربتي: "استمتعا بوقتكما، يا بني. الدفع مقدما خمسون فرنكا".
"لم يكن ثمة من حاجة كبيرة في عمل التمريض. كانت الطفلة تنهار بسرعة، وقد فقدت الوعي تماما، وبدا جليا أن النهاية قريبة. جلست الأم طوال الليل بجانب السرير تحدق عبر دموعها إلى طفلتها تموت.
"ولما طال العذاب قلت: "قبليها قبلة الوداع، لا بأس فهي غائبة عن الحس تماما".
انحنت فوق الطفلة، لكنها تراجعت فجأة إلى الوراء.
وغصت بالبكاء: "لا أجرؤ أن أقبلها، فأنا فاسدة كلية، كما تعلم".
"المرة الثانية التي رأيت فيها فلوبيت كانت سكرى بشكل أعمى. وبعد أسبوع ألقت بنفسها في السين. لقد أخرجت وهي حية، وحاولت أن أرتب دخولها إلى سانت لازار، ولكن لم يكن ممكنا الحصول على سرير. وبعد شهر شربت زجاجة من اللودانوم، وحين أتيت كانت نصف ميتة، ولم أغفر لنفسي أبدا أني قمت باستخراج السم من معدتها. كانت تمسك في يدها حذاء طفلة صغيرة وفي الحذاء خصلة من الشعر. بعد ذلك تناولت الشيح الرومي، وهو سم يمكن الاعتماد عليه كغيره، لكنه بطيء القتل بكل أسف. وهي، على أية حال، ستكون قريبا في البالوعة، وهي مكان أكثر ضمانا لإغراق نفسها من السين".
وقفنا أمام بيت نورستروم في شارع بيجال.
قال صديقي: "ليلة سعيدة. شكرا لهذه الأمسية السارة".
"وليلتك في سعادة مماثلة"، قلت.
--------------------------
( 1) Richelieu Cardinal(1585-1642): كاردينال ورئيس وزراء فرنسا. (ج)
( 2) Lacedaemonia, Laconia: إقليم في جنوب بلاد الإغريق كانت تحت حكم اسبرطة. (م)
) 3 ) Clvecin أو Clavicorde: آلة وترية وردت ترجمتها هكذا في المعاجم الإنجليزية والفرنسية. (م)
Adagio Sostenuto() : أثبت هاتين العبارتين (127 – 128) كما وردتا التماسا للدقة.
(4 ) Beethoven’s op. 106
( 5) Herculaneum: مدينة قديمة في جنوب إيطاليا دمرها بركان فيزوف سنة 79 ميلادية. (م)
--------------------
هذه الملحمة الإنسانية لاكسيل مونتي يصعب أن نَفيها حقها في مقالة موجزة، خاصة وهو يعبر بعمق وألم عن المعركة الدائرة بين الموت والحياة... فالمعركة منظمة في أدق تفاصيلها وفق قانون من التوازن بين الحياة والموت لا يقبل التغيير... لذا أترك للقارئ متعة قراءتها، كما استمتعت. محمد أحمد السويدي
بتكليف ورعاية من الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، وبدافع من حب المعرفة والسعي لنشرها قامت القرية الإلكترونية بتوفير هذه النسخة من قصة سان ميشيل مترجمة باللغة العربية – ترجمها علي كنعان. (جميع الحقوق محفوظة)
صفحتنا الرسمية في فيس بوك :
منصتنا في جوجل بلس لمتابعة باقي مشروعاتنا

No comments:
Post a Comment