Tuesday, 29 December 2015

موسيقى الفصول




يسألونك عن موسيقى الفصول، قل هي من صنع الله، لا من وحي ذلك البائس البندقيّ. فالله تعالى المفتون بما خلق، والمسكون بفصوله الأربعة التي جعلها زينة للعيون، شاء أن ينظمها لحنا يكون زينة للأسماع، فاصطفى فيفالدي الفتى العليل الأصهب من مدينة البندقيّة آلة ينظم عليها لحنه. وما إن فرغ من عمله واطمأن إلى أنّه قد بلغ فيه الغاية، حتّى اهتّز طربا بما صنع، وفي ذروة فرحه حطّم الآلة.
كنت في غرفتي 340 بفندق الباور في البندقيّة، عندما حمل لى موظّف الإستقبال رسالة غريبة بدا عليها البلى كتبت بحبر قديم، علمت أنّها دعوة من البيرتي روسو موجّهة إليّ بالإسم وتصر على حضوري عرض فرقة موسيقيّة في العاشرة صباح الغد في ساحة السان ماركو.
في صباح اليوم التالي، خرجت وصاحبي لتلبية الدعوة. كان ارتيابنا كبيرا إذ خلت الطرق من المّارة، وران على المكان الصّمت، وبينا نحن نغذّ السير صوب السّاحة، إذ بدا شاب أصهب، وقدّم نفسه بإسم البيرتي روسو، وراح يقودنا إلى ساحة سان ماركو الخالية، أخرج من جيبه حفنة من تراب متوّهج وراح ينثره على أرض السّاحة حتّى زلزلت، وأخرجت أثقالها، فرقة من العازفين تولد من رحم الأرض، ونحن في هلع، بلغت فيه قلوبنا الحناجر، ستّة عشر عازفا ممّا تعدّون، احدهم قابل بيانو ضخم ، وإثنان جلس كلّ منهما إلى شيللّو عملاق، وآخر وقف إزاء الباص العظيم والبقيّة يحملون الكمنجات، تقدّم إلينا جوليانو كارمينولا قائد الفرقة وانحنى مرحبّا، وما أن صفّق الأصهب حتّى بدأت الفرقة بعزف الحركة الثالثة السريعة –البريستو- من فصل الصيف، بدأ هزيم الرعد وعصف الريح ترسله تلك الآلات السحريّة، وانبعثت الحمائم والبلابل من تلك الأوتار، ثلاث دقائق فقط، ثمّ صفّق الأصهب فغابت الفرقة والقائد في الأرض بلمح البصر، ألهبت الموسيقى سّاحة القدّيس، التي بعث بها الناس من جديد، وعلا ضجيجهم، سرنا نبحث عن روسو بين الجموع، فلم نعثر له على أثر، سوى تلك البطاقة العتيقة (الدّعوة) التي حملت توقيعه.


  http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_article_indetail.php?articleid=40