Wednesday, 6 September 2017

منزلة الجَبْهة



الجَبْهة: 6 أيلول (سبتمبر) – 19 أيلول (سبتمبر)
|| #محمد_أحمد_السويدي || #منازل_القمر 
أدعوكم للتعرف على منزلة "الجَبْهة" من مشروعنا منازل القمر والذي يعرض للتقويم الشمسي عند العرب، الذي اعتمد عليه أجدادنا حتى وقت قريب. وهو جزء من كتاب يصدر قريباً يحمل ذات العنوان "منازل القمر"
#محمد_أحمد_السويدي
"الجَبْهة"، ثاني أنواء "سُهَيْل" الأربعة، وثاني "الصّفري" عند العامَّة، وأوَّل منازل الخريف، وعاشر المنازل الشَّاميَّة، وطالعه في السَّادس من أيلول (سبتمبر). ويكون طلوع نجم "سُهَيل" اليماني في الجنوب، وإنْ لم يظهر عيانًا. و"الجَبْهة" أربعة كواكب (نجوم) خلف "الطَّرْف"، فيها اختلاف بين كلِّ كوكبين في رأي العين، وهي معترضة من الجنوب إلى الشمال، والجنوبي منها يدعوه المنجِّمون "قلب الأسد". 
و"الجَبْهة" أطول الأنواء، تنزله الشَّمس لمدَّة 14 يومًا، فتكتمل بذلك السَّنة الشَّمسيَّة وتبلغ 365 يومًا.
في العلم الحديث وما أظهرته المراصد والتلسكوبات، فإنَّ "الجَبْهة"، نجم ثنائي عملاق برتقالي اللون، وهو ثاني أشد نجوم كوكبة الأسد سطوعًا. يبلغ قدره الظَّاهري 1.98، والقدر الظَّاهري للنَّجم الأشد سطوعًا 2.14، وزمرته الطَّيفيَّة KO lll، وهو على بعد 130 سنة ضوئيَّة عن الأرض.
وللنجم المرافق قدر ظاهري هو 3.39، وزمرته الطَّيفيَّة G7 lll، وتألُّق الأكبر منهما 180 ضعف تألُّق الشَّمس، وقطره 23 ضعف قطرها. أمَّا النجم المرافق، فيبلغ تألُّقه 50 ضعف تألُّق الشَّمس، وقطره 10 أضعاف قطرها، علمًا أنَّ قطر الشَّمس يساوي 109 أضعاف قطر الأرض، أي أكبر بمليون مرَّة.
من التغيرات التي يحدثها طلوع "الجَبْهة "في المناخ والطبيعة، برودة الجو ليلًا مع استمرار الحرارة المرتفعة وسط النهار. وفيها يبدأ اعتدال الطَّقس، وتندر الغيوم، وتنخفض الرطوبة، وينضج الليمون، وتهاجر طيور القُمْري، والكرك الصغير. وَتُصْرَمْ أشجار النخيل وتزرع فسائله، وَتُشَتَّلُ الأشجار، وُيُخْرَفُ التَّمر، والبِرْسيم، والشَّعير، والذُّرة البيضاء، والخِيار، والملفوف، والبطاطا الحلوة، والقرعيات، والكوسا، والفاصوليا، والبصل، والفُلفل، والبصل الأخضر، وغير ذلك من الخضروات. 
وفي "الإمارات" يزهر طيف من النباتات في منزلة "الجَبْهة" منها: "الحَبْن" (الدِّفْلى) الذي ذهب في اللون مذاهب التَّرف، و"الأشخَر"، و"المرخ"، و"الخرز" الذي يؤثر السِّباخَ والمِلح، و"الخَريط" التي تُؤْثِر "حتَّا" و"الذيد" و"الشويب" و"حَفيت"، و"الحنظل" الذي تغنَّى به "عنترة"، و"اللثب" ذو التين المخادع، و"السِّدْر" المختلف الألوان، و"العوسج" ويسمَّى "الصريم"، و"الطقيق" بزهورها كالحليّ، و"بربين الجدي"، و"القطب" ويسمَّى "الحسك"، و"الْهَرْم"، وغيرها. 
"الجَبْهة" نوء محمود عند قدامى العرب، فلقد جاء في المأثور عنهم قولهم: "لولا الجَبْهةُ، ما كان للعرب إبل". وأفضل ربيع عندهم ما جاد به نوء "الثُّريَّا"، ثمّ يتبعه نوء "الجَبْهة". والربيع لا يأتي للدَّلالة على الفصل المعروف، بل على ما يخرج من الأرض فتعشب. ويقولون في هذا الأمر: "ما اجتمع مطر الثُّريَّا في الوسمي، ومطر الجَبْهة في الربيع، إلَّا كان ذلك العام تام الخصب، كثير الكلأ". 
قال ذو الرُّمَّة:
مُجلجلَ الرعدِ عرَّاصًا إذا ارتجستْ نوءُ الثُّريَّا بهِ أو نَثْرةُ الأَسَدِ
ويعتقد العرب أنَّ الزَّواج فيه يوقع الفراق بين الرجل والمرأة. 
يقول ساجع العرب: "إذا طلعت الجَبْهة، تحانَّت الوَلْهة، وتنازت السَّفَهة، وقلَّت في الأرض الرَّفهة". 
"تحانَّت الولهة"، وهي النَّاقة لأنَّ أولادها مُيِّزت عنها وفُصلت، فتسمع حنين الأمهات، والحنين عند العرب لا يكون إلا إثر فراق. و"تتنازى السَّفَهة" لأنهم في خصب من اللبن والتمر، فيبطرون. 
قال الرَّاجز:
يا ابْنَ هِشامٍ أهلكَ النَّاسَ اللَّبَنْ فكلُّهم يَعْدو بِقَوْسٍ وقَرَنْ
وإذا "تنازت السَّفَهة، قلَّت الرَّفاهة"، ودبَّت الخَشْية، واحتاجوا إلى حفظ أموالهم وجمع مواشيهم ونعمهم خوف الغارة، فلا يغير قوم على قوم إلا إذا توافرت النِّعم وأخصبت المراعي.
ووقت طلوع"الجَبْهة"وسقوطها محمود. يقال: "ما امتلأ وادٍ من نوء الجَبْهة ماءً إلَّا امتلأ عشبًا". وقالوا: "إذا طلعت الجَبْهة، انكسر الْحَر، وامتدَّ الظَّمأ، وتباعدت الإبل في مراعيها". ومعناه يكثر الكِرْش (تسمن المواشي) ويغلظ، فيمسك الماء ويطول لذلك ظمؤها، وإذا قصر (قلَّ) الظَّمأ، رعت حول الماء. 
ومن أمثالهم: "اللُّقوح الرَّبعيَّة مالٌ وطعامٌ". ويضرب مثلًا لسرعة قضاء الحاجة. أما "اللُّقوح الرَّبعيَّة" ، فهي النَّاقة ذات اللَّبن التي تُنْتِجُ في الربيع.
قال الرَّاجز: 
إذا رأيتَ أنْجمًا مِن الأسدْ جَبهتهُ أو الخَرَاةَ والكَتَدْ
بالَ سُهيلٌ في الفَضِيخِ فَفَسَدْ وطابَ ألبان اللِّقاحِ وَبَرَدْ
((
"الخراة" هي نجم من "الأسد". و"سُهَيل" يطلع بالحجاز مع طلوع "الجَبْهة"، ومع طلوعها، يذهب البُسْرُ ويصير رُطبًا. و"الفَضِيخ" نبيذ يُتَّخَذُ من البُسْرِ، فلما كان الفضيخ ينقطع مع طلوع "سُهَيْل"، والشراب يفسد بأن يبال فيه، فقد جعل سُهَيلًا كأنَّه بال فيه.
قال ابن نُبَاتة السَّعدي: 
جَادَ قَصر السَّلامِ نوءٌ من الجَبْـ ـهةِ يَنفي حنَّانَةً زعزوعَا
صُنْعٌ لا يزالُ بالطَلِّ والوَبْـ ـلِ إلى أَنْ تَرى المصيفَ رَبيعَا
قال أحمد بن شاهين القبرسي:
عَجِبْتُ للشَّمسِ إذْ حلَّت مؤثِّرةً في جَبْهةٍ لَمْ أَخَلْها قَطُّ في البشرِ
وإنما الجَبْهةُ الغرَّاءُ منزلةٌ مختصَّةٌ في ذرى الأفلاك بالقمرِ
ما كنتُ أحسَبُ أنَّ الشَّمس تعشقُهُ حتى تبيَّنتُ منها حدَّةَ النَّظرِ
وقال القاضي التَّنوخي:
كأنَّما النَّثْرةُ أَثْرُ نَمَشٍ أو كَلَفٍ عَلى الخُدودِ قَدْ عَلَا
كأنّما الْجَبْهةُ في آثارِهِ سَيْلٌ على آثارِ عَقْبٍ قَدْ سَرَى
وقال بشر بن أبي خازم:
يَجْري الرَّذاذُ عليه وَهْو مُنْكَرِسٌ كَما استكانَ لِشَكْوَى عَينِهِ الرَّمِدُ
بانَتْ لهُ العقربُ الأولى بِنَثْرَتها وَبَلَّهُ مِنْ طُلوعِ الْجَبْهةِ الأَسَدُ
وقال فتيان الشَّاغوري:
لَو بِسِهامِهِ رَمى عَن قَوسِهِ دَلوَ السَّماءِ صارَ لِلمَوتِ شَبَكْ
وَالأَسَدُ العُلوِيُّ لَو بارَزَهُ هَوى عَلى الجَبْهَةِ مَخلوعَ الحَنَكْ
يَخشى السِّماكُ الرامِحُ اطِّعانَهُ فَهوَ أَسيرُ أَفكَلٍ( ) لَيسَ يُفَكْ
قال إخوان الصَّفا في نزول القمر بـ "الجَبْهة": "فاعمل فيه نيرنجات الإطلاق، وحل عقد الشَّهوة والسُّموم خاصة، واعمل فيه الطلسمات، ولا تدبِّر فيه الصَّنعة، ولا تدعُ فيه بالروحانية، ولا تعالج من الأرواح وغيرها، وادخل فيه على الملوك واسعَ في حوائجهم، واتصل فيه بالأشراف والإخوان، واحصدْ فيه وازرع، وتزوَّج في هذا اليوم، فإنه يوم محمود العاقبة، وسافر فيه. ومن ولد في هذا اليوم، إن كان ذكرًا كانَ داهية مكارًا ذا حيل وخدائع، وإن كانت أنثى كانت حظيَّة عند الرجال، غالبة الشَّهوة، شديدة الحرص عليهم، مستورة الحال". 
مولد هرقل
لأنَّ الجَبْهة في كوكبة الأسد، ولأنَّ قاتل الأسد هو البطل هرقل، تزعم عجائز الإغريق أن هرقل ما هو إلَّا ابن سفاح من "زوس" و"ألكمين" Alcmene، زوجة "أمفيتريون" Amphitryon، (وأخ غير شقيق لـ"إفِكليس Iphicles)، وحفيد عظيم لـ"بيرسيوس"Perseus . كان "هرقل" أعظم أبطال الإغريق، كما أنه مثل أعلى فى الرجولة، وسلف للـعشائر الملكية. اسمه لدى الإغريق والرومان "هيراكليس"، وقد أصبح بطل الجماعة الأولمبية ضد وحوش "شتونيك" Chthonic. وفي روما والغرب الحديث عرف باسمه المخفَّف "هركل"، وفي المدونات العربية "هرقل". وكان هذا الاسم محبوبًا لدى العديد من الأباطرة الرومان، وعلى وجه الخصوص "كومودوس" Commodus و"ماكسيمينس" Maximinus حيث أخذا الاسم وأطلقاه على نفسيهما. وتبنَّى الرومان الأسطورة الإغريقيَّة عن حياته، وأجروا فيها تغييرًا جوهريًا، فأضافوا لها تفاصيل من واقعهم وحياتهم، ومنها ما كان يربط البطل بمحيطه الجغرافي، البحر الأبيض المتوسط. 
كان "هرقل" يتمتع بعدد من الميزات الخارقة، ومنها قوته الاستثنائية، شجاعته العالية، إبداعه بالفنون، طاقته الجنسية في المعاشرة المثلية والأنثوية. وبالرغم من أنه لم يكن ماهرًا كـ"أودسيوس" Odysseus أو "نيستور" Nestor، لكنَّه استخدم ذكاءه في عدة مناسبات حين كان مضطرًا إلى مزيد من القوة لتحقيق هدفه. ومن هذه المناسبات عندما عمل لدى الملك "أوجيوس"Augeias ، حيث صارع العملاق "أنتيوس" Antaeus، وأيضًا عندما قام بخداع "أطلس" وجعله يعيد السماء إلى كتفيه مرة أخرى. وكان مع "هيرمس" Hermesالحامي والراعي لـ"جيمنسيا" Gymnasia و"بالسترى" Palaestae. وقد استطاع أن يقتل أسد نيميا Nemeaبالهراوة ويسلخ جلده بمخلبه ليتَّخذ منه معطفًا، كما جعل من فكَّيه خوذة. وإلى جانب هذه الصفات البطولية كان مولعًا باللَّعب، يمارس ألعابه حين يميل للراحة والاسترخاء من أعماله، وكان يحلو له أن يلعب كثيرًا مع الأطفال بإظهار فنون المهارات القديمة، رغم خطورتها، وكان يقول عنها إنَّها "جعلت العالم آمنا للـسُّلالة البشرية" وعملت على تحسينه.
الولادة والطفولة 
كان العامل الرئيس في مأساة "هرقل" هو أنه كان محط كراهية الإلهة "هيرا" وهدف انتقامها، مدفوعة بغيرتها الشديدة على زوجها "زوس"، وخاصة أنها كانت عاجزة عن إيذائه فركزت انتقامها على هرقل. والسبب في كراهية "هيرا" لـ"هركل" أنه نسل غير شرعي من "زوس". فقد كان ثمرة علاقة "زوس" بالمرأة الفانية "ألكمين"، التي كان يكن لها حبًّا شديدًا فاختلى بها متنكرًا بهيئة زوجها الغائب. لكن "أمفيتريون" عاد إلى زوجته فى نفس الليلة ليقضي وطره منها. وهنا تضيف بعض الروايات أنَّ خلافًا نشب بين الزوجين، إذ استنكرت "ألكمين" أن يغشاها مرتين في الليلة الواحدة، وقد أثارت بذلك ريبته وكان لا بدَّ من استشارة العرَّاف ليوضح لهما الإشكال. وهكذا أصبحت "ألكمين" حاملًا بتوأمين غير شقيقين. وكانت هذه الحالة من أغرب الحالات حيث تكون المرأة حاملًا باثنين من أبوين مختلفين، لكن الأسطورة جعلتها حالة ممكنة لأنَّ أحدهما إله. وهكذا أصبح وجود "هرقل" دليلًا على نزوة "زوس" الآثمة. وكانت "هيرا" تتآمر باستمرار عليه لأنه نجل "زوس" من زوجة فانية. وفي ليلة مخاض "ألكمين"، وقبيل ولادة التوأمين غير الشقيقين، ألحَّت على زوجها حتى جعلته يقسم على أنَّ الطفل الذي سيولد في هذه الليلة لأحد أحفاد "بيرسيوس" سيصبح هو الملك. وحين اطمأنَّت هيرا إلى قسم "زوس" أسرعت إلى بيت "ألكمين" لتبطئ عملية الولادة، مستعينة بـ"أليزيا"، إلهة القبالة والتوليد، التي قامت بتسريع ولادة "إفِكليس" حتى يصبح هو الملك، ثم أجلست الأم القرفصاء وربطت ساقيها بعقدة أدَّت إلى انحصار"هرقل" في الرَّحم، لتؤخِّر ولادته بشكل دائم. ولكن "جالانتس"، خادمة "ألكمين"، خدعت القابلة قائلة إنَّ "ألكمين" وضعت المولودين بالفعل، مما جعلها تقفز فجأة، وتنحل العقدة وتتم عملية الولادة دون قصد. في الأصل سُمِّي الطفل باسم "ألسيدس" من قبل والديه، وعرف مؤخرًا باسم "هركليس"، ومعناه "مجد هيرا"، ولم تكن هذه التسمية إلا محاولة فاشلة لتلطيف "هيرا" التي كانت عازمة على الانتقام. وبعد عدة شهور من ولادته أرسلت "هيرا" ثعبانين لقتله وهو في مهده، لكنَّه قبض بيديه على الثعبانين من عنقيهما وخنقهما، ثم راح يلعب بجسديهما الهزيلين كما لو كانا من لعب الأطفال. وقد فوجئت الممرضة بالمشهد الرهيب.
وبعد أن قتل "هرقل" معلم الموسيقى الخاص به "لينوس" Linus بواسطة قيثارة، أرسله أبوه بالتربية "أمفيرتون" لرعاية الماشية على أحد الجبال. وطبقًا للمثل المجازي (اختيار هركليس) الذي اخترعه السفسطائي "برودكس" Prodicus، فقد عمدت حوريتان -"بليجر Pleasure وفيرشو" Virtue- إلى زيارته وعرضتا عليه الاختيار ما بين حياة لطيفة وسهلة.. وحياة قاسية لكنها مجيدة، فاختار الحياة الأخيرة. وكانت هذه إحدى تحديات "هرقل" وضعها له الملك "ذاسبيوس" Thespius ملك ذاسباي Thespia والتي طلب فيها منه قتل أسد "ثيسيرون" Cithaeron. وكانت مكافأة الملك له أن جعله يقوم بتلقيح كل من بناته الخمسين، إذ كان يدفع إليه كل ليلة بواحدة، وهو مخمور. وتعرف هذه الحادثة في بعض الروايات بالعمل الثالث عشر لـ"هركليس. وبعد ذلك تزوج البطل من "ميجارا" Megara، ابنة الملك "كريون" Creon. لكن "هيرا" لم تغفل عن مكيدة الانتقام، فأصابته بنوبة من الجنون ودفعته خلالها إلى قتل زوجته وأطفاله. وبعد أن أدرك سوء فعلته هرب إلى "عرافة ديلفي" المجهولة، وكانت هذه تعمل بتوجيهات "هيرا"، فساقته إلى خدمة الملك "يوريستيوس" Eurystheus لمدة اثني عشر عامًا، وأمرته بأن يقوم بأي مهمة يحتاجها الملك. وهكذا نشأت مهمات "هرقل" الاثنتي عشرة .