Wednesday, 27 January 2016

قلب بلوتو الكبير

قلب بلوتو الكبير




mohammed suwaidi article
أطلقوا عليّ اسم "نيو هورايزن" أي الأفق الجديد (New Horizons) وصنعوا لي ألواحاً كراحتَي مؤمن إن رفعتهما للشمس منحتني القوّة والحياة والسّير بسرعة خاطفة تطوي المسافات، سرعة تفوق 56 ألف كم في السّاعة الواحدة ومنحوني عينين كعيني صقر وعقلاً يقلّب في أسرار الكون، وأُلْتُ إلى خفّة الكائن التي لا تحتمل. صرت أقدر أن ألفّ محيط الأرض في أقلّ من نصف ساعة من الزمن.
وفي يوم 19 يناير من 2006 ، راقبوا الفضاء، وأحصوا نجومه وشموسه، طالعوا كواكبه، ودفعوا بي للأبعد منها، إنه بلوتو، الكوكب الذي اشتُقّ اسمه من اسم إله العالم السّفلي.
وبعد ثماني ساعات كنت ألوّح للقمر كسميرٍ قديم عارج في السماء بقلب نابض إلى الفضاء اللامتناهي.
لقد مضى عام على سفري وها أنا أبلغ المشتري وأهمس في أذنه أحقّا أنت ربّ الآلهة كما كانوا يزعمون؟ وبعد تسعة أعوام من السفر الذي لا يكل تراءى لي بلوتو من بعيد، وفي يوم 17 تموز من عام 2015 بعثت أوّل صورة له، وقلت جذلاً: إليكم سكّان الأرض أوّل صورة لقلب بلوتو الكبير.
في وحشة هذا الفضاء الذي لا يكفّ عن تمدّده وكأن ريحاً كونية تنفخ فيه، شعرت بالحنين إلى أوّل منزل، فالتفتّ كما يفعل البشر الآن وكما فعل أسلافُهم من قبل، فلم أتمكّن من رؤية منزلي، هل عصفت به إحدى الحروب الكونيّة التي تنشب أظافرها على سطحه؟.
ثم يمّمت عينيّ شطر الشمس، وأهل الأرض لا يعرفون شيئاً أكثر توهّجاً منها، فلم تكن سوى رأس دبّوس، فتذكرت حملة مصابيحها في الكتب الصفراء، وضحكت في سرّي. إنّها لا تختلف عن ملايين النجوم من حولها، بل هي أصغر كثيراً وأبرد.
ثم قلت لنفسي إن 4500 مليار كيلو متر كافية لأغفر للشمس عدم سطوعها كما تفعل على كوكبنا الذي يئنّ تحت وطأة حرارتها اللافحة.
وكيف لها أن تبدو لي كما عرفتها من هذه المسافة وهناك مليارات الشموس في مجرتنا تفوقها حجماً وتوهّجاً.
ففي مجرتنا درب التبانة وحدها، هناك 200 مليار شمس، فمن ذا الذي يُصدّق أن لرأس الدبّوس هذا مجموعة من الكواكب تتعلّق بذنبه وتدور حوله؟
من يصدّق أن هناك في الأصل أرضاً؟
من يصدّق أن هناك جوعاً وشبعاً؟
من يصدّق أن هناك حرباً وسلاماً؟
من يصدّق أن هناك أدياناً تتصارع؟
من يصدق أن هناك أخياراً وأشراراً؟
من يصدّق أن هناك بشراً؟
حكّ "نيو هورايزن" رأسه، وأرسل نظره نحو الأرض..
هل حقّا أرسلت من هناك أم فررت مذعوراً ممّا يحدث في ذاك الكوكب الذي تتجاذب أطرافه الحروب والويلات والمجاعات والدّمار؟
نظر متحسّراً ثم أدار رأسه صوب الجهة الأخرى، وقال لقد وفيت بعهدي خذ يا بلوتو رماد العالم " كلايد تومباج" الذي اكتشفك هدية إليك.
في الجهة الأخرى سيكون على "نيو هورايزن" مواجهة حزام كايبر إنه حزام من المجهول بالنسبة إليه، وحزام كايبر نسبة إلى العالم الذي اكتشفه ووضع نظريته حول ركام وبقايا من النظام الشمسي، ركامٌ كذلك الذي يخلفه صرح شُيد للتو، ويتكوّن في الغالب من أجسام متجمدة وكتل صخرية بعضها بحجم كويكبات صغيرة، تمتد من كوكب نبتون وهُو على بعد 30 وحدة فلكية إلى ما يقارب 60 وحدة فلكية (الوحدة الفلكية تساوي المسافة التي تفصل الأرض عن الشمس وهي 150 مليون كم)، وهو شبيه بحزام الكويكبات بين المريخ والمشتري بيد أنه أعرض منه بعشرين ضعفاً وأضخم منه بين 20 و200 مرة.
لم تقع عينا إنسان على "حزام كايبر" من قبل، إنها المرة الأولى التي يُرى فيها بلوتو على هذا النحو.
لقد قطع "نيو هورايزن" عالماً من المجهول حتى بلغ عوالم أخرى منه، مما سيجعله يحتاج إلى ألف شمس تنبض في أحشائه ليتمكن من ارتيادها وكشف غموضها.
تطلّع "نيو هورايزن" ذات اليمين وذات الشمال، وحك رأسه ثانية واستدار نحو مجهول آخر على بعد مئة وحدة فلكية، إنها "سحابة أورت" التي تُعدُّ مع "حزام كايبر" مصدراً رئيساً للمذنبات. 
و"سحابة أورت" ذات هيئة كروية عملاقة تحيط بالنظام الشمسي وتمتد لمسافة ثلاث سنوات ضوئية، وتقع على بعد حوالي 30 تريليون كيلومتر من الشمس، وأخذت تسميتها من الفلكي الهولندي "جان أورت" الذي أشار في عام 1950 إلى وجود هذه السّحابة على حافّة النظام الشمسي.
أنا الآن عَلى بعد أربع ساعات ضوئية قال " نيو هورايزن"، وسأحتاج إلى قطع أربع سنوات ضوئية لبلوغ "ألفا قنطورس" أقرب نجم إلينا.
أما في بلوتو فسيحتاج " نيو هورايزن" أربع ساعات ليصل سلامه إلى أهل الأرض، وأربع ساعات أخرى لتصله تحياتهم ورغبتهم في أن يعمّر طويلا وأن لا يأسره حزام كايبر أو سحابة ما.
ومن (ألفا قنطروس) سيحتاج إلى أربع سنوات ليحيّي أهل الأرض وأربع سنوات أخرى ليتأكد أنهم مازالوا أحياء ولم ينقرض جنسهم نتيجة صراعاتهم المدمرة.
وفي لعبة الزمن هذه، ما إن أصبح "نيو هورايزن" على مشارفها حتى نضبت في جسده قوة الشمس.
كل شيء يبدو مختلفاً، فكّر "نيو هورايزن" وكان ينقّل بصره هنا وهناك. فمجرتنا تمتدّ 100 ألف سنة ضوئية، وسيكون بمقدور من يعيش على بعد 1500 سنة ضوئية (مسافة قريبة بحق) أن يشهد عصر النبي محمد (ص) وصحابته وغزواته وربما سيرى المسلمين منهمكين بحفر الخندق، أوبلال وهو يرفع عقيرته بالأذان.
وسيحتاج من يعيش على بعد 2000 سنة أن يدخل في مفاوضات شاقة مع "هيرودتس" من أجل أن يقنعه بترك عيسى وشأنه، وسيتعرف على حوارييه ومعجزاته وسيفكر طويلا بتلك المعادلات الفيزيائية الغامضة التي جعلت ابن مريم يمشي على الماء دون أن يغرق فيه.
وإذا ذهب على بعد 4000 آلاف سنة ضوئية سيشاهد رمسيس وهو يشيّد معابده في أسوان والأقصر، وربما سيبشّره أنها صمدت طيلة آلاف من السنين.
وعلى بعد 4500 سنة ضوئية، سيشهد بناء أول الأهرامات وربما سيحمل معهم حجراً، وينقش عليه اسمه سراً.
لم يتمكن أحد من على بعد هذه الوحدات الشمسية الشاسعة أن يرى ما آلت إليه الأرض من اختراعات واكتشافات، من كهرباء وسيارات وطائرات، فمن هناك لا شيء يُرى سوى الماضي البعيد.
أغلب سكان الأرض لم تنهض فيهم دهشة غاليلو وصرخته وهو يرى السماء كما لم يرها أحد قبله، ومكثوا في غيبوبتهم.
ولقد مرّت عليهم هذه الاكتشافات دون أن تزلزلهم وتنفخ فيهم صور الرغبة في المعرفة.
عندما تفرّس غاليلو في السماء وصار يرنو إلى الكواكب البعيدة، أدرك أن الأرض ومن عليها شروى نقير بالقياس إلى سعة الكون، كان أهل الأرض لا يزالون في ذات الدائرة الكنسية التي ذهبت إلى الرأي بأن الأرض مركز الكون.
ولم يعودوا ذوي أهمية بعد أن امتدّت المسافات وتضاءلت الأرض لدرجة أن "نيو هورايزن" لم يتمكن من أن يبصرها وانتظر أربع ساعات لتصلهم تحيته البلوتوية.
صوره التي أسرف في إرسالها لم تكن صوراً لكوكب بقدر ما كانت تنبيهاً لسكان الأرض على أنهم فقدوا مركزيتهم العريقة ولم يعد لهم وجود، وانحسرت قيمتهم أمام هذا الفضاء المترامي التي لم تكف الريح الكونية وقواها تنفخ فيه فيتمدد.
كل هذا و"نيو هورايزن" لم يبلغ سوى الحدود الأولى من النظام الشمسي، فهو لم يدخل حزام كايبر بعد، ولم يقترب من سحابة أورت.
قال "نيو هورايزون" في نفسه: كيف لإنسان أن يعي ما اهتديت إليه.
آه، آه، ما الذي جعل هذا المخلوق الذي لم يتمكن من الاحتفاظ بجنّته الأولى فهبط منها مذموماً مدحوراً أن يسعى بنفسه إلى التفريط بجنته الأخيرة.
من هذه النقطة التي تبدو فيها الشمس كرأس دبوس أو أصغر، تطلّع "نيو هورايزن" في الشِّعرى في كوكبة الكلب الأكبر التي تبعد نحو ثماني سنوات ضوئية، فرآها أكثر سطوعاً من الشمس، ولأنها من الصنف (A) فإنها أشدّ حرارة. وقال في نفسه: (الشمس برّاد كبير، فريزر إذا ما قورنت بالشِعرى)!
ثم التفت إلى سهيل في المجموعة الكوكبية التي يُطلق عليها قاعدة السّفينة، وهو من نوع (F) وأشدّ حرارة من الشمس وأكثر ألقاً وتوهّجاً، ولكن بلوغه كان متعذّراً عليه فهو يقع على بعد 310 سنة ضوئية، ولكن طاب لـ"نيو هورايزن" أن يراه كما طاب لمالك بن الريب أن سهيلاً بدا له وهو يوشك على موته.
التفت مرة أخرى، فرأى السّماك الرّامح في كوكبة العوّا الذي يزيد نصف قطره على 20 مليون كم، وتنفّس الصّعداء، فهو أقرب من سهيل ولا يبعد سوى 36 سنة ضوئيّة، ثم قال: يا له من أمر مدوّخ ومحيّر. فوصلت حيرته الأرض بعد أربع ساعات.
ما هذا؟ يا إلهي! إنه نجم أنتريس، أو القلب، في كوكبة العقرب، إنه نجم أحمر عملاق يبلغ نصف قطره 300 مليون كم... إنها ذات النجوم التي يتداولها العرب في منازلهم ومواقيتهم الشمسية. آه لو يبصرونها كما أبصرها.
الشَّمْس لا تقارن بقلب العقرب فنصف قطرها 700 ألف كم، إنه أكثر توهجاً منها ب٦٥ ألف مرة.
ثم أبصر سي واي الكلب الأكبر (CY) إنه أكبر نجوم درب التبانة، وهو نجم أحمر عملاق تتقاصر وتتضاءل أمامه جميع النجوم الأخرى، إنّه أكبر من الشمس ببليون مرّة.
أمّا مجرة درب التبانة ذاتها الذي تشكّل هذه النجوم حبّات عقدها الفريد فهي مجرّة متوسطة الحجم (إذا ما قورنت بالمجرات) يتراوح عرضها بين 100 و 120 سنة ضوئية.
وهناك مجرات صغيرة لا يزيد عرضها على الألف سنة ضوئية.
أمّا المجرّات العملاقة فيربو عرضها على 6 ملايين سنة ضوئية، ولقد أحصى العلماء ما يربو على 200 مليار مجرة.
أشاح "نيو هورايزون ببصره بعيداً وقال: هذا هو آخر العهد بمجموعتكم الشمسيّة وضوئها، وأول عهدي بدبيب حرارة البلوتونيوم في جسدي، إنه سيمنحني الطّاقة للسفر عقوداً أخرى لسبر ما وراء نبتون، فإلى "الفا سنتوري" أيّتها الجياد.

http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_article_indetail.php?articleid=64