Thursday, 23 March 2017

امرأة مجهولة


http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=509

يقتصر المتحف على الأعمال الفنية، ففيه مجموعة نادرة من أنواع الساعات والأسلحة وبعض المقتنيات المتحفية الأخرى.
وبالرغم من توفّره على هذه المجموعة الواسعة والفريدة من الأعمال والمقتنيات، إلا أنني طالما ترددت عليه بسبب عمل رأيته في زيارتي الأولى قبل نحو عشر سنوات، ولا زلت لا أكفّ عن التردد عليه بسببها،
إنها بالنسبة لي المتحف ذاته وقد تمّ تقطيره في لوحة واحدة، أو كما لو أن الجمال جرى تكثيفه فكانت هذه المرأة التي رسمها فنان معاصر لدافنشي اسمه (بيرو دل بولاليو) عاش بين عامي (1443_1496) واللوحة تمثّل صورة شخصية لفتاة، أو بورتريتا لامرأة مجهولة.
واللوحة تستوقفني لأسباب عدة:
فهي تمثّل ما يمكن أن يكون عليه الجمال في ذلك العصر وما ينتهي إليه، كما أشعر ان هناك شيئا شبيها بالتنافذ بين حضارتين عندما أتطلّع إلى ضفائرها المعقوصة.
ثم يأخذني النظر إلى اللوحة في خلق مقاربات بين رأسها الأصهب، لحمرته الظاهرة، وبين نساء منطقتنا، وأقول في نفسي لعلّ المرأة الغامضة هي سلف القديس البندقي الأحمر فيفالدي، فلقد لقب بذلك لحمرة شعره.
وبالتأكيد فإن الثراء البندقي الذي شهده هذا العصر يتجلى في المرأة على نحو لا لبس فيه، وهو على النقيض من شظف العيش الذي كانت تكابده منطقتنا.
وإذا لم يجد العرب ضيرا من مديح المرأة البخيلة، فإن بخل هذه السيدة الميلانية من نوع آخر، فأقول في نفسي لعلّه من النوع الذي جعلها برغم مرور ما يزيد على خمسة قرون امرأة مجهولة، فربما لم تسدد قيمة اللوحة وهو ما فاقم غموضها وجعلها مجهولة.
أما العقد اللؤلؤي الذي تزدان به ضفائرها وجيدها فكلما رمقته تستجمع الحسرة أطرافها في صدري قبل أن أطلقها زفيراً طويلا،ً، فأقول ربما كان لجدي يد فيه، بل اليد الطولى، ولعله انتخب لهذه الميلانية الغامضة حبات عقدها بعد أن ترك سفنه تجوس هيرات الخليج وهو يتطلع إلى الغاصة من مكان غير بعيد وهم يرمون أجسادهم النحيلة حيث تمكث تحت فضة الماء حبات اللؤلؤ.
ياله من كدح، كانت تُسمع لهم رنة مجداف واحد، ومن بعيد كان يصل صوت النهّام، قويا وواضحا في كل مرة يسحب السيب الحبل أو يطلقه ليهبط جسد الغواص ويخترق أحشاء الماء، ولا يتوقف قبل أن يشعر، بأنه استقر على الهير الصخري الذي تنتشر عليه علامات سعده.
إنها ثلاثة شهور من الكدح الذي يجعل الأجساد خيطيّة وضامرة، يستيقظون فجرا ولا ينقطعون عن معانقة الماء حتى غروب الشمس، ويتعللون من الطعام بأقله، فلا تدخل جوفهم سوى حبات قليلة من التمر وبعض القهوة، وعلى الساحل يتركون النسوة منتظرات أفول موسم الغوص.
كل هذا من أجل أن يجمعوا حبات العقد.
آه كم كابد أجدادنا من أجل تزيين هذا الجيد الميلاني الذي لم أنقطع عنه منذ عشر سنوات، وكم نبشت اصابعه من الحبات لتنهض البهجة في قلب هذه السيدة، ولم يفز أحد منهم ولو بمحض نظرة واحدة منها.