Friday, 10 February 2017

سَعْد الذَّابِح


 
http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=477

ندعوكم للتعرف معنا على منزلة « سَعْد الذَّابِح» من مشروعنا #منازل_القمر للشاعر والمفكر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي ، ونعرض هنا تباعاً الثماني وعشرون منزلة التي ينزلها القمر كل عام، قوامها ثلاثة عشر يوماً لكل منزلة، عدا جبهة الأسد أربعة عشر يوماً، ما يجعل السنة 365 يوماً تمثل التقويم الشمسي للعرب
سَعْد الذَّابِح"، المنزلة الأولى من منازل نوء "العقارب"، وهو أول "السُّعود" الأربعة، وأول "خمسينيَّة الشتاء"، وثامن "المنازل اليمانيَّة". طالعه في العاشر من شباط (فبراير)، ومدَّته ثلاثة عشر يومًا
يُعرف عند العامة باسم "العقرب الأولى". ونوء "العقارب" ثلاثة منازل هي في التراث العربي: "سعد الذَّابِح"، و"سعد بُلَع"، و"سعد السُّعود". أوَّلها سمّ (قاتل)، وثانيها دمّ (مؤذٍ)، وثالثها دسم. وسُمِّي بـ "الذَّابِح" لاشتداد البرد عند نزول القمر فيه، فتموت المواشي من فرط برده. ويُثبـِّت الفلكيون (أصحاب الصور) هذا "السَّعد" في موضع قرني "الجدي" من الصورة
و"سعد الذَّابِح" نجمان تَصوَّرهما العرب قصَّابًا (ذابحًا) يذبح شاته ، وموقعه في كوكبة "الجدي". وفي العلوم الفلكية الحديثة، فإنَّ "الذَّابِح" (aldabih) منظومة نجميَّة متعدِّدة في كوكبة الجدي. يبلغ القدر الظَّاهري للمنظومة 3.06، والزُّمرة الطَّيفيَّة للنجم الرئيسي F8، وقدره المطلق 2.4 -، أي يفوق تألُّقه الشَّمس 100 ضعف. وتبلغ المسافة الفاصلة بين النجمين 0.34 سنة ضوئيَّة، وهما يكملان دورة واحدة حول بعضهما البعض كل 700 ألف سنة. وهذه المنظومة تبعد 328 سنة ضوئية عن الأرض. وأمَّا "الشَّاة" ((Alshat، فنجم ثنائي يبلغ قدره الظاهري 4.76، وزمرته الطَّيفيَّة B9 V، ويبعد 253 سنة ضوئية عنها. 

ومن تجليات ظهور "سعد الذَّابِح" في الطبيعة والمناخ، انعقاد أوائل الثِّمار، وفيه تقطّع جذوع النخيل، ويُورق الخوخ، والرمَّان، والمشمش، واللوز، وتظهر الكمأة، وينضرعود التين، ويطلع الأُتْرُج، وتبيض فيه الجوارح، وسباع الطيور
وفي "الإمارات" تزهر طائفة من النباتات في منزلة "سعد الذَّابِح" منها: الصبار، والآرا (آرى)، والحبن (الدِّفلى) زهر يروقك مرآه ولا ثمر، والحرمل، والخناصر الذي يؤثر حفيت (جبل)، والكحل، والرَّمرام، والعلَّان، والليساف، والشَّفلح (كبر)، والمخيسة، والصُّفير، ولحية الشَّايب، والمشموم الذي يشمُّ ويضمُّ، وحوا الغزال، والمهتدي، والخزمة، والعسبج الذي يحجُّ إليها النَّحل، والسَّبَط الذي تتخذ العصافير من قضبانه أعشاشًا، والخزام، وبو قرون، والعشرج (عشرق)، والنِزَاع، والنّيلة، والغاف، وورد اليبل(الجبل)، والظفرة، والخبّيزة، والأرطاة التي يدبغ بورقها أساقي اللبن، فيطيب طعم اللبن فيها، وغيرها من النباتات
وتسمَّى الأيام الثلاثة من نهاية "البلدة" والثلاثة الأولى من "سعد الذَّابِح" بـ "بذرة الست"، وهي الأيام الستَّة التي تصلح لزراعة أنواع جمَّة من الخضار والحبوب
كتب أبو الفضل بن العميد إلى محمد بن يحيى: "وما أحسبنا نشترك في الاسم، فشتَّان بين محمد ومحمد، لو كنَّا السِّماكيْن، لكنتَ الرَّامح، وكنتُ الأعزل، أو النسرَيْن، لكنتَ الطائر وأنا الواقع، أو السَّعدَيْن، لكنتُ سعد السُّعود وكنتَ سعد الذَّابِح
ومن ظريف ما يُحكى أنَّ شهاب الدين كان يومًا عند الملك الأشرف، فدخل عليه سعد الدين الحكيم، وكانت بينهما وحشة، فقال الأشرف: "ما تقول يا شهاب الدين في سعد الدين؟"، فقال: "إذا كان عندك، فهو سعد السُّعود، وإذا كان على السِّماط، فهو سعد بُلَع، وفي الخيام عند الضيوف سعد الأخبية، وعند المريض سعد الذَّابِح". ويعتقد العرب أنَّ الزَّواج في "سعد الذَّابِح" يميت الزَّوج في أقلِّ من سنة
يقول ساجع العرب: "إذا طلع سعد الذَّابِح، حمى أهله النَّابح، ونفع أهله الرَّائح، وتصبَّح السَّارح، وظهر في الحي الأنافح". يريدون أن الكلب يلزم حينئذ أهله، فلا يفارقهم لشدة البرد وكثرة اللبن، فهو يحميهم وينبح دونهم. و"نفع أهله الرائح"، يريد أنه يأتيهم بالحطب إذا راح. و"تصبَّح السَّارح"، أي لم يبكر بماشيته لشدة البرد، و"الأنافح" من إنفحة وتسمَّى "المساه"، وإِنْفَحَةُ الجَدْي شيءٌ يخرج من بطنه أَصفر يعصر في صوفة مبتلة في اللبن فيغلظ كالجُبْن، والجمع أَنافِحُ
والنِّتاجُ في "سعد الذَّابِح" محمود، ونوؤه ليلة
وذكره الطِّرِمَّاح بن حكيم، فقال:
ظعائنُ شِمنَ قريحَ الخريفِ من الفَرغِ والأنجمِ الذَّابِحهْ
و"قريحه" هو أوله.
وقال اللوَّاح الخروصي:
رَمَحتْ بواردهِ الهمومُ ولمْ تَزلْ هِمَمي بهِ فوقَ السِّماكِ الرَّامِحِ
سعدُ السُّعودِ طلوعُهُ بِطُلوعِهِ وَعَلى سِوَايَ طُلوعُ سَعْدِ الذَّابِحِ
وقال ابن دنينير:
أهلَتْ ربوعُ المَكرمات بجودِهِ مِن بعدِ ما عَهِدتْ برسمٍ ماصِحِ
تُلِيَتْ مناقِبُهُ وسُيِّرَ ذِكْرُه بين الرُّواة وكلِّ غادٍ رَائِحِ
لِعدوِّه ووليِّهِ من كَفِّهِ سَعدُ السُّعودِ وذاكَ سَعْدُ الذّابِحِ
وقال ابن سنان الخفاجي:
وَحَبَوتَ أَلقابَ الإِمامِ نَباهَةً وَسِواكَ طَوَّقَها بِعارٍ فاضِحِ
لَو ماثَلوا اللَّفظَينِ كُنتَ بِرَغمِهِ سَعدَ السُّعودِ وَكانَ سَعدَ الذَّابِحِ
وقال البحتري:
يا سَعدُ إِنَّكَ قَد حَجَبتَ ثَلاثَةً كُلٌّ عَلَيهِ مِنكَ وَشمٌ لائِحُ
وَأَراكَ تَخدِمَ رابِعًا لِتُبيدَهُ فَارفُق بِهِ فَالشَيخُ شَيخٌ صالِحُ
يا حاجِبَ الوُزَراءِ إِنَّكَ عِندَهُم سَعدٌ وَلَكِن أَنتَ سَعدُ الذَّابِحُ
وقال أبوبكر بن عمَّار:
ومن يعترضكَ بأوداجِه فَكِلْهُ إلى سَعْدِكَ الذَّابحِ
وكم يزجرون وكم ينصحو ن فمَا يقبلونَ مِن النَّاصِحِ
وما كانَ أنصفَهُم لو رَمَوْا زِنادَ الوَغَى لِيدِ القادِحِ
وكتب إخوان الصَّفا في موسوعتهم عند نزول القمر بـ "سعد الذَّابِح":" فاعملْ فيه الطلسمات ونيرنجات عقد الشَّهوة، والسُّموم القاتلة، وكل علاج يؤدِّي إلى مضرَّة، ولا تدبِّر فيه الصَّنعة، ولا تدعُ فيه الدعوة، ولا تعالجْ فيه الروحانية، ولا تختلط فيه بالملوك والأشراف، وخالط فيه الإخوان، وازرعْ فيه ولا تكتلْ غلَّتك، فمَنْ اكتال غلته فيه تمحقت من يده، ولا تسافرْ فيه، ولا تلبسْ ثوبًا جديدًا، فإنْ لبسه لابس أصابته جراحة من عدوه، ومن ولد فيه إنْ كان ذكرًا، كان ميمونًا محدِّثًا حسن السِّيرة محمود العمل؛ وإن كانت أنثى، كانت حظيَّة عند الرجال، حريصة عليهم، مؤثرة لشهواتهم، متهتِّكة غير مستورة".
ولأنَّ "سعد الذَّابِح" في كوكبة" الجدي"، فقد تصوَّر الأقدمون الجدي في السَّماء ككبش بحري أو سمك كبشي، وهو مخلوق له رأس كبش، وجسد وذيل سمكة، وهو ينحدر من رسومات آشورية وبابلية لإله الحكمة "أوانس" Oannes الذي كان بشكل نصف رجل ونصف سمكة.
وتحكي الأساطير اليونانية إنَّ هذه الكوكبة من النجوم ترتبط بالوقت الذي لجأت فيه الآلهة اليونانية من جبل "الأولمب" إلى مصر. فبعد المعركة الملحمية مع الجبابرة (تايتنز)، لم يدم السلام طويلًا لأنَّ الوحش "تايفون" Typhon ابن جبَّار الجحيم والأرض كان يسعى إلى الانتقام، وكان مخلوقًا نافثًا للنار ومخيفًا وطويلًا يتجاوز طوله الجبال، وله أذرع بأصابع متوحِّشة كل إصبع منها كرؤوس تنانين. ولقد حاولت الآلهة الأولمبية الهرب منه معتمدة على التنكُّر، فكان "زيوس" متنكِّرًا في شكل كبش، و"هيرا" بشكل بقرة بيضاء، وأمَّا "باخوس" (ديونيسوس) تنكَّر في هيئة جدي، ولمَّا اقترب "تايفون" منه، قفز "باخوس" في نهر النيل، ولكن نظرًا لخوفه لم ينجح في تغيير جسده كاملًا، فتحوَّل نصفه الأسفل إلى ذيل سمكة، وظلَّ نصفه الأعلى على هيئة جدي. في الوقت ذاته، قطّع "تايفون" أوصال "زيوس"، فأنقذه "باخوس" بأن أصدر صوتًا عاليًا مدويًا شتَّت الوحش لمدة طويلة كانت كافية ليقوم "هيرميس" (وكان قد تنكَّر على هيئة الطائر "أبو منجل") بجمع أوصال الإله وإعادته إلى طبيعته. استطاع "زيوس" أن يقهر "تايفون" في ما بعد، وحبسه في أسفل جبل "إتنا" Etna في صقلية.
وكعرفان بالجميل رفع "زيوس" "باخوس" إلى قبَّة السَّماء