Friday, 18 November 2016

بضاعتها رُدّتْ إليها

 
 

في كلّ مرة أكون فيها بمواجهة شجرة «دلب» في جولةٍ في جنائن «الريجنت» أو «الهايد بارك» في لندن، أحدس كما لو أنني أواجه رئة خضراء تمنح الحياة اليّ أنا الإنسان منذ الأزل.
يا لها من علاقة حميمة تربطني بها، علاقة تمدّني بأسباب الحياة، فالأشجار مختبر هائل لتوليد الأوكسجين بلا مقابل، سوى أن نمنحها حياتها ونطيل أمد بقائها، فكلما سقطت أو اقتلعت شجرة في مكان ما، أشعر وكأن غابات العالم كلها تنتحب في أعماقي.
أتطلّع إلى شجرة «الدلب» في كلّ مرة وكأنني أعيد لحظة الخلق الأولى عندما بدأت عملية التركيب الضوئي، تطلق هذه الشجرة (النباتات) الأوكسجين وتوزّعه علينا بسخاء وكأننا أبناءها، أقف أمامها واقول: أنت.. أيتها الشجرة، كما تمنحك الشمس الحياة وأمنحك الحياة، فأنا مدين لك ببقائي.
يشتمل الجسم الإنساني السويّ على مجموعة من الخلايا تبلغ في المتوسط نحو 40 ترليون خلية،
ومقدّر للخلية أن تنقسم، ومقدّر لها أن تموت وأخرى تولد، فالموت والميلاد يكمنان في أعماقنا دون أن نشعر بذلك، فنحن لا نكفّ عن حمل بذرة فنائنا معنا منذ يومنا الأول.
يمكننا تشبيه كل خلية فينا بمطبخ أو مختبر صغير، وهنا أريد عمل وصفة يمكنها أن ترشدنا إلى طريقة عمل الخلية (جانب من عمل الخليّة)... إنّ الإنسان كائن يعيش على الأوكسجين الذي يتحصّل عليه في عملية التنفّس (الشهيق)، والهواء الذي يحيطنا مكون من عناصر عدة يشكل النتروجين نسبة 78% منها، ويشكّل الأوكسجين 21% ، بينما تشكّل بقية العناصر -ومنها غاز ثاني أوكسيد الكربون- النسبة الضئيلة المتبقية.
وفي عملية الشهيق تدخل هذه العناصر في الجسم الإنساني من خلال الأنف أو الفم إلى الرئة، فتلتقط كريات الدم الحمراء في مجرى الأوردة الاوكسجين (O2) وتحمله في رحلة طويلة إلى أعضاء الجسم المتفرقة، وتسمح له بدخول الخلايا، كخلايا العضلات على سبيل المثال، في ذات الوقت الذي يحمل فيه الدم الجلوكوز (السكر) المتحصّل عليه من عملية التمثيل الغذائي إلى ذات الخلايا، مع العلم أن جسيم الجولوكوز يتكون من ارتباط 6 جزيئات من عنصر الكربون و12 من الهيدروجين و6 من الأوكسجين (C6H12O6).
وخلال هذه الرحلة تحدث عمليات تفكّك وإعادة تركيب، وهذه العملية يُطلق عليها: التنفّس أو التبادل الغازي.
ينجم من تفكّك الجلوكوز توّلد الطاقة التي يحتاجها الجسم، ثمّ يعاد تركيب ذات العناصر في الخليّة ذاتها في صورة أخرى هي غاز ثاني أوكسيد الكربون (CO2) والماء (H2O) وهي ذات العناصر الأولى ولكن بعد تبادل أدوار، إنها عملية شبيهة بالرقص مع تبدّل الراقصين.
أما غاز ثاني أوكسيد الكربون المتحصّل من هذه العمليات فتدفعه الخلايا إلى مجرى الدم ومنه إلى الحويصلات الرئوية، وتطرحه خارج الجسم في عملية الزفير.
وأما النيتروجين (الغاز النبيل) فيخرج كما دخل. إنّها عملية تدوير أزليّة هائلة للعناصر على مستوى نباتات العالم والمليارات السبع من البشر وملايين القرون من الزمان.
في ذات يوم بهيّ أخبرني صديق بينما كنا نذرع* الجنائن الملكية: «أتعلم إنّني لا أكترث بالموت إذا فاجأني على حين غرة، فحسبي أن استقبله كما أستقبل النوم، فمرارة الموت لا تكمن في حتميته، وإنما في مكابدة المرض الذي يسبقه». وأنا أصغي إليه تذكرت ما كان يردده جدّي -رحمه الله- قائلاً: «أسال الله أن لا يعوزني ولا يحوجني في أخريات ايامي إلى أحد».
أضاف صديقي -ونحن نسير-: «أجدني دخلت في تلك المعادلة الهائلة في إعادة تدوير جسدي وتوزيعه في جسوم الطبيعة وأنا في تصالح وسعادة، فأنا على استعداد لأردّ للطبيعة 65% من الأوكسجين الذي يتشكّل منه جسمي، وأعيد لها 18,5% من الكربون، و 9,5% من الهيدروجين، و3,2% من النيتروجين، ونتفٍ من الكالسيوم والمغنيسيوم والكبريت والفوسفات والصوديوم والكلور، إنّها بضاعة الطبيعة ردّت إليها».
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*نذرع: استعارة، والمعنى "كمن يقيس المسافة بذراعه".