Friday, 16 December 2016

عمّموا عليه يا سعادة السفير



زارني الطبيب "سيماما" نهار أمس، ليتحقّق من الضغط وتسارع ضربات القلب، وبعد الفحص قال: سنأخذ تحاليلاً للدم غداً، وراح يصفّ قائمة بالأمراض المحتملة (إيدز، سرطان، غدد، بروستات، هيبتايتس)، وترك ورقة بقائمة الفحوص المطلوبة وقال: الضغط سليم، وكذلك القلب، وسنرى غدا نتائج فحص الدم.
وفي صباح اليوم هاتفني مدير الإستقبال وقال: الممرضة هنا، كانت الساعة الثامنة صباحا، فقلت في نفسي: لماذا بكّرت بنصف ساعة، وأمرته بإرسالها إلى الغرفة، ولمّا دخلت تكلّمت بالفرنسيّة، فأجبتها بالإنجليزيّة، فقالت: تحكي عربي، قلت: نعم، فقالت: اسمك سيمون، فقلت: لا، فتلبّكت وقالت: هناك خطأ، واستأذنت في مهاتفة المختبر، ثمّ اعتذرت وقالت: حدث خطأ، سأذهب إلى المريض الذي قبلك، ثمّ سأعود إليك، فقلت: لا بأس، سأكون في انتظارك، وبعد ربع ساعة عادت، واعتذرت ثانية، وسألتْ ما اسم المختبر الذي تريدني أن أرسل إليه الدم؟ فقلت: اسألي مدير الإستقبال فهو الذي رتّب لي زيارة الدكتور "فيليب سيماما"، فقالت: حسناً.
وراحت تقرأ وصفة الدكتور وتخرج مجموعة لا تحصى من القوارير والأمصال، وقبل أن تأخذ العيّنات هاتفني مدير الإستقبال من جديد وقال: لقد وصلت الممرّضة، فعلمت أنّ هناك سوء تفاهم، فقلت له: لتتفضّل، واعتذرت من الممرّضة الجزائريّة التي كنت قد بدأت معها الخوض في أحاديث عن بلدها الجزائر، وعن الإمارات، فاعتذرت هي كذلك من الخطأ الغير مقصود، وضمّت أدواتها وانصرفت.
ذكّرني الموقف بالحادثة التي جرت منذ أسابيع في مطار (روما) وأنا متوجّه إلى الجزائر بصحبة الصديق مازن مصطفى والسائق أنور، وصلنا إلى قاعة الطيران الإيطالي فلم أجد في لوحة الطائرات المغادرة سوى طائرة جزائريّة واحدة مسافرة إلى الجزائر، فاتجهنا إلى محطّة أخرى بعيدة بلغناها بشقّ الأنفس.
وفي مكتب الإستقبال عرضنا تذاكرنا على المضيفة فتيّقنت بعد عناء أنّنا على الطائرة الإيطالية التالية، فعدنا إلى المحطّة التي جئنا منها، وسلّمت التذاكر للمضيفة، فبينما هي تدخل البيانات حتّى حانت نوبة تبادلها مع الموظفّة المناوبة، وبعد أن فرغت من إدخال البيانات سلّمتنا بطاقات السفر، فذهبنا إلى قسم الجوازات ثمّ إلى بوّابة الطائرة، وكان كلّ شيء يسير على ما يرام، انتظرنا دخول المسافرين إلى الطائرة ثمّ هممنا بالدخول فأوقفني موظّف البوّابة وراح يتأكد من بطاقة سفري مراراً وقال: انتظر هنا، وأشار إلى مكان خلفه، وخاطب مازن قائلا: تفضّل، فردّ مازن: لا، ليس قبل أن تحلّ الإشكال، وكذلك قال أنور.
شعرت كأنني مطلوباً للأمن ورحت أنتظر، اقترب رجل أمن وراح، ومّوظف ثالث يتهامسون، فاستعانوا بمسؤول أكبر، أقبل بعد حين، وراح يعالج ما التبس من أمر في جهاز الكمبيوتر، وبعد برهة اعتذر وقال: سأحل الإشكال، ثمّ ناولني البطاقة وكذلك فعل مع مازن وأنور، كان قد مضى وقتٌ طويلٌ على المسافرين الذين كانوا في انتظارنا في الحافلات التي ستقلّنا إلى الطائرة، وعندما دخلت الحافلة صاحوا بأعلى صوتهم وكأنهم قد تمرّنوا طويلاً على ذلك، ما الأمر يا محمد السويدي، هل ضيّعت الجواز أو التذكرة؟، شعرت بخجل ممثّل يقف أمام الجمهور لأول مرّة، ورفعت جوازي وبطاقة سفري إليهم وقلت: لا، هما معي! ..
حينها دخلت مضيفة أخرى يتبعها رجال أمن وقالت: أريد رؤية كل البطاقات الثمانية والثمانين من جديد، وأضافت بطاقة بطاقة، فتذمّر الركب وقالوا بصوت واحد: مرّة أخرى! فأجابت: نعم، وراحت تعدّ المسافرين حتّى أحصت الجميع، فتحّركت الحافلة إلى أن بلغنا الطائرة، وما أن جلسنا على المقاعد حتّى دخل رجل آخر وقال: من هو محمد السويدي، فأجاب المسافرون بصوت واحد: هو ذاك، فقال الرجل موجهاً كلامه لي: أنت محمد السويدي؟، فقلت: نعم، فقال: وأين محمد السويدي الثاني؟ عندها سألتني امرأة جزائريّة كانت تجلس معي في الصف الأول، ما الأمر؟ فقلت لعلّ موظّفة الإستقبال أدخلت اسمي مرتين، قال رجل الأمن أين هي أوراق حجزك الأولى، وكان أنور قد وضعها في الحقيبة التي ذهبت مع العفش، فقلت إنّها في الحقيبة، فردّ قائلا: لن تتحرّك الطائرة قبل أن أرى هذه الأوراق، فخطر لي أنّها موجودة في بريدي الإلكترونيّ، ففتحت الهاتف وأريته الأوراق التي تثبت الحجز، جرت مداولات قبل أن يندفع رجلاً فجلس في المقعد المتوسط بيني وبين المرأة الجزائريّة، تبيّنت إنّه من عمان، ثمّ دفع رجل الأمن الهاتف لي، وخاطب الرجل العماني قائلاً: أين أوراق حجزك؟ تململ العمانيّ وقال: أنا رجل دبلوماسيّ أعمل في سفارة عمان في الجزائر، ولقد فرغتم من الرجل هذا (وأشار إلي) لتنشغلوا بي، لقد مررت بحواجز كثيرة لم تعترض دخولي حتّى بلغت الطائرة، وأضاف لن أبرح الطائرة أبداً، وبعد التدقيق في أوراقه تبيّن أنه من ركّاب الطائرة الجزائريّة التي كان مقرّرا أن تسافر قبلنا بساعة، فأمر رجل الأمن الدبلوماسي العماني بمغادرة الطائرة، فغادر وهو يدمدم ويتوّعد، أعيد حساب المسافرين من جديد فكانوا ثمانية وثمانين، وأعلن قبطان الطائرة عن الإقلاع بعد تأخير قارب الساعتين.
قصصت هذه الحكاية مراراً في الجزائر، وذات مرّة كان سعادة ناصر بن سيف الحوسني سفير عمان في الجزائر حاضراً فقال: هذا رجل يعمل لدينا في السفارة وما زلنا في انتظار أوبته، فقلت له: قبل أن يكمل جملته: لا تركنوا للطليان ولا للطيران الإيطالي، عمّموا عليه يا سعادة السفير.