Wednesday, 13 January 2016


للقلم الباركر






كنت في الصف الثاني الابتدائي في مدرسةٍ بدوحة قطر، عندما كان الرعب يدبّ فينا من الإدارة والأساتذة لأنهم كانوا لا يتورّعون عن الضرب المبرّح.
وأتذكّر أنني تعرّضتُ إلى الضرب على قفاي في أول يوم دراسي عندما التبس الأمر على أحد المدرّسين وظنّ أنني لم أحمل معي دفترا وقلما إلى الفصل الدراسي.
كانت المواد الدراسية توزّع مجانا وعلى مدار أيام، فلم أكن قد استلمت حصّتي من الدفاتر والأقلام بعد.
وحتى حينما يحدث أمر كهذا فليس عليك أن تنتظر سبيلا لاعتذار المدرّس
لم يبرح ذاكرتي قطّ بكائي المرّ.
لم تكن أفعالك الحميدة واجتهادك تكفي ليكفّ المدرّس عن الضرب، ولقد كنت متفوّقا في فصلي عندما نودي عليّ من قبل الإدارة، فشعرت بألم غامض يحفر طريقه إلى لحم قفاي الغضّ.
ذهبت إلى الإدارة وأنا أقدم ساقا وأؤخر أخرى حتى بلغتها. ففوجئت بالمدير وهو يثني عليّ ويقدّم لي قلما من نوع باركر بسبب اجتهادي والمرتبة التي حصلت عليها.
وعند عودتي إلى الصفّ كانت قدماي تطيران بي هذه المرة، أما القلم فلقد كان ثقيلا في جيبي لأنه كان شبيها بتعويذة حماية كنت بأمسّ الحاجة إليها.
وعندما دخلت الفصل، دعاني إليه الأستاذ (س) وطلب مني القلم.
فأعطيته إياه وأصبح جيبي فارغا مثل قلب أم موسى وخفيفا مثل ريشة ستخفق فيها رياح عنف المدرس مرة أخرى.
وفي اليوم التالي رأيت ابنه الذي كان زميلا لي في الفصل وهو يحمل قلمي ذاته، فازداد ثقلا على الثقل الذي كان له أصلا بسبب أبيه المدرّس.
كان هذا الأستاذ بالتحديد من أكثر الأساتذة الذي يمعنون في عقابي.
ولقد شكوت ذلك إلى أمّي مرارا، وبعد أن تواترت شكواي لم تجد أمي رحمها الله سبيلا إلى تجاهل مخاوفي، فطلبت من قريبنا (السليطي) أن يفعل شيئا ليكفّ هذا الأستاذ عن معاقبتي. فوعدها خيرا.
وفي صباح اليوم التالي نودي عليّ في الإدارة ثانية، فخفق قلبي واضطرب وكان خفيفا ومنزوعا من القوة التي كان يمكن للقلم الباركر أن يمدّه بها.
دخلت وجلا ، فرأيت الأساتذة مصطفين مثل طلبةٍ نجباء، وكان المدير واسمه الأستاذ شاهر يقف رفقة قريبنا جنبا إلى جنب.
تطلّع فيّ المدير برهةً خاطفةً قبل أن يسألني: من هو الأستاذ الذي يضربك بلا سبب؟.
فأنكرت أن يكون هناك من يضربني، وقلت لا أحد.
فقال وهو يرمقني هذه المرة بإمعان وبنظرة صارمةٍ : إذا لم تبح باسمه اليوم، فسيقتلك غدا.
عندها، رفعت إصبعي وكان شبيها ببوصلة لا يمكنها الإشارة إلى غير جهة هذا الأستاذ، وقلت باقتضاب: هذا
فما كان من قريبنا إلا أن حدّق فيه بنظرة تقدح شررا وقال له: إن سوّلت لك نفسك ثانية ومددت يدك على ابننا فسأقطعها لك، وإن علمت أنّك سبّبت له أدنى ضيقٍ، فسأقبض عليك وأحملك بيديّ هاتين وألقي بك إلى أوّل طائرة تخرجك من البلد.
ومنذ ذلك اليوم لم يستطع ذلك الأستاذ أن يرفع عينيه بعينيّ.
بيد أن فصول العقاب لم تنتهِ عند هذا الحدّ، فلقد كانت نائمة لبعض الوقت حتى أيقظتها عودتنا إلى أبوظبي في عام 1968.
وهو ذات العام الذي شهد عقاب أخي صائد العصافير خلف سيف سالم
http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_article_indetail.php?articleid=52