Tuesday, 5 January 2016



الباشا الإيطالي وأسماك بوسايدن











الباشا الإيطالي وأسماك بوسايدن
هربا من سياط برد يناير ولسعات زمهرير الشولة
دلفنا إلى مبنى متحف الـ 900 بواجهاته الزجاجية العملاقة
وأطلقنا العنان لأقدامنا في صعود لولبيّ على درج مطعم (جاكومو أرنكاريو)
وأخترنا طاولة تطلّ على ساحة الدومو في ميلانو
ولعلّ في ميلانو واحدة من الغرائب التي لا يمكن أن تعثر عليها في مكان آخر، فهي عاصمة إقليم لامبارديا في الشمال الإيطالي وتقع في قلب وادي البو في وسط الطريق إلى نهر البو جنوبا والبحيرات وجبال الألب شمالا، إلا أنها تُعدّ أكبر سوق تتركّز فيه تجارة السمك في إيطاليا، فيؤتى إليها السمك من كلّ بحرٍ وفجّ عميق قبل أن يوزّع على المدن الإيطالية الأخرى.
وأنت في ميلانو لا يفوتنّك العجل الميلاني المسمّن برفاهية والمهدى إليهم من النمسا، أو الرز بالزعفران، وهو ضرب من الرز لا يتشاركه أحد معها، فهو يُزرع في تيمونتي وتمونتوا، ويساوي وزنه ذهبا وهو الأمر الذي يتمدّد خارج المجاز اللغوي عندما يُقدّم إليك متوّجا بشريحة من الذهب.
كانت الحياة تدب في ساحة دومو التي نواجهها بوجل يليق ببرد يناير الذي يعرف طريقه إلى مسالك الجسدّ فيهزّه هزّا عنيفا وكأنه يُذوّبُ بعضا من جسمه فيه، أو يوزّع جسمه في جسوم كثيرة تشكّل ماراثون البرد الميلانيّ.
في هذا المطعم طلبنا طبق التونة ترتار، وسلطة القباب والأفوكاتو ولحمة الفيسوني، وهو عجل عرفت الرفاهية طريقها إلى لحمه فصار لا يحتاج إلا لثلث ما تحتاجه اللحوم الأخرى من وقت لينضج.
تبادلنا حديثا مع نادل طاولتنا (دانييل)، كان يقدم ساقا ويؤخر أخرى ويداه تصفّ الأطباق عندما حانت لحظة قال فيها: أنه من برج الميزان، ثمّ عدّل طبقا آخر على الطاولة قبل أن يسحب يده ويردف قائلا: إنه برج الباشوات. وصمت لبرهة قبل أن تنفجر (هـ . هـ) بضحكة مدويّة لم تتمكن من حبسها فانطلقت من عقال فمها حتى أرسلت عيناها الدموع، أردت ان أتبيّن السبب في هذا الضحك التي لا يبدو أنها ستكفّ عنه، خصوصا بعد أن بدأت كلماتها تصلنا مقطّعة الأوصال وكأنها في قيامة غير منجزة، فقالت (ف) إنها تقول: إذا كنت يا دانييل من برج الباشوات حقا، فما عليك إلا أن تثبت ذلك بعمل خصم على فاتورة الحساب.
لقد عمل دانييل في بقاع وجغرافيات تتوزّع مشارق الأرض ومغاربها، ولم يبق له من باشويته سوى الميزان، فقلت لعلّ الجوزاء كانت تسكن قبة السماء حينما وُلد فانحرف عنه المجد.
قال (ميم) لدانييل وقد تساءل مالذي يدعو إلى كلّ هذا الضحك: إن السيدة (هـ . هـ) تسألك إن كنت مستعدا لتخصم من فاتورة الحساب على ما درجت عادة الباشوات؟.
عندها رمقنا دانييل وتنقّل ببصره هنا وهناك، ثم أدار لنا ظهره دون أن ينبس بكلمة واحدة، وخاصمنا خصاما عتيدا كخصام الباشوات.