Thursday, 16 February 2017

بشّار وتاغيت


 

في العاشرة من صباح 4 ديسمبر 2013م بينا كانت الشمس وعطارد يحلاّن ضيوفا في برج القوس، والقمر والزهرة يبتسمان لكوكبة الجدي، توجهنا إلى مدينة بشّار، وبعد ضيافة قصيرة في القاعة توجهنا إلى الطائرة التي أقلعت في الحادية عشر صباحاً، ها نحن نعود إلى بشّار وتاغيت مرّة ثالثة، المرّة الثانية كانت قبل عامين.
من لا يتوق إلى الشاي الصحراوي هناك، وإلى الخروف المشوي بالطريقة التاغيتيّة، وإلى شمّ قبضة من رمال الكثبان بلون الطيف، وإلى مشاهدة قرص الشمس الذهبيّ يغيب في الأفق الذي تضرّج بالدم.
شرعت في قراءة رحلة "الشرقي الفاسي" إلى الديار المقدسة، لعلّني أظفر ببعض المقطوعات أُضمّنها كتاب 365 رحلة حج الذي أوشك على إنجازه.
ثمّ قرأت قصيدة الأخ الشاعر/ إبراهيم صدّيقي، التّي تنمّ عن موهبة جزائريّة فذّة، كان قد أهدانيها بمناسبة حواراتنا الماراثونيّة حول أدب المتنبي، يقول إبراهيم:
أرى المتنبي فيكَ خطّ اعترافه *** وأبرز معنى لا يميطُ لحافه
بدا فيك وضّاح المعاني كأنما *** دعاك اليه كي تعيد اكتشافه
وكان كتابا مغلق الفهم مانعاً *** وحسبي علماً أن فهمتُ غلافه
جراحٌ وأفراحٌ وحلٌّ ورحلةٌ *** ودربٌ تلوّى لا أطيقُ انعطافه
إلى أن أراد اللهُ فكَّ رموزه *** ببحرٍ من الأفكارِ طلتُ ارتشافه
سأذكرُ أنّي خفتُ أهوال موجه *** وعلّمتني بالفكر ألاّ أخافه
مساءاتُنا حُبكُ القوافي، وفكرةٌ *** تجلّتْ الى أن ودّعَ الحُبكُ كافَه
كان الوزير مستغرقاً في مطالعة جريدة الصباح، بينما مازن يلتقط الصور بلهفة طفل، ومحمود يدّون الملاحظات كعادته. وبعد ساعتين استقبلنا والي بشّار، وبعد استراحة قصيرة ركبنا السيّارات قاصدين «تاغيت».
كان الوالي قد كُلّف بالولاية قبل ثلاثة أشهر فقط. تبادلنا أطراف الحديث وسألت عن الكمأ (الترفاس) إن كان متوفراً فأجاب بأن هذا الموسم قليل الأمطار لذا تعذّر وجوده، وسألت عن حال النخيل في تاغيت فقد أنكرت حالها قبل عامين، فأجاب بأنها بخير، وبعد مسافة 90 كم، أطلّت تاغيت كغانية حسناء بين جبال من الكثبان الذهبيّة وجبال من الجرانيت الساحر.
ولمّا بلغنا الخيمة التي ضُربت لنا نزلنا، فدخلنا، وقدّم لنا الشاي، رفعت الكاّس قبل أن أرشف وقلتُ: تكبّد عناء قطع الصحراء إلى تاغيت لارتشاف ثلاثة كؤوس من الشاي ولن تندم أبداً، إنّ شاي تاغيت هي المسطرة التي يقاس بها شاي الصحراء. قال مازن: يقول محمد حرتيشي الأديب الذي اختاره الوالي لمرافقتنا: لا يطيب الشاي إلاّ ان توفرت ثلاث جيمات أوّل هذه الجيمات الجمر، وثانيها الجمعة، وثالثها الجوّ، ثم قدّمت الخراف المشويّة التي تشتهر بها المنطقة مع القرّاص (الليمون) والسلطات والكسكسي، فكان نهاراً مباركا لا ينسى، ثمّ ركبنا السيّارات إلى "بختي" مروراً بـ "باربّي" لمشاهدة الرسوم الضاربة في القدم المرسومة على الصخور، وجوه الأطفال الملائكيّة الصغيرة التي لمحتها في الطريق لا تُنسى، وعند وصولنا وقف دليل بزّي أزرق يقصّ علينا خبر الرسوم التي يعود تاريخها إلى سبعة أو عشرة آلاف سنة.
كان الوالي قد أعدّ في ناحية قريبة عدداً من الدراجات لصعود أحد الكثبان الهائلة –قيل انّ ارتفاعه 1500 متر- ولأنّا آثرنا المشي إلى منتصف المسافة، فقد بلغ منّا التعب مبلغاً، التفتّ لأرى إبراهيم بومجيد الذي لم يكبّد نفسه عناء صعود الكثيب.
شاهدنا مغيب الشمس وهي تتخلّل الكثبان الرمليّة في الجهة الغربيّة، كان الظلّ يسعى كالأفعوان شيئا فشيئا إلى قمّة الكثيب الذي وقفنا عليه. قفلنا راجعين إلى بشّار، كان المساء يفرش ذيوله على تاغيت حتى غابت في عباءة من الظلام.
وبعد استراحة في مضيف الولاية نزلنا لتناول وجبة العشاء، استمعنا إلى غناء فرقة «حسناء البشّاريّة الموسيقيّة» أعدّها الوالي بناءً على اقتراح السيّد الحتريشي لاستقبالنا، غنّتنا حسناء أغنيات من البومها "اسمع اسمع"، وبعد تناول وجبة العشاء خلدنا إلى غرفنا استعدادا للسفر الى "بسكرة" في صباح اليوم التالي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الفيديو: تصوير خاص - رحلتنا إلى الجزائر.