Sunday, 22 November 2015

عز الدين



حدث ذلك عقب هزيمة حزيران عام 1967، تخرّج عز الدين علم الدين من جامعة القاهرة عام 1966، وهو لبنانيّ قصد لندن عقب النكسة واشترك في مظاهرة أنشبت أظفارها في مجموعة من المحتجين أول الأمر في (السبيكر كورنر) في العاصمة البريطانية.
وتمددت حتى بلغت سفارة الأردن في لندن.
انقضّت المجموعة بلا هوادة على السفارة، ولم تحتجْ إلى الكثير من الوقت ليتم اقتحامها.
كانوا يحمّلون الملك حسين رحمه الله مسؤولية الهزيمة ويتّهمونه بالعمالة.
كانت الأمور تبدو وكأنها مشتبكة على نحو جعل سفير الأردن (آنذاك) زيد الرفاعي يواصل هتافه ضد الملك مع الجماعة التي لم تترك شبرا من السفارة قبل أن تغرز فيه حزمة من الهتافات الصاخبة.
أوهم الرفاعي الجميع بأنه معهم وأن الملك شخصيا يتحمّل كامل المسؤولية ولا بدّ من تحميله أعباء الهزيمة. فوجدوا فيه ظهيرا ونصيرا عزّ مثيله بعد هزيمة أوهنت عزيمة أمة العرب وأفقدتها فحولتها العريقة.
ثم أجلسهم على مقاعد وثيرة ولابدّ أنه أخرج لهم السجائر وعلب الماء وحدّثهم حديث الجوع حتى أيقنوا أنهم جوعى بالفعل، ثم قال لهم: لا بأس عليكم يا شباب، لا صوت يعلو على صوتكم، ولابد من إدامة زخم الثورة فيكم، فنحن لا نريدها ثورة تأكل أبناءها، بل نريد أبناء الثورة يأكلون السندويشات ويشربون المرطبات ليعلو هتافهم حتى يسمعه القاصي والداني.
فذهب وطلب لهم قوات الأمن ومكافحة الشغب.
وبينما هم في انتظار الوجبة الثورية، وكان الجوع بدأ يغرس أنيابه في بطونهم الخاوية من فرط الهتاف والغضب، وإذا بقوات مكافحة الشغب تهبط عليهم من فتحة أحدثوها في السقف مثل جلمود صخر هدّه السيل على ثوريين جوعى أوهمهم الرفاعي بالسندويتشات والمرطبات.
وبدأت القوات تضرب المتظاهرين بقسوة وتخرجهم من السفارة وتعتقل من تصل إليه أيديهم.
هرب عز الدين بثياب مضرّجة بالدماء من خلال حدائق السفارات المجاورة مع مجموعة من الناجين وتركوا الثورة وراءهم تختبرها هراوات الإنكليز، حتى بلغ الميترو.
وهناك فوجئ بشرطيّ ينتصب أمامه وقد هاله منظر الدماء على ثياب هذا الرجل الذي يتلفّت ذات اليمين وذات الشمال، فأخرج قيودا وكأنها صنعت خصيصا لمعصمي عز الدين، وأخذت الشرطة تتحرى عن أمره، فوجدت أنه من الفريق الثوري الذي احتلّ السفارة وخرج منها مطاردا بدمٍ على ثيابه وجوع يمزّق بطنه الخاوي. فزجّوا به في السجن.
كان السجن ضيّقا يكاد لا يتّسع لجسد عز الدين، فقياساته لم تكن تتجاوز المتر المربّع وبارتفاع ستة أمتار كاملة.
شعر عزّ الدين أنه ألقي في غياهب الجبّ، وربما فكّر أنه سيقنع المحققين أن الدم الذي على ملابسه ليس سوى دم كذب. وكان كلما رفع بصره يشعر أنه في بئر لا قرارة لها، وأنه ملقى فيه بلا إخوة.
وفي ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي دخل عليه ثلاثة أشخاص، وبعد أولّ ضربة وجّهوها له لم يعد يدرك هل هبطوا عليه من السقف أم خرجوا من باطن الأرض.
كان اثنان منهما يتناوبان على ضربه، بينما كان الرجل الثالث طبيبا يشرف على العملية برمّتها حتى لا يُصاب في موضع القلب أو تُسدّد إليه ضربة قاتلة.
ضربوه حتى تهشّمت عظامه ولم يتركوه إلا بعد أن أغمي عليه من فرط الألم.
وفي اليوم التالي وقبل أن يتعافى هبطوا إليه بحبال غير مرئية، أو ربما خرجوا من باطن الأرض، لأن الأمر لم يعد يشكّل فرقا حقيقيا لعز الدين، ثم انهالوا عليه بالضرب كما فعلوا في اليوم السابق أمام ناظري الطبيب ذاته، ولم يتركوا جسده إلا بعد أن فرّغوه من قدرته على مقاومة وتحمّل أي ضربة جديدة، فأغمي عليه.
وفي اليوم الثالث وقبل أن يهمّوا بضربه صرخ عزّ الدين بصوتٍ متهدّج: حبّا بالله اتركوني وشأني وسأعترف لكم بما تشاؤون. بل مستعد للاعتراف بتحمّل جميع الجرائم التي حدثت في لندن منذ حريقها الكبير عام 1666 وحتى اقتحام السفارة.
ولو تركوه قليلا لقال لهم وهو يرمقهم بعينين جاحظتين: هل قلتُ لكم إنني جاك السفاح الذي روّع لندنكم قيما مضى بشحمه ولحمه؟.

http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_article_indetail.php?articleid=12