Sunday, 17 January 2016

دي إن إيه


دي إن إيه








في عام 1990 أفاق هابل – المرصد الذي يعوم في لجّة الفضاء- على مشهد مدهش للكون، إذ استطاع أن يرى مائة وخمسة وعشرين (125) بليون مجرَّة، وبعد عدَّة سنوات مسح عدسته وأعاد تثبيتها فاتَّسع مدى الرؤية، صار يرى ثلاثة آلاف (3000) بليون مجرَّة تنتشر على مدى ستة وأربعين (46) بليون سنة ضوئية.
وعندما أمعن البصر في مجرَّتنا، درب التبَّانة، وجدها تنتشر على مساحة مائة وعشرين (120) ألف سنة ضوئية – تقدّر سرعة الضوء بثلاثمائة بـ (300) ألف كيلو متر في الثانية- وقدّر نجومها ما بين مائتن إلى أربعمائة (200- 400) بليون نجم، بينها نجم قزم أصفر بلغ متوسط عمره أربعة بلايين ونصف البليون سنة هو شمسنا، نحن سكَّان الأرض. وإذا كانت الأرض -وعمرها ثلاثة بلايين ونصف البليون سنة- تدور حول نفسها بسرعة ألف وستمائة (1600) كيلومتر في الساعة، دون أن نشعر، فهي تقطع في دورانها حول الشمس مسافة مائة (100) ألف كيلو متر في الساعة؛ والشمس بدورها تدور حول مركز مجرَّة درب التبَّانة بسرعة ثمانمائة (800) الف كيلو متر في الساعة، وتكمل دورة كاملة كلّ مائتين وخمسين (250) مليون سنة. وقبل أن تبدأ دورتها الأخيرة كانت الديناصورات تعمر الأرض.
بقي أن تعرف أنَّ كرة الشمس تتّسع لمليون كرة أرضيّة؛ والسِّماك الرامح يتَّسع لخمسة ملايين شمس كشمسنا الأرضيّة؛ ونجم "بيتلجوس" يتَّسع لثلاثمائة لـ (300) نجم بحجم السِّماك الرامح؛ أمَّا نجم "في واي كانيس مجوريس" النجم الذي لا يكاد يرى في كوكبة الكلب الأكبر، وهو أكبر نجم اكتشف في مجرَّتنا، درب التبّانة، فيتَّسع لبليون شمس بحجم شمسنا الأرضيَّة.
قف الآن أمام المرآة، وتأمل جسمك. إنَّ جسم الإنسان مكوَّن من قرابة عشرة ترليون خليّة، لا ترى بالعين المجرَّدة، وتنقسم بدورها إلى مائتي (200) صنف منها، على سبيل المثال لا الحصر، خلايا العضلات، وخلايا العظام، وخلايا الجلد.. وغيرها. انظر إلى قدمك وتأمل الإصبع الصغرى، تتراوح خلاياها بين اثنين إلى ثلاثة آلاف بليون خليَّة. تخيَّل قصراً مليئاً بحبيبات البازيلاء، هذه الحبيبات الخضراء، هي الخلايا ممثَّلة في إصبع قدمك الصغرى.
لنأخذ أبسط الكائنات ذات الخليَّة الواحدة كالإيكولاي، إنَّها أصغر من خلايا الإنسان -المعقَّدة- بأكثر من ألف مرَّة، وهي تكاد أن تشبه، إذا ما قورنت بخليَّة إنسان، زورقاً صغيراً يقابل باخرة. تتكوَّن خليَّة الإيكولاي من جدارين خارجيّ وداخليّ للخليَّة، وأسواط دافعة –كسوط الحيوان المنوي- وسائل يعرف بالسيتوبلازم –سبعون بالمائة منه ماء وثلاثون منه أنزيمات تنتجها الخليَّة-، وشريط ملتو كجزَّة صوف –(عقدة من الخيوط) يدعى الـ (دي إن إيه) يسبح في السائل، والـ (دي إن إيه) يدعى: المورِّث وهو الحمض النووي الذي يحتوي على التعليمات الجينية التي تصف التطور البيولوجي للكائن لو مددت خيطه بخط مستقيم لجاوز طول الخليَّة بألف مرَّة.
إنَّ كل الوظائف والعمليَّات تتمُّ في الخليَّة بواسطة الأنزيمات. إذا أدركت عمل الإنزيمات ستدرك ما هيَّة الخليَّة. في بكتيريا الإيكولاي –وحيدة الخليَّة- هناك ألف نوع من الأنزيمات، وهي تعتبر ماكينات متناهية الصغر للتفاعل الكيميائي تعوم في بحر من السيتوبلازم، تبني وتحوِّل وتعيد نسخ ذاتها باستمرار ما دامت الخليَّة، فما الخليَّة إذاً إلا حقيبة صغيرة من التفاعلات الكيمائية تتمُّ بواسطة الأنزيمات، والأنزيمات بدورها ما هي إلا أحماض أمينيَّة في صورة بروتينات.
أمَّا البروتينات فهي سلاسل من الحمض الأميني، كما أنَّ الحمض الأميني هو الجزيء الواحد في سلسلة أيّ من البروتينات.
إذا استثنينا الدهون، فستُّون في المائة من جسم الإنسان ماء، وعشرون منه بروتينات، والبقيَّة هي طيف من العناصر كالكالسيوم –في العظام- وغيرها. هناك عشرون نوعاً من الأحماض الأمينيَّة في جسم الإنسان وحده من المائة حمض أمينيّ في الطبيعة. بقي أن تعرف أنَّ بعض ما يحتاجه الجسم من الأحماض الأمينيَّة مصدره الجسم، والأخرى مصدرها الغذاء.
ويبقى السؤال: من الذي يصدر كلّ هذه الأوامر والتوجيهات، من هو مركز التحكُّم الذي يدير شؤون الخليَّة، ويوجّه الأحماض الأمينيَّة بتنفيذ قائمة الأعمال السالفة الذكر؟ يقينا إنَّه شريط الـ (دي إن إيه) المكوَّن بدوره من الجينات والكراموزومات، وهو مركز التحكُّم في الإيكولاي وحيدة الخليَّة، كما هو في سائر الكائنات الحيَّة الأكثر تعقيداً كالنباتات والحيوان والإنسان. إنَّ هذا الشريط اللولبيّ المزدوج مكوَّن من أربعة حروف مصطفَّة في تقابل ثنائي. ففي الإيكولاي هناك أربعة ملايين صفَّاً من الحروف المتقابلة هي مركز الإدارة الذي يبثّ الحياة في الخليَّة. أمّا في خليَّة الإنسان فيبلغ عدد الصفوف ثلاثة بلايين صفَّاً.
قبل الختام سأخلص إلى أجسام بتنا نعرفها جيّداً تصغر الخلايا بمائة مرّة تسمَّى الفيروسات، فبينا البكتيريا تعتبر كائناً حيَّاً، فالفيروسات ما هي إلا مركَّب حيّ –ليست كائناً- تحتاج إلى كائن أو وسط تعيش فيه وتتكاثر من خلاله. لدى الفيروسات، كما للبكتيريا، دي إن إيه وآر إن إيه (والآخر هو الرسول الذي يبلِّغ (تنفيذ) الأنزيمات بالأوامر المكتوبة (التشريعات) في الـ (دي إن إيه)، فما إن يتمكَّن الفيروس من اختراق الخليَّة الحيَّة حتّى يمضي إلى احتلال قمرة القيادة فيستبدل شريط دي إن اي وآر إن إيه الخليَّة بشريطه هو ويبدأ بإنتاج ذاته. وعلى الرغم من أنَّ الفيروسات أشدَّ فتكاً من البكتيريا التي نستطيع محاربتها بالمضادات الحيويَّة، إلا أنَّنا نجحنا بتوجيهها في علوم الهندسة الوراثيَّة حديثا لعلاج بعض السرطانات.
إذاً، قبل أن يشرع الإنسان البدء في الكتابة، كانت هناك كتابة أشدّ ذكاء أنجزت قبل ثلاثة بلايين سنة في البكتيريا الوحيدة الخليَّة وفي الفيروسات. وفي العقود القليلة القادمة سنقرأ شفرة الجين البشري بعد أن فككناه، وستكون البشريَّة على مفترق طريقين: إمَّا الدمار وتوظيف العلم للشرّ.. أو المضيّ في فكِّ طلاسم الكون والوجود، إنَّنا في حاجة ملحَّة إلى نظام أخلاقي جديد للبشريَّة، نظام تشريعيّ وآخر تنفيذي، نظام يرتقي بنا من الفرديَّة إلى الإنسانيَّة، يحسن قراءة الشريط الجينيّ ويحسن فهمه ويرسم مستقبل الأرض ومن عليها، إنّنا في انتظار أن يتحقَّق ذلك.

http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_article_indetail.php?articleid=50