Saturday, 14 January 2017

منزلة «النعائم»


 
http://www.electronicvillage.org/mohammedsuwaidi_publications_indetail.php?articleid=461

ندعوكم للتعرف معنا على منزلة «النعائم» من مشروعنا الجديد #منازل_القمر للشاعر والمفكر الإماراتي #محمد_أحمد_السويدي ، ونعرض هنا تباعا ًالثماني وعشرون منزلة التي ينزلها القمر كل عام، قوامها ثلاثة عشر يوماً لكل منزلة، عدا جبهة الأسد أربعة عشر يوماً، ما يجعل السنة 365 يوماً تمثل التقويم الشمسي للعرب.
«النَّعائم: 15 كانون الثاني (يناير) إلى 27 كانون الثاني (يناير)»
هو أوَّل نوأي "الشُّبُط"، من شباط (فبراير)، ورابع منازل الشِّتاء، وسادس النجوم اليمانيَّة، وطالعه في السَّادس عشر من كانون الثاني (يناير)، ومدَّته ثلاثة عشر يومًا.
ويقال له أيضًا "النعايم" بتليين الياء كما درج الفلكيون القدامى على كتابتها. و"النعائم" ثمانية نجوم تشكِّل كوكبة القوس (الرَّامي)، جعلها العرب في مخيالهم على هيئة نعامٍ ترِد وتصدر لشرب الماء من الطريق اللبني (درب التبانة).
و"الواردة" من النجوم اليمانيَّة، وهي نيِّرة تشكِّل مربَّعًا فيه أطراف، أطلق عليها العرب "النعام الوارد"، وهي التي تشكِّل المنزلة. وسُمِّيت واردة لأنَّها لما كانت قريبة من المجرَّة، شُبِّهت بنعائم وردت نهرًا. وهي عند أصحاب الصور واقعة في يد الرَّامي الذي يجذب بها القوس. والصَّادرة هي أربعة نجوم (نعائم) تبدو وكأنها شربت وصدرت، أي رجعت عن الماء. أمَّا النَّجم التاسع فكان العرب إذا تأملوه مع "النَّعائم" شبَّهوه بينها برأس الناقة أو سنامها.
وسميّت "النَّعائم" كذلك تشبيهًا بالخشبات التي تكون على البئر. قال ابن منظور: "والنَّعامة: الخشبة المعترضة على الزُّرنُوقَيْنِ تُعَلَّق منهما القامة، وهي البَكَرة، فإن كان الزَّرانيق من خَشَبٍ فهي دِعَمٌ".
وتصور الأقدمون نجوم هذا البرج (الرَّامي) على هيئة رجل، نصفه الأعلى على صورة إنسان، ونصفه الأسفل فرس، وهو يمسك بيده قوسًا مشدودة الوتر، مصوبًا سهمه إلى قلب "العقرب".
وفي العلوم الفلكيَّة الحديثة، وما رصدته المراصد فإنَّ ما كان يسمِّيه العرب النجوم الأربعة" الصادرة"، فهي: نجم "الأسكيلَّا"، -الإبط- Ascella ، وهو نجم ثنائي متقارب في كوكبة الرامي، قدره الظاهري 2.61، وزمرته الطَّيفيَّة A2 lll + A2 V، ويبعد 88 سنة ضوئية عن الأرض. وأمَّا نجم "نونكي" (Nunki – وهو إله الحكمة والمياه العذبة عند السومريين)، فهو أبيض يضرب إلى الزُّرْقة، قدره الظاهري 2.0، وزمرته الطَّيفيَّة B3 lV-V، ويبعد 227 سنة ضوئية عن الأرض. ونجم "فاي الرَّامي" يبعد 239 سنة ضوئية. ونجم "تاو الرَّامي" يبعد 121 سنة ضوئية.
وأمَّا ما كان يطلق عليه العرب النجوم الواردة من نوء "النعائم"، فهي في العلوم الحديثة، تتشكَّل من أربعة نجوم هي: "قوس أسترالوس" (Kaus Australis)، وهي مفردة لاتينية تعني (الجنوب)، وهو نجم أصفر في كوكبة الرامي، قدره الظاهري 2.8، وقدره المطلق 1.1+، أي 35 ضعف تألُّق الشمس، وزمرته الطَّيفيَّة K2 lll، ويبعد 143 سنة ضوئية عن الأرض. و"قوس ميديا" (Kaus Meridianalis)، ومعناه باللاتينيَّة (الوسط)، وهو نجم برتقالي في كوكبة الرامي، قدره الظاهري 2.7، وقدره المطلق 0.7+، أي 60 ضعف تألُّق الشمس، ومرتبته الطَّيفيَّة K2 lll، ويبعد نحو 374 سنة ضوئية. و"نجم النَّصل" (Al Nasl)، وهو نجم برتقالي عملاق، وأشدُّ نجوم كوكبة الرَّامي سطوعًا، قدره الظاهري 2.97، وزمرته الطَّيفيَّة KO lll، ويبعد 96 سنة ضوئيَّة عن الأرض، ونجم "ايتا الرَّامي" يبعد نحو 145 سنة ضوئيَّة. ويعلو النجوم الثمانية نجم تاسع أشدُّ منها لمعانًا هو "قوس بوريالس" (KausBorealis - ربُّ رياح الشمال)، وهو نجم أصفر في كوكبة الرَّامي، قدره الظاهري 2.8، وزمرته الطَّيفيَّة K2 lll، وقدره المطلق 1.1+، وتألُّقه 35 ضعف تألُّق الشمس، ويبعد 78 سنة ضوئيَّة عن الأرض.
وظهور "النَّعائم" يُحدث في الطبيعة والمناخ تغييرات واضحة، فتنعقد شدة البرد في هذا النوء، ويظهر الضَّباب، ويمرُّ السَّحاب سراعًا، وفيه يبدأ (طلع) ذكور النَّخل بالظهور، ويجري الماء في نسغ التِّين ويظهر الهدهد.
ولا يستغرس في "النَّعائم" إلا القليل من الأشجار لفرط البرد، ويُستحب فيه تسميد الأرض، وتقليم ما يبس من فروع الأشجار دائمة الخضرة. وتبدأ فيه زراعة البطيخ، وقصب السُّكر، واللوبياء، والبرسيم، والبنجر، والفلفل، والكرَّاث، وأنواع من البقول والخضار.
وفي "الإمارات" تزهر طائفة من النباتات في منزلة "النَّعائم" منها: "الصِبَّار" الذي يتبع الوديان، و"الآرا" (آرى) الذي يبلغ من الدهر عِتِيًّا، و"الخناصر" التي لا تشبه الخناصر، و"الكحل"، و"الرَّمرام" وواحدته رمرامة، و"حوا الغزال"، و"الطرثوث" الذي ضرب به المثل، قيل: "مكتوب بطرثوث" لعصارته الحمراء، و"الثندة" صاحبة المُعَيْدِي، و"النزاع" الذي يحسد الورد، و"الغاف"، و"ورد اليبل" (الجبل)، و"الظفرة" السَّاطعة كالفضَّة، و"الجرنوه" (رَبَل) الذي تحمل اسمه جزيرة، و"الذَّانون"، و"القطف"، و"العوسج"، و"بربين الجدي"، و"الهَرْم" الحلول العضوي لِلْجِمَال، وغيرها من النباتات.
واعتقد العرب أنَّ النِّكاح في "النَّعائم" محمود. وتقول العامَّة: "الشُّبْط مُبْكِيَةُ الحُصَيْني"، وسُمِّيت بذلك لأنَّ الحصيني (الثعلب) يحفر جحره، ويجعل فتحته باتجاه الشَّمس عند شروقها، لكن الهواء الشرقي البارد الذي يهب في موسم "الشُّبْط"، ينفذ إلى داخل الجحر، فيبكي الحصيني من شدَّة البرد.
يقول ساجع العرب: "إذا طلعت النَّعائم، ابيضَّت البهائم (من الثلج)، وخلص البرد إلى كل نائم، وتلاقت الرعاء بالنمائم". يريد أنهم حينئذ يفرغون ولا يشغلهم رعيٌ، فيتلاقون ويدسُّ بعضهم إلى بعض أخبار الناس.
قال الشريف دَفتر خُوَان وقد عرَّج على ذِكْرِ "النَّعائم" في قصيدة تناول فيها المنازل ونجومها:
كأن نجومَ الغَفْرِ وهي ثلاثةٌ أَثافيُّ خلَّاها على الدارِ راحلُ
كأن بها سربَ النعائم راعه قنيصٌ فمنه واردٌ وَمُواِئلُ
كأن بها الإكليلَ تاجُ مُتَوَّجٍ ومن حوله بالبيضِ جَيْشٌ مقاتلُ
كأن بها نهرَ المجرة مَنْهَلٌ له قافلٌ نالَ الورودَ ونازلُ
وقال أبو العلاء المعرِّي يصف الإبل:
إذا ما نَعامُ الجوِّ زَفَّ حَسِبْتَها مِن الدَّو خِيطانَ النَّعامِ المُفَزَّع
وكتب في ضوء السقط شارحًا: يُراد بـ"نعام الجو": النعائم من منازل القمر. و"زَفَّ": استعارة لمسيرها، و"الزفيف" سير سريع في تقارب خطو. و"الدَّوُّ" الأرض المقفرةُ. و"خيطان النَّعَامِ" جمع خيط، وهو قطعة منها.
وقال ابن الدمينة:
أُدَارِى بِهِجرَانيكِ صِيدًا كأَنَّمَا بآنفِهِم مِن أَن يَرَونى الغَمائِمُ
فأشهَدُ عِندَ اللهِ لَا زِلتُ لَائمًا لِنفسِىَ ما دَامَت بِمَرَّ الكَظائِمُ
لِمَنْعِيَ مالًا مِن أُمَيمَةَ بَعدَ ما دُعِيتُ إليها إنَّ شَجوِي لَدَائِمُ
تباعَدتُ حَتَّى حِيلَ بيني وبينَهَا كما مِن مَكانِ الفَرقَدَينِ النَّعائِمُ
وجاء في موسوعة إخوان الصَّفا عند نزول القمر في "النَّعائم": "فاعملْ فيه نيرنجات المحبَّة وتأليفات المودَّة، وأطلقْ فيه الأخيذة، واحلل عقد السُّموم القاتلة، واعملْ الطلسمات، ودبِّر الصَّنعة، وادعُ فيه بالدعوة، وعالج فيه الروحانية، واستفتحْ فيه أعمالك كلها، وخالط الملوك والأشراف، وسافرْ، وازرعْ واكتلْ، وتزوَّج، واشترِ الرَّقيق والدَّواب، وحارب فيه، فإنَّ فيه الظفر والسَّلامة، والبسْ ثيابك الجدد، فإن ذلك محمود العاقبة، نافذ الرُّوحانية، حسن الخاتمة، تام الزكاء والبركة. ومن ولد في هذا اليوم، أ كان ذكرًا أم أنثى، كان سعيدًا ميمونًا، محبَّبًا حسنَ السِّيرة، مستور الحال".
ولأنَّ "النَّعائم" نجوم في كوكبة القوس (الرَّامي)، وهو (الرَّامي) في الأساطير الإغريقيَّة قنطور Centaurus نصفه الأعلى إنسان والنصف الأسفل حصان، فالقناطير تتحدَّر من أصلين مختلفين، الأول من "كرونوس" Cronus، والثاني من "إكسيون" Ixion.
وتحكي الأسطورة إنَّ "كرونوس" كان يخون زوجته "رِيا" Rhea مع الحوريَّة "فيليرا" Philyra، ابنة "أوقيانوس" Oceanus، وفي ليلة من الليالي، داهمت الزَّوجة العشيقَيْن، فأسرع "كرونوس" بالتخفِّي في شكل حصان ليفلت منها، فورَّث ابنه "كايرون" Chiron الطبيعة المزدوجة لجسد القنطور.
وكان "كايرون" على عكس باقي جنسه، قنطورًا مسالمًا، حكيمًا، يجيد العزف على القيثارة والغناء (تعلَّم في صغره على يدي "أبولُّو "و"أرتميس")، وكان خبيرًا في التَّداوي بالأعشاب، وعَرَّافًا عظيمًا.
ولأنَّه ابن "كرونوس"، وأخ غير شقيق" لـ"زيوس"، فقد كان مخلدًا، تعهَّد بالرِّعاية كثيرًا من أبطال الإغريق كـ"أخيل" Achilles، و"أجاكس" Ajax، و"جيسون" Jason وغيرهم.
أمَّا باقي جماعة القناطير، فتتحدر من نسل "إكسيون"، ابن "أريس" Ares ملك" لابيث" Lapithas.
وكان "إكسيون"، ابن "أنتيون" Antion و"بيريميلا" Perimela، ملك "ثيساليا" Thessaly، سيئ الطويَّة. وكانت أولى خطاياه لما تزوَّج من "ديا" Dia، ابنة "إيونيوس" Eioneus، فأخفق في تقديم مهر العروس. لذلك أخذ "إيونيوس" جياد "إكسيون" ضمانًا إلى أن يبرَّ "إكسيون" بوعده. وكان "إكسيون" قد وعد والد العروس أن يهبه المملكة، ودعاه إلى وليمة كبيرة. لبَّى "إيونيوس" فيها الدَّعوة، فقام "إكسيون " برمي ضيفه في النار. وإذْ يعتبرُ الإغريق قتل ذوي القربى خطيئة لا تغتفر، وليس هناك غير "زيوس" من يغفر له خطيئته، فقد أدناه زيوس إليه (لأجل عيون ديا) في جبل "الأولمب".
لكن نفس "إكسيون" الشَّرهة سوَّلت إليه إغواء "هيرا"، زوجة" زيوس"، فأخبرت بفورها زوجها الذي قرَّر اختبار "إكسيون" بأن خلق سحابة استلقت على السَّرير على هيئة "هيرا "، وقبض على "إكسيون" متلبسًا بالفحشاء مع غيمة، فَسَلْسَلَهُ "زيوس" على عجلة نارية، قيل في السَّماء، وقيل في العالم السُّفلي، إلى أبد الآبدين. وتَزْعُمُ عجوزٌ إغريقية أنَّ السَّحابة حبلت، ووضعت ولدًا اسمه "قنطورس"، كما وضعت "ريا" ولدًا اسمه "بيريثوس" Peirithous ابن "إكسيون"، وقيل إنَّه ابن" زيوس" نفسه.