Saturday, 15 April 2017

الفَرْغ المؤَخَّر



من 16 نيسان (إبريل) إلى 28 نيسان (إبريل)
ندعوكم للتعرف معنا على منزلة «الفَرْغ المؤَخَّر» من مشروعنا الجديد #منازل_القمر كتاب وتطبيق من إعداد الشاعر الاماراتي محمد أحمد السويدي، ونعرض هنا تباعا ًالثماني وعشرون منزلة التي ينزلها القمر كل عام، قوامها ثلاثة عشر يوماً لكل منزلة، عدا جبهة الأسد أربعة عشر يوماً، ما يجعل السنة 365 يوماً تمثل التقويم الشمسي للعرب.
"الفَرْغ المؤَخَّر"، هو "فَرْغ الدَّلو المؤخَّر"، ورابع منازل الربيع، والمنزلة 13 في المنازل اليمانيَّة، وطالعه في السادس عشر من نيسان (أبريل)، ومدَّته ثلاثة عشر يومًا.
ويُعرف عند أهل الحرث والزَّرع بـ "الذِّراع الأوَّل". وأحصى العرب "الدَّلو"، وانتهوا إلى أنَّه أربعة كواكب (نجوم) واسعة مربعة، اثنان منها يُعرفان بـ "الفَرْغ الأوَّل"، والآخران يُطلق عليهما "الفَرْغ المُؤَخَّر". ويقع اثنان من مربَّع هذه النجوم ("المركب" و"الساعد") في كوكبة "الحصان الأعظم"، واثنان ("الجنب" و"سرَّة الفرس") في كوكبة "المرأة المسلسلة".
و"فَرْغ الدَّلو" لغةً هو مصبُّ الماء بين العَرْقُوَتَيْن، كما مرَّ بنا في "الفَرْغ المقدَّم".
قال أبو الطيِّب في بيان المراد من معنى المفردة لغويًا:
طاعِنُ الطَعنَةِ التي تَطعَنُ الفَيـ**ـلَقَ بِالذُّعرِ وَالدَّمِ المُهْراقِ
ذاتُ فَرغٍ كَأَنَّها في حَشا المُخـ**ـبِرِ عَنها مِن شِدَّةِ الإِطراقِ
و"الفَرْغ" هو مخرج الماء من الدَّلو، و"الإطراق" هو النظر إلى الأرض. وهو يصف طعنته بالسعة حتى كأنَّ دمها يجري من فرغِ دلوٍ.
وقال عنترة بن شدَّاد في المعنى ذاته:
بِرَحِيبَةِ الفَرْغَيْنِ يَهْدِي جَرْسُهَا ** بِاللَّيْلِ مُعْتَسَّ الذِّئَابِ الضُّرَّمِ
و"الرحيبة" هي الواسعة. وما بين كل عَرقوتين "فَرْغ"، ومدفع الماء إلى الأودية "فرغ"، فضُرب هذا مثلًا لمخرج الدم من هذه الطعنة، فجعله مثل مصبِّ الدَّلو. و"الجرس" هو الصوت، فيقول: "جرس سيلان دم هذه الطعنة يدل السِّباع إذا سمعن خرير الدم منها، فيأتينه ليأكلن منه".
ولا بدَّ من التأكيد على أنَّ من ذهب إلى القول ببداوة اللغة العربية، وأنها خرجت من محيط صحراوي متقشِّف وزاهد ويفتقر إلى التنوُّع البيئي، ستصيبه الدَّهشة وتنصبُّ عليه انصباب الفَرْغ عندما يجد أن هذا المعجم، على رغم زهده، ترك الأرض وتبوَّأ السَّماء ومنح كواكبها وبروجها لغته وأسماءها.
وفي العلوم الفلكيّة الحديثة، وما أظهرته المراصد والتلسكوبات، تبيَّن أنَّ نجم "الجنب" (Algenib)، في "كوكبة الحصان الأعظم" ((Pegasus، هو أحد أشد نجوم الكوكبة تألُّقًا، قدره الظاهري 2.8، وزمرته الطَّيفيَّة B2 lV، وقدره المطلق 3.4-، أي 1900 ضعف تألُق الشَّمس، ويبعد 333 سنة ضوئيَّة عن الأرض. وأمَّا نجم "سرَّة الفرس" ((Alpherat، ألمع نجوم كوكبة "المرأة المسلسلة" (Andromeda)، فنجم ثنائي طيفيٌّ، قدره الظاهري 2.07، وزمرته الطَّيفيَّة B9p lll، وقدره المطلق 0.7-، أي 153 ضعف تألُّق الشَّمس، ويبعد 79 سنة ضوئيَّة عن الأرض.
وفي الطبيعة والمناخ، يُجَذُّ النَّخل عند نزول "الفَرْغ المُؤَخَّر"، ويُشتار العسل، ويُستحبُّ عرض الخيل للتزاوج. وفيه تُبذر حبوب الصيف، وتُغرس الأشجار المثمرة، ويخضرُّ العشب، وتُسمَّد الأشجار، ويكثر الطَّلع، فيسعى الزرَّاع إلى تأبير نخيلهم. ويوافق هذا النوء حصاد القمح وتقليم أشجار العنب، وتُزرع فيه الخضار الكثيرة، كالفلفل والرِّجلة والقرع والنَّعناع، ومن الفواكه العنب والتِّين والرُّمَّان. وفي أوان ظهور هذا النجم، تهاجر طيور القُمري عائدة إلى مواطنها التي وفدت منها. وفيه تخرج خنافس الليل وجنادبه. ولو كان شاعر الهايكو الكبير باشو، عربيًا، وهو الذى جلس يستمع لصرصرة جندب على قمَّة جبل في شمال اليابان، لترك خلفه كل شيء ولسهر ليله مصغيًا إلى صرير الجنادب.
أمَّا في نهايته، فتحتجب "الثُّريَّا" أربعين ليلة يُطلق عليها "كنَّة الثُّريَّا".
وفي #الإمارات يزهر طيف من النباتات في "الفرغ المُؤَخَّر" منها: "المهتدي"، و"السَّبَط"، و"الجعدة" (اليعدة) وهي التي يُكنَّى بها الذِّئب، و"النيلة"، و"الغاف" أرز عمان، و"النيلة"، و"الحنيظلان"، و"العشرج"، وأبو سريع "العرفج" (وهي كناية لسرعة اشتعال النار فيه)، و"الحلول"، و"السلي"، و"السَّمْر" الذي تعشقه النحل، و"عين الوزَّه"، و"الطرثوث"، و"عشبة أم سالم"، و"شوك الضَّب" الذي تؤرق أشواكه الإبل، و"الغُوَّيف" تبُّولة أهل البادية، و"الحباب" الأبيض القلب والزهر، و"ورد اليبل" (الجبل)، و"الزانون"، و"الحنزاب" وهو اسم يهواه الديك (من أسماء الديك)، وغيرها.
وعند نزول القمر في "الفَرْغ المؤخَّر"، يبدأ موسم "السرايات" المعروفة بأمطار الربيع الغزيرة التي تستمر حتى نهاية نيسان (أبريل)، وسميت بهذا لأنَّها تسري ليلًا والناس نيام، تلك التي كان يعنيها شاعر الإمارات الكبير ابن ظاهر الماجدي عندما قال:
سمعت ابهدهدن في هدو ليل تحايا به اقليب المستهام
كشفت إلحاف مضفي اللفاف نظرته عقب ما طاب المنام
شمالي منكس الجوزا قصاد مغيب الشمس للقبله يمام
ترى هذا مشع أو ذا مفع وساقه مشمعن ساق الظلام
إلى من إضربه عصف الرياح دنا من رعدها عالي النهام
سرى شروى رفيف المطربين مزاره دار شوقي كل عام
وضربتها عصى برق رفوف تخاخا من مغاريه الحزام
وقوله "تخاخا" يعني تداعى واسترخى. وقوله "مغاريه" من قولهم "مغرت في الأرض مغرة من مطر"، وهي المطرة الصالحة.
إن من لا يلمُّ بمنازل القمر، لا يمكنه فك المعنى الخفي الذي أراده ابن ظاهر، وكان يعني "السرايات".
وقال ساجع العرب في "فَرْغ الدَّلو المؤخَّر": "إذا طلع الفرغ، طلب الكلب الوغل، وشبع الفحل"، و"الوغل" هو الشرب، و"شبع الفحل" لوفرة الأكل فلم يرعَ.
قال ابن الأبَّار البَلَنْسي:
مَرَرْتُ بِأَطْلالِ الأَحِبَّة باكِيًا فَدَهْدَهَ مَطْلُولُ الدُّمُوعِ بِها المَرْوَا
وَقَدْ كانَ أَخْوَى النَّجْمُ واحتَبَسَ الحَيا فَشَكْوًا لِسَيْلٍ مِنهُ يُرعِبُ مَنْ أَخْوَى
وَلَو أَنَّ لِلسُحْبِ السِّفاحِ مَدامِعِي لَما أَبْصَرُوا مِنْها جَهَامًا وَلا نَجْوَا
كأَنَّ دِلاء مِنْ جُفونِيَ أُفْرِغَتْ فَلا نُكْر إنْ لَمْ يَعْرِفُوا الفَرْغَ وَالدَّلوَا
وقال أبو العلاء المعرِّي:
فلا الثُّرَيَّا بجُودِها ثَرِيَتْ أرضٌ ولا الفَرْغُ مُخْضِلُ الوَذَم
وحُوتُها جائِلٌ على ظمَأٍ في ناضِبِ الماء غيرِ مُلْتَطِم
وقال الشريف الغَرناطي:
وذي فلكٍ ما دارَ إلا قضى بأن يُعادَ إلى الروضِ الشبابُ جديدا
تجودُ بنوءِ الفرغِ فيه كواكبٌ فتَسقي وهادًا ريُّها ونُجودا
إذا الكوكبُ المائيُّ مِنهُنَّ قُورنت به أنجمُ الأزهارِ كُنَّ سُعودا
وقال الطِّرِمَّاح:
ظَعائِنُ شِمنَ قَريحَ الخَريف مِنَ الأَنجُمِ الفَرغِ وَالذَّابِحَهْ
فَأَبرَقنَ بَرقًا فَحَنَّ المَطِيُّ لِرَمزِ عَوارِضِهِ اللّامِحَهْ
وَأَزعَجَهُنَّ اهتَزامُ الحُداة كَجَلجَلَةِ القَينَةِ الصَّادِحَهْ
وقال لسان الدين بن الخطيب:
ولله من مُلكٍ سَعيدٍ ونصبةٍ قَضى المشتري فيها بِعُزْلةِ كِيوانِ
وسجل حُكمُ العدلِ بين بيوتِها وقوفًا مع المشهورِ من رَأْي يونانِ
فلم تخشَ سهم القوس صفحةُ بدرِها ولم تشكُ فيها الشَّمسُ من بِخْسِ مِيزانِ
تَولَّى اختيارَ اللهِ حسنُ اخْتِيارِها فلمْ يَحْتَجِ الْفَرغانِ فِيها لِفرغانِ
ولا صرفت فيها دقائقُ نِسْبَةٍ ولا حقَّقتْ فيها طوالِعُ بُلْدانِ
وقال الوزير المغربي:
وبعد ذو أخبيةٍ خُنْسٍ قصيراتِ الطُّنُبْ
كجؤجؤِ البطَّةِ مَعْ مِنقارِها إذا انْتصبْ
وأَسْفَرَ الفرغانِ عن أربعةٍ من الشُّهُبْ
كأنها أركانُ قَصـ ـرٍ عِزُّهُنَّ قَدْ خَرِبْ
وكتب إخوان الصَّفا عند نزول القمر في "الفَرْغ المؤخَّر": "اعملْ فيه الطلسم، ولا تدبِّر فيه الصَّنعة، ولا تدعُ فيه الدعوة، وعالج فيه من الروحانيات، وادخل فيه على الملوك والأشراف، وحارب فيه، وسافرْ، وازرعْ فيه ولا تكتَلْ غلَّتك فيه، فإنَّ من اكتال غلته في هذا اليوم يعقبه من السلطان غرم ويذهب ثمنها. ومن ولد في هذا، إن كان ذكرًا كان مشؤومًا محدودًا محارفًا متهتِّكًا، خبيث الدخيلة، سيئ السيرة، مذمومًا عند الناس، وإن كانت أنثى كانت ميمونة سعيدة، محبَّبة حظيَّة عند الرجال".
ولأنَّ نجم "الجَنْب" ونجمُ "سرَّة الفرس" (الفَرْغ المؤخَّر) من كوكبة "بيغاسوس" Pegasus، كما سلف القول، تحكي الأساطير الإغريقية إنَّ "بيرسيوس" Perseus، ابن الإله "زيوس"، كان أوَّل من امتطى البراق (الفرس الأعظم "بيغاسوس")، وقصد في إحدى المرات سواحل إفريقيا لينقذ الأميرة الأثيوبيَّة الحسناء "أندروميدا" Andromeda (المرأة المسلسلة) من براثن الوحش "سيتوس" Cetus. ولقد تمكَّن في نهاية الأمر من تخليصها للمرة الأولى، ذلك أنَّ هناك مرة أخرى، ستكون فيها "أندروميدا" مهددة بوحش من نوع آخر، وحش كوني على هيئة مجرَّة عِملاقة اسمها "درب التِّبانة". وللمصادفة، سيكون على "بيرسيوس" هذه المرَّة أن يخلِّصَ "أندروميدا" من نفسه، إذ رصد المرقب العملاق "هابل" موعدًا دقيقًا لاصطدام المجرَّتين ببعضهما. فبفعل جاذبيتهما الهائلة، فإنهما ينهبان الفضاء نهبًا باتجاه بعضهما بسرعة نحو 400 ألف كيلومترٍ في الساعة الواحدة. لكن سيكون بوسع "المرأة المسلسلة" أن تعيش أربعةَ مليارات سنة قبل أن يهبَّ "بيرسيوس" لإنقاذِها مرَّة أخرى من الاصطدام.
#محمد_أحمد_السويدي
#منازل_القمر