Saturday, 8 October 2016

بَيروتْ – بِرلينْ – بَيروتْ




ندعوكم للتعرف على حكاية «أين الجمل والصحراء؟» من رحلة "بَيروتْ – بِرلينْ – بَيروتْ" لــ "كَامل مُرُّوَه" وهي جزء من مشروعنا #أدب_الرحلة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أين الجمل والصحراء؟
ورأيت في محطة غراتز فتاة مجندة، يقال لها ولا ريب حسناء في أيام السلم، تحمل "بسطة" عليها أرغفة محشوة باللحم، فتذكرت أنني لم أتناول طعام الفطور، وتقدمت منها طالباً رغيفاً، فأجابت:

- أرجوك البطاقات أولاً.

البطاقات؟ أجل، نحن الآن ضمن ألمانيا حيث يسود نظام التقنين الدقيق كل شيء، فلا ينال السائل شيئاً إلا بالبطاقات، ولا يستطيع أن يشتري ولو ورقة خس إلا بالبطاقات.
ولكن من أين لي البطاقات وأنا لم أدخل ألمانيا إلا منذ ساعات، ولم أحصل بعد على بطاقاتي؟
قلت لها ذلك، فأجابت أن خادم القطار هو مسؤول عن ذلك، وعليّ أن أرجع إليه في أمرها. ويظهر أنها أدركت من لهجتي أنني غريب، فقالت: أأنت إيطالي أم فرنسي؟
قلت: كلا، أنا عربي.

وانطلقت من حنجرتها شهقة، وأرفقتها بعبارة ألمانية، تشبه في لغتنا "بسم الله الرحمن الرحيم" وقالت: أنت عربي؟ أبيض اللون؟ وترتدي هذه الملابس؟ أين العمامة والجبة؟ أين الجمل والصحراء؟
وقبل أن أجيب راحت تنادي رفيقاتها وتصيح: هذا عربي! هذا عربي!
وتجمَّعَت فتيات المحطة حولي، وكلهن مجندات، ينظرن إليّ نظرات الدهشة والاستقصاء، كأنني أعجوبة القرن العشرين، ورحن يلقين عليّ أسئلة أذكر بعضها على سبيل المثال: كم زوجة لك؟ هل أنت أمير؟ ألا تزالون تقبلون أيدي بعضكم بعضاً؟
لا حاجة لأن أصف للقارئ الشعور الذي استولى عليّ في تلك الدقيقة.

وقد تكرر هذا المشهد بعد في أكثر رحلاتي، فنحن العرب مجهولون في أوروبا، تستقي الجماهير صورتنا فيها من روايات السينما الأميركية وخرافات ألف ليلة وليلة. وبين الهزل والجد رحت أحدث الفتيات عن العرب وبلادهم، وأرسم لهن صورة صادقة عنا.
ولا أدري ماذا ترك حديثي من الأثر في نفوسهن، وكل ما أذكره أن عروبتي حلت مشكلة البطاقات، إذ قدمت لي الفتاة البائعة الطعام بلا بطاقات، وذهبت في السخاء إلى أبعد من ذلك، فرفضت أن تتقاضى الثمن.
*من رحلة كامل مروة، بيروت.. برلين.. بيروت