Tuesday, 16 May 2017

ناسٍ في طبٍّ وناسٍ في شقاها



في اتصال هاتفي مع أخي (ن)، ذكرتُ فيه صديقا كان قد عرّفني عليه، وكان يقيم في بيت في جميرا يشرف على بحر دبي..
- فقال أخي: لا أتذكّره، ولكن كم من الوقت مضى على ذلك؟
- فقلت له: منذ قرابة العشر سنوات.
صمت برهة قبل أن يقول: ومن أين لي بالذاكرة التي تسعفني بالقبض على وجه وحكاية حدثت منذ عشر سنوات، ولكن ما الذي ذكّرك به؟.
- فقلت: موقف ما، فلقد كنت قد رأيت مجموعة بيوت قبل أن يدعوني إلى وجبة غداء في بيته فتناولت غداءً شهياً معه، ولأنني لا أفرّط بالقيلولة، سألته إن كان بوسعه توفير غرفة. وكان الرجل قد هيأ بالفعل غرفة نظيفة وسجادة صلاة. ثم أشار إلى الحمام وخرج بعد أن أحكم غلق الباب خلفه ومكثت في الغرفة بمفردي، وعندما أتممت وضوئي وأردت الخروج للصلاة لم أتمكن من فتح باب الحمام، وحاولت بشتى الطرق فتحه دون جدوى، ثم عندما أعجزتني الحيلة اتصلت به، وإذا به لا يجيب على هاتفه، وكنت رأيته وهو يغلق باب الغرفة خلفه، فشعرت أنني أمام نكبة مضاعفة وغير متوقعة..
حاولت ثانية، ولم أفلح فقلت في نفسي هل فقدت الأبواب ذاكرتها؟
ثم أخذت أطرق الباب على استحياء أول الأمر ليبدو الأمر وكأن عارضا طفيفا قد حدث، وعندما لم يستجب الرجل، بدأت أطرقه بقوة، ثم جلست أنتظر متعلّلا أنه متى ما أخرج هاتفه ورأى اتصالي سيتصل في الحال..
ومضت عشر دقائق، نصف ساعة، ساعة وأنا لا أزال أقلّب فكري في الباب وأستحضر كل الأبواب التي مرّت بحياتي علّني أجد طريقة لأعيد له ذاكرته
ولكن هذا النوع من الأبواب لم يكن من إحداها
وفي لحظة يأس وأنا أترقّب اتصال الرجل مددت يدي وأدرت مزلاجاً صغيراً، وإذا بالباب يُفتح، لقد كان بابا ينزلق للجانب
فأعدت للباب ذاكرته وشعرت كما لو أنني خرجت من ثقب إبرة ....
فقال أخي وهو يستعيد حكاية حدثت معه وهي على الشاكلة ذاتها، وكانت مع الصديق المرحوم (ج)، وكنا في حينها نقيم في الفيلا الجنوبية، فدخل جمال الحمام، ولأن (ن)من برج الدلو، فهو بطبعه لا يتردد في عمل المقالب بمن حوله، فما أن دخل (ج) الحمام حتى تبعه (ن) وأغلق الباب خلفه، وكان الباب قديما وثقيلا.
حاول (ج) فتح الباب بكل الوسائل ولم يتمكن، ثم لجأ إلى الضرب واللكم والرفس، فلما أعجزه ذلك، أخذ بالصراخ وهو لا يكفّ عن ضربه بكل القوة التي ادّخرها.
وبعد مضي نحو نصف ساعة عدنا إليه وفتحنا الباب ونحن نتضاحك، وإذا بالرجل ملقى على الأرض وهو ممزق الثياب ومكدّم من مواضع عدة في جسده، وكان يوشك على لفظ آخر أنفاسه.
فاكتشفنا أن الرجل رحمه الله كان مصابا برهاب الأماكن المغلقة.
ثم قادته تلك الحادثة إلى استذكار حكاية أخرى حدثت مع (ص)
وكان مدعوا للغداء عند الشيوخ، وبعد أن فرغوا، دخل إلى حمام جانبي، ولانه كان بدينا، فلقد فاض بجسده على المكان وشعر به وكأنه يضغط عليه، فحلّ به ما حلّ بجمال من قبل.
فتذكرت حادثة حلّت بي عندما كنت في صحبة الوالد في إحدى جولاتنا في جنائن الريجنت بلندن..
فلقد استأذنت الوالد بعد أن جلس في مقهاه المفضّل، ودخلت بعجالة حماما عموميا قريبا،
وبينما كنت في التواليت وإذا بقهقهة تتناهى إليّ أعقبها صوت امرأة عجوز، ومن ثم بدأت تصلني أحاديث خاصة في الحمام الجانبي..
أرهفت سمعي علّ صوت رجلٍ يبدّد كابوس الأصوات الناعمة،
فأدركت أن عجالتي قادتني إلى دخول حمام النساء
فلم أملك من خيار سوى الركون إلى الصمت والسكون، خصوصا وإنني تركت هاتفي على طاولة الوالد، كما أنني لا أستطيع استعماله، فلقد كنت في حمام نساء لا تتناهى إليّ فيه سوى قهقهاتهنّ وأصواتهن وأحاديثهن الخاصّة ، وكأن الرجال قرّروا العودة في برهة خاطفة إلى المرّيخ، وتركوا الريجنت نهبا لمخلوقات كوكب الزهرة.
ثم تذكرت أن الوالد لا يسعه الانتظار طويلا، وربما يكون قد غادر الآن أو يوشك على المغادرة
فقلت: يا صاحب الفرج،
ثم صارت الأصوات تغيب، ثم تحلّ أصوات أخرى، وكلّها متحالفة مع الزهرة،
كانت الدقائق تمرّ كالساعات من فرط ثقلها، وبعد نحو نصف ساعة هدأت الأصوات، فاستجمعت أمري وخرجت خطفاً من الباب، وإذا بالمرأة المراقبة والمشرفة تتفاجأ بي وتصرخ: ما الذي تفعله هنا؟
وربما كانت تريد القول: ما الذي تفعله في كوكب الزهرة يا رجل؟
فخرجت لا ألوي على شيء، ولم أفكّر بما كانت تقوله، فما كان يشغلني في تلك البرهة كان كافيا لأقول لها وقد خرجت من ورطة كبيرة: عليك اللعنة.
وكأن لسان حالي يقول (بمثلنا الشعبيّ): ناسٍ في طبٍّ وناسٍ في شقاها.