Monday, 14 November 2016

إنّها من جنود سعد



نحن الآن في سعد الأخبية (منزلة من منازل القمر)، أو كما يُعرف عند البعض بالحميمين
أتجول في متنزّه كاشيني في فلورنسا واسطة عقد إيطاليا، في جو تبلغ حرارته 18 مئوية، لمحت سحليّة اسطنبول الخضراء، إنّها من جنود سعد. ولقد وطّنت نفسي على ارتداء ملابس ثقيلة كلما غادرت خارجا، وها أنا أشعر بالغليان كما لو أن سعد الأخبية دثّرني بأخبيته كلها حتى بدا لي وكأن الحرارة بلغت الأربعين مئوية، فخرج لي طيف جدي خليفة رحمه الله في نخل مزرعته في الجيمي...
قال بجذل وهو يشير إلى شجرة هنبا (مانجو): هنا غرس الولد أحمد (والدي) هذه الشجرة بعد أن رمى بصلّامة (نواة المانجا) مانجو، كانت محض صلّامة، وها هي الآن شجرة باسقة، فكم ظلّلتْ هذه الشجرة طفولتي بأغصانها الوارفة، بيد أنها لم تعد موجودة الآن، فلقد سقطت إثر هبوب ريح عاصفة، وكم أحببت ثمارها، وانجذبت إلى العبق الشذي في الهنبا العماني.
كان جدي خليفة رحمه الله يحبّ والدي ويقرّبه ويؤثره على جملة أولاده ولم يكن يطيق صبرا على فراقه، وعندما دخل الوالد معترك السياسة وأصبح وزيرا للخارجية، لم ينقطع عن محادثة والده بشكل يوميّ، ولكن الهاتف، هذه الآلة التي كانت على أيام جدي بمقبض يأخذ شكل اليد، تجعل الجد رحمه الله يمسك بها كما لوكانت يد والدي ذاته، فيتحدث وهو يوقن أنه ممسك بالشيء الوحيد الذي من شأنه جعل ابنه الأثير قريبا منه، بل ويتشارك معه المجلس نفسه، ولقد ذكر الوالد أن جدي كان أثناء المهاتفة يصمت بين فترة وأخرى، وقد يطول صمته كعادة ما يتخلل المجالس من سكوت، فلقد كان يحدّثه كما لو كانا لا يزالان معا، ولم يبرح المجلس. فالصمت في المجالس يطلق نوعا من الأحاديث الداخلية التي تستكمل الحديث الفعلي، ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فلقد ذكر لي صديق أن شيخين من كبار السن في ليوا جمعهما مجلس، وحانت منهما التفاتة الى التلفاز، وكان يعرض مسلسلا اجتماعيّا، فسأل أحدهما صاحبه: ما تشوفهم ما يسكتون عن الرمسه (الحديث)؟، كيف يوالمهم الكلام؟. فردّ صاحبه: أشهد أنّك صادق، صار الهم ساعتين وهم يهدرون علينا هدار.

في مملكة نبات طفولتنا لم تكن هناك سوى شجرة هنبا (مانجا) وشجرة سدر أخرى كانت تتفضّل علينا بثمرها الأصفر والذهبيّ (النبق). والنبق نوعان أحدهما المحليّ الطيب الطعم والرائحة، والنوع الآخر الذي دخل الأسواق من بلدان أخرى ويكون حجمه كبيرا ولكنه يفتقد إلى ذات الطعم والرائحة اللتان ألفناهما في سدرة مزرعة الجيمي. كما كانت تنتصب بالقرب منهما شجرة ليمون ونطلق عليها (اللوميّة) وكان هناك اليخاخ وهي التسمية المحلية لشجرة الأترنج، ونطلق عليه ترني. وإذا كان لي أن أضيف شيئا من الفواكه النادرة فسوف أدرج الموز، وهو الذي لم أره مثمرا من قبل أبدا، وشجرة اللمبو التي تعدّ من الفواكه بالغة الندرة في طفولتنا.
وأتذكر ما قاله العم سعيد من أن والده أحمد بن خلف جاء بالصرم من البصرة في سفنه، ولقد كانت أبو ظبي في تلك الآونة جزيرة قاحلة، أما اللوز البنجابي الذي ينتشر في أبوظبي وباقي الإمارات الآن، فوجوده حديث عهد، وأصبح طعمه مختلفا عما عهدناه في تلك الأيام، فهو يتخذ مكانا بين الردئ والأردأ، والقليل منه فحسب ذو مذاق طيب، وهو مبتلى بآفتين، أولاهما أنه سريع التفسّخ، وآفته الأخرى هي الديدان، إلا تلك الشجرة التي لازالت تمدّ جذورها في ذاكرتي، وهي في قصر الحصن، وكنا نقصدها أنا وأخي ناصر وخلف سيف سالم وثلّة من الأصدقاء كقبيلة من الجن بعد انتهاء اليوم الدراسي، فنرابط على باب القصر وماهي إلا برهة حتى يفتح الحرس الباب، فلقد كان والدي رئيسا للديوان الأميري، فأشرع بتسلّقها ومعي أخي ناصر وخلف الذي كان يردّد : هذه مقاطعتنا، ولم أذق أعذب ولا أطيب طعما منها، وهي كذلك لم تعد موجودة.
وكلّما تداعت إليّ تلك الأيام، أدعو لها بالسقيا وأردّد قول الشاعر:
سقى الله أيام الصبا ما يسرها ويفعل فعل البابليّ المعتق
أسير في متنزّه الكاشيني في فلورنسا ولقاح الأشجار الباسقة يرتفع في الجوّ وعلى الطريق كندفٍ من الثلج، هو ذات المشهد الذي صوّره المخرج العظيم فلليني في روما ذات يوم، وهو المشهد الذي دفع الأقدمين إلى الإعتقاد أن عشتار ربّة الخصب هي التي وراء هذا الطقس الأزلي للطبيعة، فأقاموا لها عيدا فيه وأسموه عيد عشتار، لقد سلبت الكنيسة (وهذا دأبها مع باقي الأعياد) عشتار عيدها فصار الإيستر هو عيد قيام المسيح.