Monday, 21 March 2016

السيد ولـيم والمُعَلّـقَـةُ الذهبيــة


السيد ولـيم والمُعَلّـقَـةُ الذهبيــة


 
 
 
عندما عملتُ في المجمع قبل سنواتٍ خَلت، توصّلت بكتاب (المعلّقة الرابعة) لـ "لبيد بن أبي ربيعة"
وكان الكتاب (مدوّنة بصرية) تعقّبت ( لبيد) في أمكنته، وتحولاته، التي جاءت بها قصيدته.
سألت عن مؤلف الكتاب، فعلمتُ أنّه متحدّر من عائلة أنجبت رئيساً للولايات المتحدة.
ولأن مثل هذه الكتب توحي وكأن مؤلفيها عاشوا في زمن سابق، فسألت إن كان لا يزال على قيد الحياة؟ فقالوا:بلى.
فسألت عن إمكانية دعوته: فأخبرني بعضهم أن مواقف الرجل تغيّرت، وأصبح صهيونياً، ولم يعد عروبياً كما عهدوه أول الأمر.
فتركت الأمر- على مضضٍ- ولم أعد إليه في تلك الآونة.
وبعد أربع سنوات، هاتفني الصديق المرحوم (عبد الملك الحمر)، وكان يعمل – آنذاك- في المصرف المركزي، وبدا عليه وكأنه في ورطة؛ فقد كان يومه مزدحماً، ولديه رجل ربما ضاقت به السبل - ويخشى أن يضيق به هو أيضاً- يُدعى "وليم بولك".
أدركت على الفور أنه كان يعني "بولك" صاحب كتاب ( لُـبيد) ذاته.
فالرجل كان يبدو بحاجة إلى من يصغي إليه، ولقد شعر في نفسه أنه يحمل زاده معه ليستعين به على وحشة الطريق، فلقد بلغ من العمر ما يجعله ينبذ التريّث، ويمنح تصوّراً لمن يلتقيه وكأنه على عجلة من أمره.
حدّثني عبد الملك عن نيّة "وليم" في العمل على مشروع سيتناول فيه (امرئ القيس) على شاكلة ما فعله مع (لـبيد)، ولقد أعياه العثور على من يتبنّاه، فأمرؤ القيس -لا ريب- أنّه أكثر توسّعاً في شعره وأمكنته، فهو قطع شبه الجزيرة من الجنوب حيث منزله الأول في كندة، مروراً بشمالها حيث التقى (السموأل بن عادياء) في تيماء، وصولاً إلى أنقرة كما تشير إلى ذلك مجموعة من الروايات.
و- شخصيّاً- أرى أن ما تداولته المصادر أو ما ورد على ألسنة الرواة عن أمرئ القيس، هو في الأصل مجموعة واسعة من الحكايات والملاحم الشعبية، التي أصبحت في فترة التدوين تستجيب لمراكز ثقل وقوة القبائل أثناء حروب الفتح وانتشارها في جغرافيات جديدة، وظهور النزعة القبيلة بعد فترة الخلافة الراشدة، وكان من الضروري أن تعمل القبائل على سرد الماضي وبيان مآثرها وقوتها فيه وكيفية انعكاس ذلك على حاضرها، من خلال استثماره في الوضع الجديد كأمراء على الأمصار أو قادة على الجند. لأنني أثق أنّ امريء القيس لم يذهب إلى أنقرة ليستنجد بملك الروم ولم تنته حياته غريباً على جبل يُقال له عسيب، وحتى الحكاية التي ربطته بالسموأل أجد أنها على غير ماورد في الروايات، فإذا كان أمرئ القيس بلغ تيماء والتقى بالسموأل حقا، فأجد أن السموأل استأثر بدروع أمرئ القيس لنفسه ولم يسع إلى التخلي عنها رغبة في الاستحواذ عليها، لأن الروايات لم تشر إلى ما بعد مقتل ابنه، ولا نعرف من مصيره شيئاً، وكأن الرواية كانت مقطوعة عن سياقات كثيرة لتمنح دليلا في اتجاه آخر حول وفاء الرجل، وأجد أن هذا الأمر كان جزءاً من صراع النفوذ والقوة والتأثير بعد سقوط دولة بني أميّة، والعمل على تقاسم تركاتهم في دولة بني العباس التي اتسع نفوذها وتضخّمت مؤسساتها.
عندما رأيت أن عبد الملك -رحمه الله-، كان يسعى إلى تعريفي بالسيد "بولك" ليتخفف من مشقة الاستماع إليه، فقلت له: أرسله لي.
كان صوت عبد الملك يصلني عبر الهاتف وكأنه يستنجد.
ما أن التقيت بالسيد "وليم" وشرعت بالحديث معه، حتى أدركت معاناة عبد الملك.
ولكنني فوجئت بأن الرجل لم يرتدّ عن مواقفه، بل العكس، أصبح أكثر التزاماً بها، ولكنه وهو في مثل هذه السنّ، كان قد حدّد أولوياته، ويبدو - من خلال وجهة نظره- أن لا شيء يجب أن يسبق القيام بمشروع (المدونة البصرية) التي سيتناول فيها امرؤ القيس.
ثم قال لي أن مشروعه يحتاج إلى ميزانية تتحرّك بين مليون ونصف، إلى مليوني دولار.
فشعرت بمرارة لعدم استطاعة المجمع توفير مبلغ كبير كهذا - في تلك الأيام-، حيث كانت الميزانية السنوية بالكاد تلبّي الفعاليات المقررة سلفا.
ففكرت بمن في وسعه أن يتبنّى أفكار السيد "وليم" ويكون قادراً على تمويل أحلامه.
وبعد يوم جميل تخللته الحكايات على تنوّعها غادر السيد "وليم" إلى باريس حيث يقضي فيها سنوات تقاعده.
لم أنقطع عن التواصل معه طيلة سنوات، و- في الوقت ذاته- لم أكفّ عن التفكير بضرورة إنجاز عمل مشترك يتناول أول (ملك ضلّيل) وصلنا شعره وسيرته.
وفي أواخر عام 2000، ولم تكن الفكرة قد برحت ذهني بعد، قرّرت أن أتبنّى المشروع شخصيّاً، خصوصاً وأن الإتفاق كان على ظهور الكتاب بذات جودة كتاب (لـبيد)، ولقد شعرت بمزيج من الغبطة والفخر وأنا أهاتفه، وكنت حينها في لندن.
وقلت له يا سيد "بولك" أريد أن أزفّ إليك خبر توفير المبلغ الذي سيمكّنك من إنجاز مشروع امرئ القيس
فجاءني صوته ضعيفا وهو يقول: آه يا محمّد، عليك أن تتقبّل اعتذاري عن القيام بهذه المهمّة..
فالرجل الذي عرفته قبل عقد من السنين أصبح هرماً، ولم يعد بوسعه أن يفعل شيئا أكثر من أن يتمنى أن تسنح الفرصة لأحد الشباب ليكمل ما بدأته.
وكانت تلك المكالمة نهاية حلم المعلّقة الذهبية وملكها الضلّيل.