Thursday, 8 December 2016

أمسية في مطعم مالدانادوس

أوبرا 1
حدث كل شيء عندما دعانا الدكتور «نيفيل وليام» إلى عشاء في مطعم « Maldanados » الفاخر وكان ذلك في عام 1982
قصدتُ المطعم بصحبة الأخ /ناصر والأخ أنور الخاجة
 وفور دخولنا عرفنا أن المطعم وفّر إمكانية الاستماع إلى وصلة غنائية أوبرالية تؤديها مغنيّة صحبة السيد «مالدانادوس» ذاته الذي سيرافقها على البيانو.
لم أكن في ذلك الوقت أحيط علما بالأوبرا بالرغم من أنني ألمّ بجانب من الموسيقى الكلاسيكية وكذلك موسيقى البوب.
كان المطعم يمتلئ عن بكرة أبيه بالرواد، بل كان يبدو وكأنه غصّ بهم على نحو جعلني افكر بأنهم ربما جاءوا من أجل مغنية الأوبرا.
وكان ضوء الشموع يمنح المكان بُعدا سحريا بدا لي وكأنه عقد تحالفا مع اللحظة المرتقبة، وفجأة وعلى مسرح صغير أضيئت الأنوار، وبعد برهة أخرى خرجت امرأة من الوزن الثقيل.
باغتني الأمر برمّته، فلقد هيأت حواسي لاستقبال بروك شيلدز أخرى، وهي التي كنا نراها بين الحين والآخر في متاجر لوس أنجلوس، أو ربما مثل جوليا كريستل التي نهض في بدنها الفرنسي حشد من ملائكة فناني القرن التاسع عشر، وكانت تقدم باقات (الغوز دي مي) على مداخل صالات سينما أوديون.
أما تلك المرأة التي أطلّت علينا وجعلت ضوء الشموع يتحوّل إلى عدسات مكبّرة لنراها وكأنها قد فاضت على المكان، فلقد كانت امرأة أخرى
 وكلما تقدّمت خطوة، صدق ضوء الشموع وكذب ظنّنا.
كانت اشبه شيئا بمصارع سومو ياباني ثبّت قدميه على الحلبة، وصرخ فينا، هل من منازل؟.
ولكن صوتها كان رفيعا كخيوط الحرير على نحو جعلني أفتّش عن المكان الذي يخرج منه. وعندما اكتشفت أن مصارع السومو الذي فاض على خشبة المسرح صعدت موجة ما، موجة غامضة من أحشائي، لم أتمكن من تحديد المكان أو ماهيته ولكنها موجة لم أكن قادرا على تبيّن ما ستسفر عنه، بدأت ترتفع رويدا رويدا من رئتي ثم انفجرت من فمي على هيئة ضحك هستيريّ.. أردت أن أعيدها إلى أحشائي، ولكنها لم تستجب، فلقد انفجرت في كل مكان ولم أعد قادرا على كبح جماحها، وأخذت أضحك، شعرت أن جسدي كلّه تحوّل في لحظة واحدة إلى آلة عملاقة لتوليد الضحك.
فكّرت بكل تراجيديات العالم، في المواكب الجنائزية، في أشكال الفزع الهيتشكوكية، في الراحلين من أحبائي، ولكن لاشيء كان يجعلني أتوقف عن التفكير بمصارع سومو يزاول الغناء.
وصارت تتقدّم بين الطاولات وكأنها تسحب خلفها جيشا مخبوءا في فستانها حتى بلغت الطاولة التي كنا نتقاسمها، تطلّعتُ في وجوه الصحب، ولم تكن الجدية التي ظهرت عليها وجوههم أو التذمّر التي صار يصلني واضحا من الطاولات المجاورة
 قادران على فعل شيء.
ثم قصدتني باستقامة وكأن هتافا باطنيا كان يدفعها نحوي حتى قبضت على يدي.
يا إلهي، ماذا يمكنني أن أفعل الآن، فلقد كانت يد مصارع حقيقي، وعندما رفعت صوتها الحريري بلغتني رعشة يديها فارتعش جسدي برمّته وانتفض وانفجرت موجات جديدة من هيسيريا الضحك الذي كنت أحاول بأي ثمنٍ أن أكتمه حتى برى جسدي، وما أن أطلقتْ يدي حتى اندفعت من المطعم لا ألوي على شيء...
خرج الأصدقاء في إثري، وعلى حين غرّة انحسرت الموجات، وبدأت تذوب، فاعتذرت بشدة من الرفاق بعد أن فوّتُ عليهم وجبةً فاخرة، فلم يكن في نيّتي أن أكون تلك الظاهرة التي لا تحدث إلا في أحايين نادرة وتكون مادة لحكايات طويلة ومزمنة.
قال نيفل وهو يتطلّع متحسراً نحو المطعم لقد أفسدت علينا العشاء يا رجل، فأين سيمكننا العثور على طاولة في هذه الساعة من الليل؟.
 قلت لهم: لم أتمكن من كبح جماح الضحك، لقد خرج مني دون أن أقصده، وكأنه كان كائنا منفصلاً لا يصغي إليّ أبدا، ولكن لا باس، أتحمّل كل ما يترتب على ذلك
 وأنهينا تلك الليلة في أحد المطاعم المكسيكية بعد أن تأكدنا أنه خالٍ من مصارع سومو بصوت سوبرانو.
أوبرا 2
بعد سنوات على تلك الحادثة التحقت بالمجمع الثقافي في أبوظبي، مديراً للثقافة والفنون،
 فشرعت في تنشيط الفعاليات الثقافية على اختلافها وتنوعها.
وعندما أصبحت أميناً عاماً للمجمع الثقافي وكان ذلك وفي عام 1990م، شغلت منصب الأمين العام للمجمع الثقافي، فبادرت بدعوة (نيفيل) للحضور إلى أبو ظبي وزيارتنا في المجمع، فناله العجب، فكيف برجل مثلي تخرج في الرياضيات والاقتصاد أن يرتبط عمله بمؤسسة ثقافية فنية.
صار يتجوّل في أروقة المجمّع، وما أن اكتشف وجود آلة بيانو من نوع (شتاين وي) حتى هاله الأمر وراعه ولم يجد ما يقوله سوى التحديق بي وبالبيانو في متوالية رياضية .
ولقد اتسع ذهوله ونفض في روحه ألف مكمن للدهشة كان عندما حضر عرضا للأوبرا في المجمع، كان يصغي إلى السبرانو وهو يحدّق بي منتظرا أن أستجمع مرة أخرى تلك الضحكة الهستيرية لأطلقها كما فعلت في تلك الأمسية البعيدة.
وعندما خاب رجاؤه، تطلّع في عينيّ برهة وقال: أتتذكر تلك الأمسية في مطعم مالدنادوس؟
 ثم أردف سريعا: هذا هو جزاء فعلتك في تلك الأمسية، لن أتمنى لك شيئا أكثر مما أنت فيه الآن، وياله من جزاء يا محمد.. ياله من جزاء.