Tuesday, 20 June 2017

الدَّبَران 20 حزيران (يونيو) - 2 تموز (يوليو)


الدَّبَران 20 حزيران (يونيو) - 2 تموز (يوليو)
ندعوكم للتعرف معنا على منزلة الدبران من مشروعنا الجديد #منازل_القمر للشاعر والمفكر الإماراتي#محمد_أحمد_السويدي ،
من إصدار القرية الإلكترونية، وهي جزء من الكتاب الجديد للشاعر محمد أحمد السويدي (منازل القمر)، والذي سيصدر قريبا.
ونعرض هنا تباعا ًالثماني وعشرون منزلة التي ينزلها القمر كل عام، قوامها ثلاثة عشر يوماً لكل منزلة، عدا جبهة الأسد أربعة عشر يوماً، ما يجعل السنة 365 يوماً تمثل التقويم الشمسي للعرب.
"الدَّبَران"، هو نوء التُّويبع، وثاني منازل الصيف، وآخر مَرْبعانية القيظ، ورابع المنازل الشَّاميَّة، وطالعه في العشرين من حزيران (يونيو)، ومدَّته ثلاثة عشر يومًا.
ويطلق عليه "عين الثور"، و"تالي النَّجم" لكونه يطلع تلو "الثُّريَّا"، كما يطلق عليه "حادي النَّجم"، و"المِجْدَح"( ).
وهو كوكب أحمر نيِّر من منازل القمر. وبين يدي "الدَّبَران" كواكب كثيرة مجتمعة، فيها كوكبان صغيران يكادان يتماسَّان لقرب ما بينهما تقول عنهما الأعراب "هما كلباه"، ويقال للبواقي "هي قِلاصه" (نوقه)، ويقال" غنمه".
وتبيَّن العلوم الحديثة أنَّ "الدَّبَران" (Aldabaran) نجم أحمر عملاق وصل إلى مرحلة تطوُّرِه الأخيرة، أوشك على نفاد الهيليوم، وبدأ الهيليوم في التحوُّل بدوره إلى كربون، فترتفع بذلك حرارته، ويتمدَّد غلافه المكوَّن من "بلازما الهيدروجين". يبلغ "قدره الظاهري" 0.87، وزمرته الطَّيْفِيَّة K5 lll، أي 125 ضعف تألُّق الشَّمس. فهو ألمع نجوم "كوكبة الثور"، وتبلغ كتلته 2.5 ضعف كتلة "الشَّمس"، ويبعد نحو خمسة وستِّين سنة ضوئيَّة عنها، وقطره 44.2 مرة ضعف قطرها، فلو كنَّا في مجال فلكه لبلغ محيطه "الأرض"، وهذا هو المصير الذي تنتظره شمسنا بعد ملايين السِّنين، إذ سيتمدَّد غلافها شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى "عطارد"، فـ "الزُّهرة"، فـ "الأرض".
في" الدَّبَران"، تهب" البوارح"، وهي من أشهر الظواهر الجوية الصَّيفيَّة في منطقة الخليج، وهي رياح شمالية غربية ناشطة مثيرة للغبار. وفيه تجفُّ الغدران، ويحمد فيه أكل البقول والبصل، ويُستعمل كلُّ بارد رطب أو ما كان في طبعه البرودة كالقرع والقِثَّاء والألبان. وفيه يسودُّ العنب، ويتلوَّن البلح في طلع النَّخل، وتكثر فيه ثمار التِّين الشَّوكي (البرشومي).
في "الإمارات" يزهر طيف من النباتات في "الدَّبَران" منها: "الشرهام" الذي يُؤثر الجبال والوديان، و"الطقيق"، و"العوسج"، و"الحمرة"، و"اللثب" الفارع القوام، و"الأسل" ويسمُّونه "السلي"، و"الثندة" ذات الزغب والصوف، و"الحُبَاب" أو "العظلم"، و"العرفج"، و"الحارَّة" التي تتألَّق زهورها كالشَّمس، و"شوك اليمل" (الجمل)، و"الخرز الذي زاده الملح، و"الصُّفير"، و"الأشخَر" المشرَّب بالبنفسج، و"الحَبْن" (الدِّفْلى)، و"الخناصر"، و"الحرمل" الذي تستريح له الأفاعي، وغير ذلك من نباتات.
وكما جاء في الثُّريَّا - أنَّ "الدَّبَران" خطب" الثُّريَّا" من القمر، فأبت الثُّريَّا وظل "الدَّبَران" وكوكباه (كلباه)، في إثر "الثُّريَّا" وهي مشيحة بوجهها عنه حتَّى قيل: "أوفى من الدَّبَران وأغدر من الثُّريَّا". أو "أوفى من الحادي، وأغدر من الثُّريَّا".
وحسبوا مقدار المسافة (الفرجة) بين غروب "الثُّريَّا" وغروب "الدَّبَران"، فسمُّوها "ضَيْقَة"، وتشاءموا منها ومن "الدَّبَران" حتى قالوا: "إن فلانًا أشأم من حادي النجوم"، واعتقدوا أنَّ الزَّواج فيه يورث الفقر للزوجين.
قال رجل من بني العنبر: "إني لأصُرُّ (أحبس) إبلي، وما هي بالكثيرة، حين يطلع النجم (الثُّريَّا) فما أفرغ من صَرِّها حتى يطلع الدَّبَران".
ونوءه (مطره) ثلاث ليال، ويقال ليلة. وهو غير محمود، وتطيَّروا من المطر فيه، وزعموا أنهم لا يمطرون بنوء "الدَّبَران" إلا وتكون سنتهم جدبة. واعتقد العرب أنَّ الزَّواج فيه يورث الزوجين الفقر.
قال ساجع العرب عن دخول "الدَّبَران": "إذا طلع الدَّبَران توقَّدت الحِزَّان، وكُرهت النيران، واستعرت الذُّبَّان، ويبست الغُدران، ورمتْ بأنفسها حيث شاءت الصِّبْيان". والحِزَّان هي الأرضون الصلبة، وأحدها حزيز لشدَّة وقع الشَّمس. ويكره الدنو من النيران. وتَهِيج الذُّبَّان. ولا يُبالي الصِّبْيان حيث رموا بأنفسهم لأنهم لا يخافون بردًا ولا مطرًا.
ومن أشعار العرب في "الدَّبَران" قول ذي الرُّمَّة:
وَماءٍ قَديمِ العَهدِ بِالناسِ آجِنٍ كَأَنَّ الدَبا ماءَ الغَضى فيهِ يَبصُقُ
وَرَدْتُ اعتِسافا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّها عَلى قِمَّةِ الرَّأسِ ابْنُ ماءٍ مُحَلِّقُ
يَدُفُّ عَلى آثارِها دَبَرانُه فَلا هُوَ مَسبوقٌ وَلا هُوَ يَلحَقُ
بِعِشرينَ مِن صُغرى النُّجومِ كَأَنَّها وَإياهُ في الخَضراءِ لَو كانَ يَنطِقُ
قِلاصٌ حَداها راكِبٌ مُتَعَمِّمٌ هَجائِنُ قَد كادَت عَلَيهِ تَفَرَّقُ
والأبيات تروي الحكاية المعروفة( ) عن الدَّبران والثُّريا.
أمَّا درهم بن زيد الأنصاري، فقال:
وأَطْعُنُ بالقَوْمِ شَطْرَ المُلو كِ حتَّى إذا خَفَقَ المِجْدَحُ
و"المِجْدَح" هو "الدَّبَران"، و"مَجاديحُ السَّماء"، أنواؤُها.
وقال طُفيل الغنوي:
أَمَّا ابنُ طَوْقٍ فقد أَوفى بذمَّتِهِ، كما وَفى بقِلاصِ النجم حاديها
و"قِلاصُ النَّجم"، هي النُّجوم العشرون التي ساقها "الدَّبَران" في خِطبة "الثُّريَّا"، كما تزعم العرب.
وفي وصف آخر لـ "الدَّبَران"، قال ابن درَّاج القسطلِّي:
وتَخلَّفَ العَيُّوقُ فَهْوَ كَأَنَّهُ سارٍ تَضَلَّلَ فِي فضاءٍ مَجْهَلِ
وتعرَّضَ الدَّبَرَانِ بَيْنَ كواكِبٍ مِزَقٍ كَسِرْبِ قَطًا ذُعِرْنَ بأَجْدَلِ
وكواكِبُ الجوزاءِ تَهْوِي جُنَّحًا مِثْلَ الخوامِسِ قَدْ عَدَلْنَ لِمَنْهَلِ
أمَّا ابن سنان الخفاجي، فذكر "الدَّبَران" في وصف مختلف بقوله:
فَيالَيتَني شاطَرتُكَ الشَّر سامِحً بِبَسطِ بنانٍ لِلأَذى وَجنانِ
وَأَصبَحَ قَلبانا نَديمَي نَوائبٍ كَما غُودِرا في الخَفضِ يَصطَحِبانِ
وَمِثلَكَ أَردَتْهُ اللَّيالي فَإِنَّه تحلُّ الثَّرى في مَوطِنِ الدَّبَرانِ
وللأخطل في ذكر "الدَّبَران" لمَّا حلَّ ضيفًا على سعيد بن بيان التَّغلبي، حكاية لا تخلو من فكاهة. كان سعيدٌ رجلًا دميمًا أعورَ ذا مالٍ كثيرٍ، وكان سيِّد بني تغلب بالكوفة، وكانت تحته بَرَّة بنت أبي هاني التغلبي، وهي من أجمل النساء، فاحتفل به سعيدٌ وأحسن صلته وأكرمه، فلما أخذت الكأس من الأخطل، جعل ينظر إلى وجه بَرَّة وجمالها، وإلى دمامة زوجها وعوره، فتعجب منها ومن صبرها عليه، فقال له سعيدٌ: "يا أبا مالكٍ، أنت رجل تدخل على الخلفاء، والملوك، وتنظر إلى هيئتهم، وتأكل من طعامهم، وتشرب من شرابهم، فأين ترى هيئتنا من هيئتهم؟ وهل ترى عيبًا تنبهنا عليه؟". فقال له الأخطل: "ما لبيتك عيبٌ غيرك". فقال له سعيدٌ: "أنا والله أحمق منك يا نصراني حين أدخلتك منزلي"، وطرده، فقال الأخطل:
وكَيْفَ يُدَاوِيني الطَّبيبُ منَ الجَوَى وبَرَّةُ عِنْدَ الأَعْوَرِ ابن بَيَانِ
ويُلْصقْ بَطْنًا مُنْتنَ الرِّيحِ مُجْرِزًا إلى بَطْنِ خَوْدٍ دائم الخَفَقانِ
يُنَهْنِهُني الأَحراسُ عنها ولَيْتَني قَطَعْتُ إِليها اللَّيْلَ بالرَّسَفَانِ
فهَلَّا زَجَرْتِ الطَّيْرَ إذْ جاءَ خاطبً بضَيْقَةَ بَيْنَ النَّجْمِ والدَّبَرَانِ
وقصة أخرى تروى عن أسد بن ناغضة في شأن عبيد بن الأبرص لمَّا قتله النعمان بن المنذر في يوم بؤسه قوله:
غداةَ توخَّى المَلْكَ يَلْتَمِسُ الْحَيا فصادَفَ نَحْسًا كَانَ كالدَّبرانِ
(ذكروا أنه كان للنعمان يومان، يوم بؤس لا يرى فيه أحدًا إلا قتله، ويوم نُعْم لا يرى فيه أحدًا إلا وصله).
أمَّا إخوان الصَّفا، فحثُّوا في رسائلهم على عمل نِيْرَنْجات العداوة والبغضاء خاصَّة في منزلة "الدَّبَران"، وقالوا: "لا تدخل فيه على الملوك، ولا تسعَ في حوائجهم ولا تتَّصلْ بهم، ولا تستفتح عملًا في تدبير الصَّنعة ولا في تدبير طلسم ولا دعوة ولا زَرْع ولا غرس، ولا تكتلْ غَلة، ولا تعالج فيه أحدًا، ولا تتزوَّج، ولا تسافرْ، فإنَّ ذلك كله غير محمود العاقبة. ومن ولد في هذا اليوم، إن كان ذكرًا كان محذورًا خبيث الدَّخيلة والسِّيرة، شرِّيرًا قتَّالًا، وإن كانت أنثى كانت فاجرة متهتِّكة لا يحبُّها أحدٌ ولا تحظى عنده".
خطف أوروبا
لمَّا كان "الدَّبَران" هو عينُ الثَّور التي يبصر بها، تذهب الأسطورة الإغريقية إلى أنَّه وأثناء هبوط الثيران من أعلى الجبل صوب الشاطئ حيث كانت "أوروبا"، ابنة الملك "أجينور" Agenor، تلهو مع أترابها عذارى صور Tyre، Sur خرج "جوبيتر" Jupiter في هيئة ثور يستعرض جماله فوق العشب الناعم، طاعنًا في بياضه كثلجٍ لم تطأه قدم. قدَّمت الفتاة له أزهارًا ناصعة البياض، فاستولى عليه الفرح. قبَّل يديها، وعندما بدَّد خوف الفتاة شيئًا فشيئًا، تجرَّأتْ وامتطتْ ظهره. في تلك البرهة، بدأ "جوبتير" يرتفع رويدًا رويدًا ليغمس في الأمواج سيقانه الماكرة، ثمَّ ابتعد عن صور حاملًا غنيمته الملكية في عرض البحر. التفتت "أوروبا" إلى الشاطئ الذي راح ينأى بعيدًا، فأمسكت بِوَجَلٍ قرنَه الأبيض بيد، وبالأخرى ردفه، وأخذت ثيابُها التي حرَّكها ارتعاش الخوف تتموَّج على هوى الريح".
وبعد أن قضى الثَّور الأبيض "جوبيتر" قضى من" أوروبا" وطرًا، أنجب منها ثلاثة أبناء هم مينوس وساربيدون ورادامانت ولقد قدم لها ثلاث هدايا هي: سهم يصل دائمًا إلى هدفه، كلبٌ لا يترك مجالًا لأية طريدة تفلت منه، وعملاقٌ صُنع من البرونز مهمته حراسة جزيرة تالوس، ولقد وأسكنها على جبل الأولمب، أما ثور السَّماء، فما زال يسبح في ظلمات الفلك لا يبدو للعيان سوى رأسه وقرنيه المكلَّليْن بهالة من الضِّياء.