Saturday, 22 April 2017

تجارة عباس وحادث فلوريدا


بلغنا نبأ حادث إطلاق النار على نادٍ ليلي في فلوريدا،
فتذكّرت الأستاذ عباس وهو بروفيسور إيراني أخذت معه كورسا (كيف تبدأ تجارتك) وكان ذلك أثناء دراستي في أمريكا (لوس
أنجلوس).
لأول وهلة لا تبدو الصلة قائمة بين حادث إطلاق النار والدكتور عباس، إلا أن العلاقة جوهرية إذا ما جعلتها بموازاة الذكريات التي بدأت تنهال والتي يمكن تصنيفها بالتجربة المريرة بيني وبين الدكتور الإيراني الأصل.
فعندما انتظمت في حصصه، كان عليّ أن أبلغ الفصل الدراسي في ضبط الساعة الرابعة، وكنت أتأخر عشرة دقائق على نحو متكرر بسبب ادائي صلاة العصر.
وذات يوم دخلت الفصل بعد أن تجاوزت الساعة الرابعة بعشرة دقائق، وكانت المحاضرة قد بدأت، فسألني على مرأى ومسمع من
الطلبة: لماذا تأخرت؟
فقلت معتذرا وأنا أمنّي النفس أنه سيدرك على الفور أن التأخر المرهون بالصلاة يمكن لمسلم مثله أن يتفهّمه: كنت أؤدي صلاة
العصر
فقبض الدكتور على قلادة حول عنقه وأخرجها وكان منقوشا عليها آية الكرسي، وقال (وسط دهشة الطلبة): وأنا مسلم أيضا، ولكنني أحرص على التواجد قبل الساعة الرابعة.
فاعتذرت ووعدت بالحضور قبل الرابعة.
ولم تكن هذه نهاية المواجهة المريرة مع هذا الأستاذ، بل كانت في الحقيقة شرارة لمواجهات كثيرة قادمة، ويمكنك القول، كانت نواة تواصل الانقسام على نفسها كلما جمعني معه حديث.
قال ذات يوم، وهو يشير بيديه الواسعتين ويحني قامته المديدة وجسده النحيف وكلما أطاح بكفه في الهواء تلامح فصّ من فيروز نيشابور في خاتمه: الإسلام دين دموي، ثم صمت لبرهة وكأنه يحاول أن يرى أثر الجملة عليّ. أما أنا فلقد شعرت وكأنه صعقني بها، فلقد تلقينا الدين في أسرنا ومدارسنا وعرفنا أن ديننا ناصع البياض، ولاتشوبه شائبة.
فأخذ يسرد حكايات من تاريخ صدر الإسلام وتأسيس الدولة، ثم قال: ومصداقا لما أذهب إليه فالنبي مات مسموما، وثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة ماتوا قتلا، ألم يُقتل عمر بن الخطاب؟، وأليس عثمان من قامت عليه الثورة من المسلمين أنفسهم وقتلوه في داره، وألم يفلق السيف هامة علي بن أبي طالب في مسجد الكوفة؟.
ثم ثبّت عينيه بعينيّ وأردف قائلا: وأنتم... ماذا فعلتم أنتم؟، ملتم ناحية معاوية ولم تنصروا عليا أو تنصفوه.
كنت في ذلك الحين شابا لم أبلغ العشرين بعد ولم تكن الحياة قد عركتني، ووجدت من يحاججني في درس مخصّص للتجارة في أمور لا تجعل نوقي وجمالي تتضاعف، فقلت له: هذا موضوع مضى عليه 15 قرنا ولم يعد الحديث عنه أو استعادته مجديا.
وذات مرة صادفته في مقصف الجامعة، فاستوقفني قائلا: أنتم الكويتيون من أسباب محنتنا في إيران، لأنكم جئتم لنا بالثورة الإسلامية.
فحاولت إقناعه على الفور بأنني لست كويتيا وأن لا شأن للكويت أساسا بمجيء الثورة الإسلامية في أيران، وإن الخميني لم يستوطن بلدا خليجيا بعد نفيه من ايران، بل قصد النجف في العراق قبل ذهابه إلى فرنسا. إلا أن الأستاذ عباس لم يبدو عليه أنه كان مستعدا ليتفهم كلامي.
وفي مرة أخرى وكنا في الفصل قال: إن عمر بن الخطاب هو سبب نكبة العالم المتقدم.
فتفرّست في الرجل قليلا وحاولت أن أفهم ما يرمي إليه، فقلت له: وكيف ذلك؟
فقال على الفور: لأنه هو من أحرق مكتبة الأسكندرية في مصر والمكتبة الفارسية في إيران وهو أمر ذكره ابن خلدون في تاريخه.
فقلت في نفسي (كيف أدفع عن نفسي هذا الشر المستطير، إنه يرى إلى الأمر كمواجهة، فإذا كانت قد بدأت، فكيف ستكون نهايتها. فكل ما يطرحه لم يكن من شأني، فأنا اسعى للحصول على درجة جيدة في مادته، وهو أمر بات على ما يبدو بعيدا وربما متعذّرا).
وبعدها بفترة صادفته أيضا، فقال لي: أنتم المسلمون كالصناديق المغلقة، ولا علاقة لكم بمستجدات العصر الذين تعيشون فيه.
فإذا سمعتم خبرا، كالنزول على القمر ذهبتم لتتحققوا منه في كتبكم القديمة.
أما بخصوص ما كان يحدّثني عنه حول دموية الإسلام في فترة التأسيس الأولى، فحاولت التخلّص منه بوعده من أنني سأعكف على قراءة التاريخ لأفهم ما يقصده.
ومن بين الأشياء التي أثارها هي قضية التاريخ، فلقد قال لي ذات مرة: إنكم باعتمادكم التاريخ الهجري، فكأنكم تعودون إلى الوراء، فالأمم احتاجت إلى آلاف السنين لتهتدي إلى النظام الشمسي، وأنتم تركتم كل ما تحقق وذهبتم إليه تهرولون إلى القمر.
فقلت له: وما شأني بهذا كله، لا تحاكم أحدا أو أمة من خلالي، فأنا هنا للدراسة.
كنت أحاول أن أدفعه عني بالتي هي أحسن حتى لا يتفاقم سخطه عليّ، خصوصا وإنني لم أكن قد قرأت الكورس بشكل جيد، فكانت
محنتي مضاعفة ومركّبة.
وفي إحدى المرات قال: لا فضل للعرب فيما تحقق في الحضارة الإسلامية، لأن كل علمائها من الفرس، بل حتى اللغة العربية التي
هي أخصّ خصائص العرب كان علماؤها فرس أيضا.
فكرت مرات عدة أن الغي الكورس، بسبب أنني حدست أن الأمر لن ينتهي على خير، وستتكرر المواحهة بأشكال وطرق مختلفة.
وبعد نهاية الفصل الدراسي، وعلى فرط التزامي بالحضور وتأدية الواجبات ومحاولة الصمت وأحيانا الانحناء تجنبا لعواصفه إلا
أنني لم أنج من نفمة عبّاي وسخطه، ومنحني أسوأ علامة في مشواري الدراسي، وكانت تلك العلامة سببا في هبوط معدّلي، فلقد
منحني علامة (D) التي لا يفصلها عن الرسوب سوى درجة واحدة.
وقال بعد أن جمعتني به مصادفة أخيرة: إذا دخلت الكورس ثانية، فلا تطمح بأكثر مما حصلت عليه.
والآن عندما أستعيد تلك الوقائع العبّاسية الطاحنة لا أتذكر أنني منيت بتجربة أقسى منها. فكيف لي أن أنسى عباس؟.
ولكن إذا كان لعبّاس فضل (وكل المعلمين لهم فضل بلا ريب)، ففضل عباس كان في جعلي أعيد قراءة التاريخ الإسلامي كاملا وهو الأمر الذي استغرقني سنوات طويلة ومازلت بين الفينة والأخرى أبحث عن صناديق مغلقة لأنبشها وأعرف ما في جوفها.
لقد خرجت من فصل (كيف تبدأ تجارتك)، بفيض من المعلومات التاريخية أضعاف ما فزت به من علم التجارة.
عندما بلغني نبأ وفاته شعرت بالحزن، ثم قلت: عليك أن تنتفض وتمزّق الكفن يا عباس، فلقد صرت اليوم أكثر استعدادا لمواجهتك.
كانت ذكرياتي بالأستاذ عباس لا تتمدد خارج هذه الدائرة، أما الذكريات الأخرى فلقد كانت محض غمام وصواعق بلا غيث أو مطر مدرار، كما في قول ابي الطيب:
ليت الغمام الذي عندي صواعقه يزيلهنّ إلى من عنده الديم
وأنا أقرأ حادث فلوريدا، تمثّل الأستاذ عباس أمامي في قوله لي: أنتم المسلمون تشعرون بتخويل إلهي يمنحكم حقّ تصفية كل من
يختلف معكم في الرأي، فليس عندكم قرع الحجة بالحجة، بل التكفير فحسب، فليس هناك أمة تكفّر خصومها كما تفعلون.
فقلت: إنني محظوظ حقا أن ما يفصلني عن الأستاذ عباس أمور عدة أولها الأبدية التي دخلها بوفاته، والمحيطات، وعقود من الزمن،
وإلا لما تورّع عن اتهامي بأنني أنا من ارتكبت الحادث في فلوريدا.